
بيروت- الزمان
وصل البابا لاوون الرابع عشر الى بيروت الأحد، حاملا رسالة سلام إلى لبنان، البلد الغارق في أزمة مزمنة ولا يزال يعيش تبعات حرب دامية مع إسرائيل، عقب زيارة لتركيا ركّزت على الحوار من أجل وحدة المسيحيين.
وناشد البابا لاوون الرابع عشر الأحد من بيروت التي وصلها حاملا رسالة سلام، اللبنانيين الى التحلي بـ»شجاعة» البقاء في بلدهم، داعيا المسؤولين الى أن يضعوا أنفسهم في «خدمة» شعبهم، في خضم الأزمات التي تعصف بالبلد الصغير.
ولبنان هو المحطة الثانية للحبر الأعظم (70 عاما) خلال جولته الخارجية الأولى منذ انتخابه على رأس الكنيسة الكاثوليكية في أيار/مايو، والتي استهلها من تركيا حيث شدد على أهمية الحوار والوحدة بين المسيحيين. في خطاب ألقاه في القصر الرئاسي في بعبدا قرب بيروت، بحضور السلطات ودبلوماسيين، تحدث فيه عن صفات «فاعلي السلام»، قال البابا «هناك لحظات يكون فيها الهروب أسهل، أو ببساطة، يكون الذهاب الى مكان آخر افضل» مضيفا « يتطلب البقاء أو العودة إلى الوطن شجاعة وبصيرة».
وخاطب البابا اللبنانيين بالقول «أنتم شعب لا يستسلم، بل يقف أمام الصعاب ويعرف دائما أن يولد من جديد بشجاعة».
وأضاف «عانيتم الكثير من تداعيات اقتصاد قاتل.. ومن التشدد وتصادم الهويات ومن النزاعات، لكنكم أردتم وعرفتم دائما أن تبدأوا من جديد». وحض البابا في كلمته اللبنانيين على اتباع «طريق المصالحة الشاق»، وشدد على أهمية العمل على «شفاء الذاكرة وعلى التقارب بين من تعرضوا للإساءة والظلم»، وإلا سيكون «من الصعب السير نحو السلام». وتوجّه رأس الكنيسة الكاثوليكية الى المسؤولين اللبنانيين، داعيا اياهم الى أن «يقدموا هدف السلام على كل شيء». وقال «أشجعكم على ألا تنفصلوا ابدا عن شعبكم، وأن تضعوا أنفسكم في خدمة شعبكم الغني بتنوعه». وقال البابا لاوون الرابع عشر الأحد إن خيار الدولتين يبقى «الحل الوحيد» لإنهاء النزاع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وذلك على متن الطائرة البابوية في طريقة من إسطنبول إلى بيروت. وللمرة الأولى منذ انتخابه في أيار/مايو، عقد الحبر الأعظم الأميركي مؤتمرا صحافيا على متن الطائرة، وهو تقليد دأب عليه أسلافه. وقال البابا إن «الكرسي الرسولي يدعم علنا منذ سنوات اقتراح الحل القائم على دولتين. نعلم جميعا أن إسرائيل لا تقبل به حتى الآن. لكننا نراه الحل الوحيد القادر على إنهاء النزاع الحالي».
وأوضح أنه أثار هذا الملف خلال لقائه الخميس في أنقرة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان «الذي يوافق تماما على هذا الطرح»، مضيفا «لتركيا دور مهم تؤديه في هذه العملية».
ويعترف الفاتيكان بدولة فلسطين منذ العام 2015، ويدعم حل الدولتين. وهبطت طائرة البابا الأميركي في مطار رفيق الحريري الدولي، آتيا من اسطنبول، قرابة الساعة الرابعة إلا ربعا (13:45 ت غ)، في زيارة تستمر حتى الثلاثاء للبلد المتعدد الطوائف والذي يقدر عدد سكانه بـ 5,8 ملايين نسمة.
ويعاني لبنان الذي لطالما نُظر إليه على أنه نموذج للتنوع الديني والمذهبي في الشرق الأوسط، منذ عام 2019 من أزمات متلاحقة شملت انهيارا اقتصاديا غير مسبوق وارتفاعا كبيرا في معدلات الفقر وتدهور الخدمات العامة، فضلا عن انفجار مرفأ بيروت في عام 2020 والحرب الأخيرة التي خاضها حزب الله واسرائيل. وعلى الرغم من الدور السياسي الهام الذي يؤديه المسيحيون في لبنان، الدولة العربية الوحيدة حيث رئيس الجمهورية مسيحي، إلا أن أعدادهم تراجعت بشكل حاد في العقود الأخيرة، خصوصا بسبب معدلات الهجرة المرتفعة.
وأقيمت مراسم استقبال رسمية للحبر الأعظم في المطار، بحضور رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان ورجال دين. وأطلقت مدفعية الجيش قذائف خلبية ترحيبا بوصوله. وأطلقت السفن الراسية في مرفأ بيروت أبواقها ابتهاجا.
ومن المطار، يتوجّه البابا، وهو أول حبر أعظم يزور لبنان بعد بنديكتوس السادس عشر سنة 2012، الى القصر الرئاسي حيث يلتقي الرئيس جوزاف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، قبل أن يلقي خطابه الأول أمام السلطات وممثلي المجتمع المدني والسلك الدبلوماسي عند الساعة السادسة مساء (16,00 ت غ).
وتأتي زيارة البابا لبيروت، على وقع مخاوف محلية من اتساع نطاق التصعيد الإسرائيلي على لبنان، رغم التزام السلطات بنزع سلاح حزب الله، بعد عام من سريان وقف لإطلاق النار أنهى حربا مدمرة بين الطرفين. وكثّف الجيش الإسرائيلي غاراته الجوية على لبنان في الأسابيع الأخيرة، لا سيما في الجنوب، والتي يقول إن هدفها منع الحزب المدعوم من طهران من إعادة بناء قدراته العسكرية بعدما أضعفته الحرب الأخيرة، التي خسر فيها أبرز قادته وجزءا كبيرا من ترسانته.
وحثّ حزب الله السبت البابا على رفض «الظلم والعدوان» الإسرائيلي على لبنان، وذلك بعد أيام من مقتل قائده العسكري هيثم الطباطبائي بضربة اسرائيلية على ضاحية بيروت الجنوبية في 23 تشرين الثاني/نوفمبر.
وصل البابا إلى بيروت في طائرة إيرباص من طراز «ايه 320» تابعة لشركة الخطوط الجوية الإيطالية ITA، وقد جرى إصلاحها السبت بسبب عطل في برنامج التحكم، على غرار آلاف الطائرات الأخرى من الطراز نفسه حول العالم.
وللوصول إلى القصر الرئاسي في بلدة بعبدا القريبة من العاصمة اللبنانية، سيتعين عليه العبور في الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله، حيث تُرفع صور الأمين العام السابق للحزب حسن نصرالله الذي اغتالته إسرائيل العام الماضي، إلى جانب صور ولافتات ترحيبية بالبابا.
ونشرت كشافة المهدي التابعة للحزب، وفق ما أفاد أحد مسؤوليها منير يونس، وكالة فرانس برس، الآلاف من الكشافين على الطريق المؤدي من المطار باتجاه القصر الرئاسي.
وقال يونس «تأتي مشاركتنا ضمن التأكيد على القيم ورسائل العيش المشترك والوحدة الوطنية والتعايش المسيحي الاسلامي في وطننا لبنان». وعلى طريق المطار، كانت زهرة نحلة (19 سنة) تنتظر مرور موكب البابا بفارغ الصبر.
وقالت الشابة التي تتحدر من قرية جنوبية حدودية مع اسرائيل لفرانس برس «جئت لأقول إن اللبنانيين شعب واحد ونحن يد واحدة، البابا لا يخص المسيحيين فقط بل المسلمين ايضا. نحن نحبه كثيرا.. ونريده أن يبارك أرضنا وأتمنى لو يتمكن من زيارة أرض الجنوب». وتتضمن زيارة البابا محطات عدة، أبرزها لقاء يعقده مع الشباب في مقر البطريركية المارونية في بكركي الإثنين، وقداس يترأسه في واجهة بيروت البحرية يتوقع أن يحضره أكثر من مئة الف مؤمن. وقال المونسينيور أوغ دو ويليمونت، رئيس منظمة «لوفر دوريان» l’Oeuvre d’Orient الكاثوليكية المعنية بمساعدة المسيحيين في الشرق الأوسط إن زيارة البابا الى لبنان تعكس «خيارا شجاعا».
وأضاف «يعاني نموذج لبنان المتعدد الأديان حاليا من هشاشة بالغة بسبب ديناميات المواجهة، على الرغم من أن البلاد لديها الآن رئيس جمهورية ورئيس وزراء يعملان معا».
وأعلن لبنان الإثنين والثلاثاء يومي عطلة رسمية بمناسبة الزيارة، وتم اتخاذ تدابير أمنية مشددة، بما في ذلك إغلاق الطرق وحظر تحليق المسيّرات، وإقفال المحال التجارية في وسط المدينة مساء الاثنين، قبل القداس المقرر صباح الثلاثاء.
«شجاعة» الأرمن
ووصل الحبر الأعظم الى لبنان آتيا من تركيا، حيث حافظ على أسلوبه الحذر الذي يعتمده منذ انتخابه في أيار/مايو، مراعيا الحساسيات السياسية لمن التقاهم، ومُجددا رسائله المؤيدة للوحدة واحترام التنوع الديني.
واختتم صباح الأحد زيارته باحتفال طقسي مهيب تحت قبة كاتدرائية القديس جاورجيوس الأرثوذكسية في اسطنبول.
وقال البابا «في هذا الوقت من الصراعات الدموية والعنف، في أماكن قريبة وبعيدة، الكاثوليك والمسيحيون الأرثوذكس مدعوون إلى أن يكونوا بناة للسلام».
قبيل ذلك، في الكاتدرائية الأرمنية بإسطنبول، أشاد البابا بـ»الشهادة المسيحية الشجاعة للشعب الأرمني على مر العصور، غالبا في ظروف مأسوية».
كانت هذه إشارة، من دون تسميتها صراحة، إلى قضية المجازر الأرمنية، وهي مسألة شديدة الحساسية في ظل رفض أنقرة بشدة استخدام مصطلح الإبادة الجماعية لوصف هذه المجازر التي وقعت عامي 1915 و1916 في ظل السلطنة العثمانية.
وحظي لاوون الرابع عشر بترحيب حار من أتباع الطائفة الكاثوليكية الصغيرة في تركيا، إلا أن زيارته طغى عليها الهدوء بفعل التدابير الأمنية المكثفة التي ضيّقت إمكانات التواصل المباشر بين العامة والبابا.
لكن الحبر الأعظم خصص مع ذلك وقتا للقاء خاص مع والد ماتيا أحمد مينغوزي، وهو فتى في الرابعة عشرة قضى بعملية طعن في كانون الثاني/يناير في حي شعبي باسطنبول، في واقعة أثارت صدمة في تركيا.



















