البحث عن المخفي في لواحق الزمن – جبار النجدي

377

دقيقتان ودقيقة واحدة للشاعرة بلقيس خالد

البحث عن المخفي في لواحق الزمن – جبار النجدي

تكتب الشاعرة بلقيس خالد الشعر بمهارات المكر الانثوي الذي لايضاهيه مكر  بوصفه فرعا من فروع الذكاء في التحايل على المعنى وتهذيب القبح ليصبح جمالا ذلك يدل على الفوز بأمكانية الكتابة الشعرية المنطوية على فعل مؤجل ، تلك الدواعي الأنثوية بوسعها تبديد ضجرنا بأمتياز فثمة فارق كبير بين متن النص ومايريد ان يقوله في النهاية خارج المتن ذاته مع ان النهاية في نصوص مجموعة (دقيقة اودقيقتان) للشاعرة بلقيس خالد بمقدورها ان تدرك معنى جديدا مضافا

انها النهاية التي تخفي معنى كامنا قد يبدو جهدا لاثمرة منه لكنه مثير للجمال والدهشة اما النصوص فقد تبدو هي الاخرى لاتقول شيئا لكنها في حقيقة الامر تقول اشياء واشياء ولكن ببضع كلمات مبتسرة، تلك الخصيصة الموغلة بالتكثيف من شأن الشعر

ان يجعلها في زمن لايهرم ، زمن رابض خلف مايدون من محسوس وملموس وغير مدون :

تأوهت ثم انصرفت

فكرة

لم ادونها

او :

ادور

حول

القصيدة

كلما بحثت عن مستقر

لامرية في ان نصوص بلقيس خالد القصار تتنقل من الصمت الى حسن الاستماع عبر استيلاد شعري لامنقطع فكل كلمة تحضر في نصوصها تنبع من نبض الحياة باسرها لكنها تظهر وتختفي كما لوكانت بصمة من بصمات الغياب قبل ان تشكل حضورا لافتا ان الارجاء لمعنى ما يعني امكانية التوليد الشعري المستمر الذي بامكانه ان يغادر النهايات نحو بدايات جديدة تحدث وتعاود الحدوث ان النهاية في شعر بلقيس خالد لاتعني قطع مسار الشعر وانما احالته صوب وجهة اخرى وضمن هذا الاشتغال فان كل نهاية تخفي بداية ما وبموجب ذلك فأن الشعر يبدو هنا مثل كائن لاتصاحبه اي صفات حية ذلك ان شخصية النص ماهي الا سيرورة لايمكن انصياعها لأي ختام على الوجه الذي يجعلها كاملة فالاكتمال نظير النقصان على الدوام وذلك يحتم على الكلمة ان يكون ماقبلها يقتضي معناها بل ان الكلمات لاتوفي المعاني حقها والسبب يعود الى ان الوهم في كثير من الاحيان يتحول وسيطا لاثبات معنى ما فيصبح كل منهما شرطا لوجود الآخر  اذن لايستقيم المعنى ويتواصل من دون نقصان فثمة شئ غائب عن المعنى بأستمرار ولعل هذا النقصان يدل على دوام السيروة المولدة لشعر كهذا وعلى وفق هذا التصور نرى ان المعاني تأبى ان تظهر من دون نقص يشي بالأكتمال الذي يجري عبر نافذة من الفراغ المخفي بختم من الشمع لامناص من فضه لنرى خينئذ ان النصوص تدور على شيئين اساسيين النقص ومحاولة تتميمه بنقص آخر تأتي به الشاعرة لاحقا ووفقا لذلك فأن ظهور المعنى رهن بحظور النقصان كرديف له فنلمحه لمحا خاطفا في النصوص:

قالت : لا

وفي كف ابيها تركت

اثر وجهها

او :

اسطورة اخرى

للعشق

تحكيها

ظلال شجرة

———-

هل تود ان تصير

امرأة ؟!

سؤال وجهته الى

فراشة تحوم

حولي

———–

جدتي

كم عمرك الآن

سكتت

لتعد جبهات القتال

ان مهارة اخفاء النقصان في معنى النص من شأنه ان يجعل النص يتيه في دروب خفية حيث لايعيد الزمن الامور الى نصابها ابدا انها لاتظهر حيث نبحث عنها كونها تمثل تنصيصا داخل النص ذاته وسر من اسرار انتاجه بل انها سابقة للنص واكثر واحدث نشوءا منه بسبب انها تمضي وراء التخفي وبما يشبه الاعجاز في ادارة النص وانجاز مايتبقى منه من خلال صمت النص وتكلم المخفي ان النص لدى بلقيس خالد ينقضي من دون تحقيق غرضه لذلك يبقى متكلما مع راهنيته الصامتة المشدودة الى الثرثرة ولكن ببضع كلمات فقط ومن ثم يسلم النص نفسه للآخر فيتكلم المتلقي بدلا عنه بعد مغادرة سطوره للورقة لكنه يبقى في رحاب قارئه في الأوان ذاته استجابة لرغبة بقاياه الماثلة في النقصان والمستغرقة في عملية استكمال دورها في سياق المعنى والدلالة اللتان بوسعهما ان يظهرا حتى مابعد اكتمال النص على سطور الورقة مضيفين شوطا آخر سيجده المتلقي في عراء النص وبياضه :

لاتقل

لأمرأة

فقدت اولادها

الحرب: انتهت

ومثلما تنتهي القصيدة تنتهي الحرب ولكنهما لن ينتهيا على الاطلاق طالما ظلا محلقان في الفضاء الافتراضي لمعاني النص ودلالاته فقد ينتهي النص لكنه يبدأ من جديد من جهة القارئ الذي يجد حتى في المنام مايشير الى استكمال النص لاغراضه خارج حدود سطوره ورؤيته للواقعات غير المرئية من فصول الحرب ليتجنبها :

مادامت الاقدار سخية

حيث القتل في

حلمي

سأمضي النهار نائمة ايضا

ويتجلى التأجيل الذي يولده النقصان باوضح صوره بصيغة الارجاء والتعليق الفاتن الحميم واللامتناهي :

بقبلة اخرى

نؤجل

الوداع

ان التأجيل هنا هو كتابة بيضاء كتبت توا خارج النص وتفوق بالأهمية النص نفسه من جهة تحليقه في مجرى الزمان والى اجل غير مسمى في سماء تخطف الاشياء خطفا بريحها فيكتمل النص هذه المرة وتكتب السطور المتبقية التي تكمله في رحاب الفضاء بأكمله :

ربما

عطرته الأحلام

قميص نوم خطفته ريح من الحبل

وتتشارك الشاعرة مع الطبيعة ايضا على طريق استكمال النص بلا قلم وورقة :

كلما لويتها

بكت

ثياب بللها المطر

بناء على ماسبق فأن اوثق البراهين تدل على ان النقصان الذي يمثل المخفي في نصوص المجموعة يحيل الى معان تحدث في برانية النصوص وزمنها وفي حوزة زمن قادم وخارج حدود مايكتب من شعر.

مشاركة