البداية وسلوك السرد في قصة جزيرة الهفوات لخالدة خليل

339

البداية وسلوك السرد في قصة جزيرة الهفوات لخالدة خليل
السارد المختفي ينصهر في حس القارئ
كريم ناجي
تبدأ جملة الاستهلال، في قصة »جزيرة الهفوات« للاديبة خالدة خليل، بصوت السارد المتخفي »الخارجي« الذي يوظف ضمير الشخص الثالث ليسرد القصة من زاوية نظر الشخصية المحورية فيها »سعيد«. “لم تكن هي المرة الاولي التي قرر فيها »سعيد« حزم أمتعته هرباً من قبضة الحياة التي أحالت كل أمنياته الي هباء …. ما أقسي قبضة الحياة حين تعصر دون أن تكسر..” تشير الجملة الي امور عدة وتزود القارئ بمعلومات اولية مركزة، بلغة مكثفة، وعبارة موجزة. تشير الي السارد، والي شخصية القصة، والي اسمه الذي قد ينطوي علي مفارقة، وتشيرالي خصمه العتيد »قبضة الحياة« والي اللحظة الحرجة التي يمر بها، والمنعطف الذي يحاول اجتيازه، فهو يحزم امتعته محاولا الهرب، ولكن المهمة عسيرة لأن الخصم قوي واسع محيط، وتشير الجملة ايضا الي انتصار الخصم وخسارة سعيد في المنازلات السابقة، والي امنياته التي اصبحت هباءً منثورا.
كل هذه الامور وغيرها تضمنها الجزء الاول من الجملة. وتضمن ايضا تساؤلات تصاحب تلك الامور التي يشير اليها؛ منها ما يتصل بالسارد ومستوي تخفيه، وحدود معرفته، وعلاقته بالشخصية. ومنها ما يتصل بالشخصية وماضيها ومستقبلها، فقد وضعتنا المؤلفة في حال ترقب حين اختارت تقنية الولوج الي الحدث مباشرة، واختارت لحظة تقع علي نقطة فارقة من خط حياة سعيد، تلك النقطة الواقعة علي رأس منعطف حاد حساس من حياته، منعطف يطل علي الماضي باخفاقاته وآلامه، ويستشرف المستقبل والامل المرجو منه في آن معاً. ومنها مايتصل بالحدث او الموقف.
ثمة أسئلة اخري؛ منها سؤال عن اسلوب »النفي« الذي غلب علي صياغة الجزء الاول من الجملة، واسلوب »التعجب« الذي صيغ به الجزء الثاني منها. هل تخفي القصة في اعماقها وفي الاجزاء اللاحقة منها شيئا من حالات النفي او المعاني الاخري التي تذكرنا بها كلمة »نفي«؟ ومنها سؤال مشابه لكنه اكثر تحديدا؛ لماذا بدأت القصة بكلمة »لم«؟ وهل توحي معانيها بايحاءات تتصل بمضامين القصة؟ تدخل »لم« علي الفعل المضارع ويكون لها ثلاثة آثار: النفي، والجزم، والقلب.
الفعل المضارع الذي يعني الحاضر والمستقبل والحركة والحيوية، والنفي الذي يعني الالغاء وعدم حصول الفعل وعدم اثبات معناه، والجزم الذي يعني القطع والانفصال، والقلب الذي يعني قلب الزمن الحاضر الي الماضي. هل كان لهذه الالفاظ والمعاني وتعالقاتها وتداخلاتها والتوسع بها، هل كان لها صلات بمضامين القصة وما ستؤول اليه المصائر؟
لاريب في ان الاجزاء المتبقية من القصة ستوسع تلك المعلومات الموجزة التي اشارت اليها في بدايتها، وستلقي الاضواء علي جوانب اخري، وتقدم اجوبة توضح تلك التساؤلات المتقدمة.
شعور داخلي
لنعد الي الجزء الثاني من الجملة، الذي صيغ باسلوب التعجب؛ “ما أقسي قبضة الحياة حين تعصر دون أن تكسر..” والتعجب تعبير عن شعور داخلي، فمن صاحب ذلك الشعور؟ طبعا لايمكن ان يكون غير المتكلم »السارد«، ولكن أ يُعد هذا نوعا من حالات ظهور السارد؟ وهل يتناقض مع تخفيه واتخاذه موقعا خارج عالم القصة؟
ويمكن تفسير ذلك بامرين متداخلين هما: الاحساس بالمشاركة، ونسبية اختفاء السارد.
ولزيادة الايضاح نقول: ان السارد يكون في وضعين رئيسين، فهو اما ان يتخذ موقعا داخل القصة، ويصرح بوجودة موظفا ضمير الشخص الاول، ليحكي قصته او قصة شخصية مشاركة له في القصة، ويكون القالب السردي ذاتيا اوشخصيا اويدعي الحكي الداخلي او السرد المتجانس. واما ان يتخذ موقعا خارج القصة، ولا يعلن عن وجوده الصريح، ويوظف ضمير الشخص الثالث، ليحكي القصة من زاوية نظر شخصية رئيسة موجودة داخل عالم القصة، ويكون القالب السردي موضوعيا، اويدعي الحكي الخارجي او السرد غير المتجانس.
وفي هذا الوضع الثاني »الخارجي، المتخفي« يكون تخفّي السارد نسبيا، أي انه وعلي الرغم من عدم ظهوره علنا، الا انه في عدد غير قليل من القصص العالمية التي كتبها رواد هذا الجنس الادبي واعلامه، يمكن ان نتلمس مواطن يلوح خلفها السارد ولا يكون في حال التواري التام، فنجد بعض العبارات التي تعبّر عن شعور داخلي، او تعبر عن جنس السارد او معتقده، او تنم عن تقاليد اجتماعية، وغير ذلك مما يشير الي السارد وليس الي الشخصية، ولا يختلف سارد هذه القصية عن السارد في قصص كتبها: ادغار الان بو، او تشيخوف، او موباسان، او كاثرين مانسفيلد، او ستيفن كرين، او همنغواي … اما الاحساس بالمشاركة فانه واضح في تعبير السارد وتعاطفه مع سعيد، وقد يكون السارد عاش ظروفا مشابهة لما يمر به سعيد الآن، وفي هذا دافع آخر للمشاركة الوجدانية الانسانية. ما أقسي قبضة الحياة حين تعصر دون أن تكسر.. كلمات لايمكن ان يتفوه بها انسان يعيش حياة مستقرة هادئة، لابد ان السارد يستعيد تجارب تختزنها ذاكرته من ايام صعبه، انه يري قسوة الحياة حين تعصر الانسان وتتركه معذبا، اشد من قسوتها حين تبطش به، وقد يحتمل هذا التعبير تلميحا آخر من التلميحات الاولية التي تمهد للنهاية.
يمكن ان نلمح في تحول الاسلوب اللغوي من النفي الي التعجب ما ينم عن دلالات ومهارات لانه يتناغم مع تحول آخر في »المسافة السردية« بين السارد والشخصية فقد كانت قريبة في الجزء الاول من الجملة ثم انسحب السارد الي موضع وسط للتعبير عن المشاركة بينهما.
بعد ذلك يقدم السارد معلومات خلفية عن سعيد ” فهاهو اليوم بعد خمس سنوات من التخرج ما يزال يبحث دون جدوي عن عمل والاكثر مرارة من كل هذا هو تخلي حبيبته »فنار« عنه، فنار التي ما يزال يؤجل خطبته لها لعجزه عن تأدية متطلبات الزواج. الأمر الذي دعا فنار الي الموافقة علي قرابين أول طارق لبابها .” ثم يعرّج علي موقف مهم يضيء جوانب من مشاركته في الحياة العامة ومواقفه الفكرية وماتعرّض له جرّاء ذلك ” أصابه تكرار الصدمات بمس الرحيل فما كان من سعيد الا أن يتوسد جمر الذكريات الغضة؛ أيامه الجامعية حين سيق الي التعذيب ذات مرة بسبب أفكاره عن الحرية التي يدعونها مفسدة للانسان ! “
ثم تأتي بعد ذلك جملة اخري ” عندما نخرس ونصمت يقولون أنتم جبناء وعندما نصرخ يقولون لنا أنتم متمردون !” كلمات تعبر عن المشاركة كما مرّ في جملة البداية، ولكنها تختلف عنها في جانب مهم، ان هذه الجملة يمكن ان تنسب الي السارد ويمكن ان تنسب الي الشخصية، وهنا تتعدد جوانب المشاركة لتشمل الشكل والمضمون. ويوظف السارد هذه الجملة لغرض آخر، انه يتخذها وسيلة للانتقال وعبارة تساعد علي التحوّل من قالب سردي الي آخر، ومن زاوية نظر الي اخري.
لقد انسحب السارد بعد ان افتتح القصة وأطّرها وقدم معلومات مركزة، ليفسح المجال لشخصية القصة، ليترك »سعيد« يبث همومه بصوته، ويكشف عن اعماقه وآلامه وآماله وذكرياته المرة والحلوة، ويخاطب »فنار« وينقل اقوالها بلغة شعرية ” ووسط دبيبِ الحواس ورنينِ أجراس الضجر هربت مني دمعتان حين تذكرت آخر جملةٍ قالتها: إن العمر نازل في ذكره العدّ يا سعيد وصاعد في أقفاصي الفارغة شهيقُ الحنين إليك فما عدتُ أحتمل” لكن السارد يعود ليواصل سرد تفاصيل رحلة سعيد، وهربه عبر تركيا والبحر، وفي بعض المواضع يوظف ضمير جماعة المتكلمين للتعبير عن المشاركة الانسانية مع سعيد، وتمثيل افراد المجموعة الهاربة التي انضم اليها سعيد، والتي يحتمل ان يكون السارد احد افرادها ” كنا نتنقل حيناً بالسيارات وأحيانا أخري بالسيرعلي الاقدام عبر الغابات الكثيفة بصحبة المهربين ،حتي وصلنا إلي مدينة أنطاليا الساحلية حيث البحر الذي يفتح ذراعيه للمهاجرين بكل الوانهم” ثم يعود الي ضمير الشخص الثالث لينقل اهوال الرحلة التي انتهت بغرق القارب، وفقدان سعيد.
/2/2012 Issue 4128 – Date 21- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4128 – التاريخ 21/2/2012
AZP09

مشاركة