الباحث السوري محمد العاني مدير مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات “لـ (الزمان): ما يحدث في سوريا تدمير لمقومات المجتمع والدولة.. والشرق الأوسط

حاوره : عبدالحق بن رحمون
الرباط

أكد لـ (الزمان) الباحث السوري محمد العاني، المدير العام لمؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث” التي يوجد مقرها بالمغرب بالعاصمة الرباط، “أن المسألة السورية لها رمزيات كثيرة” .
وشدد محمد العاني في حواره مع (الزمان) أن المسألة السورية تعبر عن مدى الفشل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي “وصلنا” إليه في العالم العربي، عن حالة التفكك واليأس، وعن انهزام عميق في النفس…” .
مضيفا “نحن نعيش أقسى حالات فقدان المعنى التي فجرت أقصى حالات التطرف، وبخصوص الدور الذي تقوم به المؤسسة قال: ” نحن مؤسسة تناهض العنف والتطرف، وموقفنا ذو بعدين إنساني وثقافي فكري” .
من جهة أخرى، يأتي هذا الحوار مع محمد العاني في غضون إعلان مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث”، إلغاء تنظيم مؤتمرها السنوي الرابع بتونس، وتخصيص الميزانية المرصودة له قصد دعم اللاجئين السوريين، ومساعدتهم في محنتهم.
وفي غضون ذلك، كشف محمد العاني لـ (الزمان)، أن “الميزانية بسيطة جدّاً، وتكاد لا تذكر قياساً إلى احتياجات أكثر من 6 ملايين لاجئ” ،مضيفا: “أن قيمتها نحتسبها أخلاقياً وكتعبير عن مبادئنا وقيمنا وليس مادياً، رغم أن المادة هي ما يحتاجه اللاجئ أكثر، ولكن إمكاناتنا بسيطة ومحدودة”.
كما حذر محمد العاني من مأساة الشعب السوري، وتداعياتها الخطيرة على العالم العربي ككل؛ لأنها تهدد النسيج الاجتماعي العربي، مؤكدا أن لها انعكاسات على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والأمني والسيكولوجي، كما اعتبر أن هذه الانعكاسات، سلبية جدّاً..” ، وقال “لم نعد نبحث عن حقوق أساسية، وإنما عن حقوق هامشية؛ عن حق الهجرة واللجوء بدل حق العيش في وطن، عن حق الهروب من الموت، عن حق الموت على الأرض بدل الموت في البحر” .
كما أوضح محمد العاني، المدير العام لمؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث” في حواره مع (الزمان) أن ما يحدث في سوريا، يتجاوز تدمير المدن وتهجير السكان إلى تدمير النسيج الاجتماعي وتهجير العقول، هو تدمير لمقومات المجتمع والدولة.. والشرق الأوسط ككل مهدد بالمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
مضيفا “نحن أكثر استعدادا للموت من الحياة، وأكثر استعدادا للألم من الفرح، لأننا الأكثر استعدادا للاستهلاك الحداثي والديني معاً.
وفي ما يلي الحوار الذي أجرته (الزمان) مع السوري محمد العاني المدير العام لمؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث”:thumbnail_DSC_0230

*أول سؤال أطرحه عليك أستاذ محمد العاني: لماذا نلحظ اليوم صمتا للشارع العربي والمثقفين تجاه القضية السورية…حيث لا نرى احتجاجات أو تنديدات بهذا الواقع المأساوي الذي يعيشه الشعب السوري؟
**مرحبا بك؛
قد يكون الصمت تعبيرا عن مدى الألم، ولكن الصمت هنا هو أخطر تجليات ألفة الموت؛ موت الجسد والكلمة والشعور.. إنها حالة قنوط وقناعة راسخة باللاجدوى من فعل أي شيء.
الحياة باتت مستغربة، والموت بلا ألم مزية، وربما أمنية عند الإنسان العربي،
لم نعد نبحث عن حقوق أساسية، وإنما عن حقوق هامشية؛ عن حق الهجرة واللجوء بدل حق العيش في وطن، عن حق الهروب من الموت، عن حق الموت على الأرض بدل الموت في البحر. أصبحنا نسأل عن أضعف الإيمان، عن الاحتجاج والتنديد، كل شيء على الهامش في عالمنا العربي، ابتداء من وجودنا وانتهاء بموتنا ومرورا بكرامتنا.
أخشى أن نعتاد موت الضمير، كما اعتدنا موت الجسد…
*ما الرسالة التي تريدون توجيهها إلى العالم من خلال القرار الإنساني لمؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث”، حينما أعلنتم إلغاء مؤتمرها السنوي الرابع، الذي كان من المتوقع أن ينظم في العاصمة تونس في شهر سبتمبر(أيلول) المقبل، وذلك تضامنا مع اللاجئين السوريين؟
**أردنا أن نذكر بهذه المأساة ليس لذاتها فقط، وإنما أيضاً لتداعياتها الخطيرة على العالم العربي ككل؛ فهي تهدد النسيج الاجتماعي العربي، وانعكاساتها على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والأمني والسيكولوجي سلبية جدّاً..
نحن مؤسسة ترفع شعار الإصلاح والتجديد والنهوض بواقع الأمة، وما يحدث في سوريا وغيرها أعادنا إلى الوراء عشرات السنين.. وكان يمكن أن نعقد مؤتمرا حول هذا الموضوع، ونبين هذه الأخطار المحدقة، ولكن ربما نحتاج إلى مواقف أيضاً..
هناك الكثير من الكلام والقليل من المواقف.
المسألة السورية لها رمزيات كثيرة؛ فهي تعبر عن مدى الفشل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي وصلنا إليه في العالم العربي، عن حالة التفكك واليأس، وعن انهزام عميق في النفس…نحن نعيش أقسى حالات فقدان المعنى التي فجرت أقصى حالات التطرف، ونحن مؤسسة تناهض العنف والتطرف، وموقفنا ذو بعدين إنساني وثقافي فكري.
*قمتم أيضا، بتخصيص الميزانية المرصودة لتنظيم المؤتمر قصد دعم اللاجئين السوريين، ومساعدتهم في محنتهم؟ ( كم تقدر هذه الميزانية، وكيف سيتم توزيعها على شعب يعيش المنافي والاغتراب)؟
**الميزانية بسيطة جدّاً، وتكاد لا تذكر قياساً إلى احتياجات أكثر من 6 ملايين لاجئ، وقيمتها نحتسبها أخلاقياً وكتعبير عن مبادئنا وقيمنا وليس مادياً، رغم أن المادة هي ما يحتاجه اللاجئ أكثر، ولكن إمكاناتنا بسيطة ومحدودة.
بطبيعة الحال، وكما أشرنا في بيان سبب الإلغاء، إننا سنقوم ببعض الأنشطة الثقافية التي تهدف إلى إبراز أبعاد هذه المأساة على المستوى الإنساني والأخلاقي والثقافي الفكري، وسنعلن عنها حالما تكون جاهزة.
*تم التعاطف مع قضية اللاجئين السوريين في بداية الربيع العربي، كما تم التعاطف مع المواطنين السوريين الذين يعيشون اليوم في بلدان عربية ومغاربية، إلا أنه مع مرور الوقت بدأت اللامبالاة تتسرب إلى المتعاطفين معهم، في رأيك ما الحل؟
**الحل كما ألمحت إليه سابقاً، ألاّ نبقى على الهامش، انظر من خرج تعاطفاً مع قتلى شارلي إيبدو مع أنه في ذات اليوم قتل في البلدان العربية أكثر من 500 شخص..
لاحظت حينها الكثير من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي على هذه المفارقة واللامساواة في الموت، وهذه أبشع مظاهر اللامساواة بين البشر…
أليس من الخطير أن يصبح التضامن مع إنسان ما في مكان ما هو بشكل ما، انتهاك لكرامة إنسان آخر؟
الإنسان العربي لم يعد يبالي؛ لأنه يرى بأنه لا يستطيع فعل شيء، وأن دائرة تأثيره لا تتجاوز حدود ظله، ولأنه مشغول بهمه الخاص وتأمين أدنى متطلبات وجوده، ولأنه اعتاد مراقبة إحصائيات القتلى والمهجّرين واللاجئين ومشاهد الموت.
هو يأمل فقط ويتمنى ألاّ تصله هذه الفظائع إلى بلده ودياره، ولكننا نذكره بأننا جسد واحد، وأن منسأته لم تعد تقوى على حمل جسده..
ما حدث ويحدث، يجعلنا كائنات غريبة تماماً ومتناقضة بشكل متطرف، من الموت الجسدي (الانتحار الاحتجاجي) المصبوغ دينياً إلى الموت الأخلاقي والضمائري.
نحن أكثر استعدادا للموت من الحياة، وأكثر استعدادا للألم من الفرح، لأننا الأكثر استعدادا للاستهلاك الحداثي والديني معاً.
*وصلت القضية السورية إلى الباب المسدود، وبسببها صرنا نعيش حربا عالمية غير معلنة، في رأيك، من المسؤول عن هذا الوضع؟ وهل هناك من يكره سوريا ويريد تقسيمها؟
**لا يوجد باب مسدود على أية حال، وكلنا مسؤولون بشكل أو بآخر. عندما تكبر المأساة بهذا الشكل، وتصل الأمور إلى وضع لا نكاد نرى فيه بصيص أمل؛ يصبح من الصعب حل المشكلة… لأن هذا الوضع ما كان ليصل لما وصل إليه لولا فشل النظام العالمي أخلاقياً…
كل المؤسسات والمنظمات الدولية التي أنشئت لحماية الإنسان تبين اليوم بما لا يدع مجالاً للشك، أنها عبارة عن أدوات سياسية شأنها شأن الحروب، لذلك، عندما تكون الأدوات التي من واجبها أن تحمي الإنسان من الحروب وما تجره عليه من مآسي؛ جزءا من الأدوات التي تصنع الحروب؛ فهذا يبين مدى فظاعة المشكلة وحجمها، وإن انتهت بمكان فستعود في مكان آخر..
اليوم، الحروب تشن باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وباسم الدين وباسم المقاومة.
هناك مصالح خلقتها المنظومة الحداثية يراد للجميع أن يدخلها كَرها.. والإكراه يصنع الكراهية بين جميع الأطراف، الإكراه في الدين والإكراه في الحداثة وجهان لعملة واحدة، والوجوه المبتسمة والمتأنقون لا يختلفون هنا عن أصحاب الوجوه العابسة من المتطرفين؛ فالحروب والمآسي التي فتكت بالإنسان بالجملة تناهز بمئات الأضعاف القتل الذي يمارسه المتطرفون بالتجزئة.
*هل بالثقافة والفكر يمكن أن يصل صوت الأغلبية الصامتة من اللاجئين السوريين؟
**في اعتقادي إن الثقافة والفكر ليس لهما صوت مسموع أصلاً في عالمنا العربي، حتى تتمكن من إيصال صوت هؤلاء اللاجئين، ولكن رغم ما ترى من تشاؤم في كلامي، فلا يجب أن يتمكن اليأس منا، لأننا حينها نكون قد انتهينا ولا جدوى من وجودنا.
(ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) والإنسان نفخة من روح الله..
الأمل هو ما يميز الإنسان؛ فالحساب والثواب والآخرة كلها معانٍ (آمال) تخص الإنسان وحده، وعندما يتخلى الإنسان عن هذه المعاني لا يعود إنساناً.. وعندما وعدتنا الحداثة بأن الأمل ينتهي بانتهاء الزمان، لم يعد بمنظورها الإنسان إنساناً، بل هو شيء قابل للاستهلاك من طرف القادر على الاستهلاك، والأخلاق ذاتها أصبحت أشياء. وكذلك فعلت الرؤى المتطرفة للدين التي أرادت تحقيق هذه المعاني دنيوياً، فهي تحاسب وتثيب وتعاقب وتكفر، لتنتهي هذه المعاني في الزمان الأرضي أيضاً.
كلاهما تحول إلى آلهة، وهم يتصارعون.
* ما قراءتك للوضع السياسي والثقافي لسوريا الآن، في ظل هذا الانكسار والتقتيل الذي تعيشه سوريا وأيضا ما يعيشه الشرق الأوسط؟
**ما يحدث في سوريا يتجاوز تدمير المدن وتهجير السكان إلى تدمير النسيج الاجتماعي وتهجير العقول، هو تدمير لمقومات المجتمع والدولة.. والشرق الأوسط ككل مهدد بالمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
هناك أكثر من ثلث سكان الأردن من اللاجئين السوريين، فماهي تداعيات ذلك على الأردن بمؤسساته وإنسانه؟ وكذلك في لبنان أيضاً يقتربون من النصف..
أن يصبح اللاجئ غير مقبولٍ من قبل دولة ما فهذه مشكلة. أما أن يصبح مرفوضاً من قبل أبناء جلدته (من الشعب ذاته) فهذه كارثة. ولا ألوم هنا أحداً، أو أعترض على المبررات الاقتصادية والاجتماعية، ولكنني أدعو إلى الصبر والتأني، وإلى تجاوز المنظور الفردي للأزمة الذي قد تثيره بعض التصرفات السلبية وغير اللائقة من بعض اللاجئين، فهذا شيء طبيعي قياساً إلى حجم المشكلة وواقعها الأليم. وأدعو المثقفين والإعلاميين إلى ممارسة دور إيجابي في هذا الموضوع، لذلك وجبت هذه الوقفة من مؤسستنا، لأن الرفض الاجتماعي لهذا اللاجئ له ضرر أكبر بكثير من التحمل والصبر، ومشاعر الكره والانتقام ستتأجج، والمعدم الهارب من الموت الذي يبحث عن مأوى أو لقمة طعام هو إنسان مستعد لفعل أي شيء لنيل ذلك.
*اخترتم المغرب مقرا رئيسا لمؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث”، كيف وجدتم الاشتغال في المغرب؟ وما هي دواعي هذا الاختيار؟
**المغرب دولة وشعباً وباحثين لهم فضل كبير علينا، ولاحتضانه للمؤسسة دور حقيقي في نجاحها، ولم نعد بحاجة لتبرير دواعي هذا الاختيار؛ فقد اجتهدنا ودرسنا اختيار المقر، وها هي النتائج تؤكد نجاعة هذا الاختيار..
والحقيقة، أنا كسوري في المغرب لم أشعر يوماً أنني غريب، بل أشعر بكل صدق أنني بين أهلي، وأن المغرب بلدي الثاني والأقرب إلى قلبي.
وباسمي، وباسم فريق العمل كلهم، نقدم للمغرب الغالي أسمى عبارات الشكر والمحبة.

محمد العاني في سطور. . .

– يشغل محمد العاني موقع المدير العام لمؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث”، وهو من الباحثين في مجال الدراسات الإسلامية، والناشطين في المجال الثقافي والفكري العام.
– تخرج في العام 1992 في جامعة دمشق وتحصل على دبلوم تعويضات الأسنان، حاصل على بكالوريوس في العلوم الاجتماعية، ويحمل عدة شهادات تدريبية في الإدارة والإعلام.
– عمل مديراً لمجمعات طبية في السعودية حتى العام 2008، وفي تلك الأثناء أدار بعض المنتديات والمواقع الفكرية والثقافية كموقع “معراج القلم”، وموقع “الكلمة الحرة”، ونُشرت له بعض الدراسات والأبحاث منها: “حول ماهية القرآن” و”أسطورة نقط المصاحف”، و”النبي المُفتَرى عليه”. وساهم في العديد من الندوات والورشات الفكرية والثقافية.
– عمل باحثاً في مؤسسة الدراسات الفكرية المعاصرة حتى العام 2011، ثم انصبت جهوده منذ نهاية العام 2011 على تأسيس مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث”.
– قام بتحقيق وتقديم العديد من أعمال المفكر السوداني المعروف ” محمد أبو القاسم حاج حمد”، ونُشر منها ستة كتب في “دار الساقي”، وهي: “الحاكمية”، و”جذور المأزق الأصولي”، و”تشريعات العائلة في الإسلام”، و”القرآن والمتغيرات الاجتماعية”، و”حرية الإنسان في الإسلام”، و”العالمية الإسلامية الثانية “.
صدر له:
– له حالياً كتاب من تأليفه تحت الطبع بعنوان “كيف نشأت الحياة – جدل العلم والدين”، ويعمل على إنجاز كتابين آخرين (الدين والدولة في الإسلام) و (الروح – الحلقة المفقودة في ارتقاء الإنسان).