الانقلاب الفكري – محمد زكي ابراهيم

محمد زكي ابراهيم

إن ما يحدث اليوم بين ظهرانينا من وقائع وأزمات وما يستعر بيننا من معارك وحروب، يجعلنا نشعر أن ما نقله لنا التاريخ من حوادث في القرون الخالية، لا يكاد يعد شيئاً مذكورا، وأن الناس في تلك العهود كانوا يعيشون بسلام ودعة أكثر بكثير مما نعيشه نحن!.
لقد كنا ومانزال نصب اللوم على أجدادنا الذين غفلوا عن واجبهم الرئيس، وهو الدفاع عن البلاد والعباد، وانغمسوا في خلافات جانبية، وتحالفات، جلبت لهم الفوضى، وأغرت بهم الأعداء، في وقت كانوا يعيشون فيه تحت راية إمبراطوريات مترامية الأطراف، متعددة المشارب والأعراق، وكنا نرى أن تهاونهم في رأب الصدع، وتجاوز الخلافات، هو الذي أدى إلى انحسار الحضارة، ودخول البلاد في طور التخلف، ومازال الناس يعانون من تبعات هذه الإخفاقات حتى يومنا هذا.

وعدا عن كون تلك الإمبراطوريات كانت غير عادلة، وغير منصفة للسواد الأعظم من الناس، وكانت تمثل عوائل وقبائل تتوارث الحكم، وتتقاسم السلطة، ولم يكن الناس مبالين لما تتعرض إليه، إلا أن الهجمات التي تعرض لها العالم الإسلامي بشكل عام، لم تكن متقاربة في التوقيت، فالصليبيون مثلاً اجتاحوا المنطقة عام 1096 م، في حين اندفع المغول لاحتلال بغداد عام 1258 م، وهاجم الفاتح الأعرج تيمور العراق عام 1392م، أما البرتغاليون فقد مدوا نفوذهم في الخليج حوالي عام 1508م، وكانت الحروب الأخرى نزاعات داخلية وعائلية، سواء تلك التي وقعت في العصر العباسي، أو المغولي، أو العثماني – الصفوي.
وبعيداً عن التفاصيل الطويلة التي لا يمكن أن يلم بها مقال صغير كهذا، فإن من الصعب الركون إلى التحليلات التاريخية التي تلقي باللائمة على الغزوات الأجنبية في موضوع انهيار الحضارة الإسلامية، وتراجع مستوى الفرد المادي والمعنوي، في العصور الغابرة.
لكن نظرة واحدة على حال البلاد العربية، التي انسلخت عن إمبراطورية بني عثمان في الحرب العالمية الأولى، تكشف لنا كيف أن هذه البلاد تعرضت لاحتلالات شتى، من دول أوربية وأميركية وإسرائيلية في قرن واحد، أما الصراعات الداخلية فكانت أكثر من أن تعد، عدا عن الحروب الناعمة التي لا تقل ضراوة عن الغزوات المسلحة، بل هي أشد منها وطأة، إذ انهمر سيل من النظريات والمفاهيم والأفكار الغريبة على شبابنا حتى باتوا فرقاً وشيعاً، وأخذوا يناصبون بعضهم البعض العداء، في حين أن جميع الحملات التي

استهدفت منطقتنا في الماضي اقتبست الدين والحضارة والأدب منها.
والحقيقة أن هذا الغزو الفكري كان أحد أهم أسباب الضعف الشديد الذي أصيبت به المنطقة في القرن الماضي، والربع الأول من هذا القرن، فقد أدت الصراعات الشديدة بين التيارات الفكرية إلى نفور بعضها من البعض الآخر، وحدوث مجازر دموية وانقلابات وفتن، لا حصر لها.

والأدهى من ذلك التغيير الكبير الذي أصاب البنية العربية بعد أن انقسمت إلى دول وممالك، إلى الدرجة التي بات بعضها يشمت بقتل وتدمير أشقائه على يد خصمهم التقليدي.. إسرائيل!
ومعنى ذلك أن بعض المجتمعات العربية غدت تفضل احتلال إسرائيل لأراض عربية وتشريد أهلها، على شعوب عربية ترفض هذا الاحتلال وتسعى لإضعافه، أو محاربته، أو حتى تدميره، ومثل هذا الشعور لا يمكن أن ينتج نهضة جديدة، أو يسهم في استعادة العرب لدورهم المطلوب في المنطقة والعالم.

إن كل مشاريع الوحدة التي أطلقها أناس نابهون في الماضي، لم تلق النجاح، أو تصادف القبول، وغدت تثير اليوم السخرية والازدراء، ويتعامل معها العامة بنوع من التخوين وعدم الرضا، وهكذا انقلبت الموازين رأساً على عقب، في واحدة من أكثر الانقلابات الفكرية غرابة في العصر الحديث.