الانتفاضات‭ ‬تقليد‭ ‬قديم‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬الناصرية‭ ‬الثكلى

442

الناصرية‭ ‬(العراق)-(أ‭ ‬ف‭ ‬ب)‭ ‬‭ ‬منذ‭ ‬عهد‭ ‬السومريين،‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬آلاف‭ ‬سنة،‭ ‬تفخر‭ ‬ذي‭ ‬قار‭ ‬بأنها‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬منطقة‭ ‬تأبى‭ ‬الخضوع‭. ‬وحتى‭ ‬اليوم،‭ ‬وخلال‭ ‬أربعة‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬التظاهرات‭ ‬الدامية،‭ ‬قدمت‭ ‬هذه‭ ‬المحافظة‭ ‬الريفية‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬منطقة‭ ‬العشائر‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬العراق‭ ‬العدد‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬«الشهداء»‭.‬

منذ‭ ‬الثلاثاء،‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬34‭ ‬عراقياً‭ ‬قُتلوا‭ ‬في‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬وخلال‭ ‬التصدي‭ ‬لها،‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصفهم‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬هذه‭ ‬المحافظة‭ ‬التي‭ ‬تبعد‭ ‬300‭ ‬كيلومتر‭ ‬جنوب‭ ‬بغداد‭.‬

أما‭ ‬مركز‭ ‬المحافظة،‭ ‬مدينة‭ ‬الناصرية‭ ‬المحاذية‭ ‬لأنقاض‭ ‬مدينة‭ ‬أور‭ ‬القديمة،‭ ‬فهي‭ ‬«مدينة‭ ‬الثورات‭ ‬والانتفاضات،‭ ‬ولا‭ ‬تزال»،‭ ‬مثلما‭ ‬يؤكد‭ ‬بفخر‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬المعلق‭ ‬السياسي‭ ‬أمير‭ ‬دوشي،‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭.‬

ويضيف‭ ‬المعلم‭ ‬ماجد‭ ‬العسمي‭ ‬الذي‭ ‬يشارك‭ ‬يومياً‭ ‬في‭ ‬التظاهرات‭ ‬«حتى‭ ‬وإن‭ ‬فقدنا‭ ‬شهداء،‭ ‬فسوف‭ ‬نستمر‭ ‬في‭ ‬الحراك‭ ‬طالما‭ ‬لم‭ ‬تلب‭ ‬مطالبنا»‭.‬

ويضيف‭ ‬الرجل‭ ‬البالغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬45‭ ‬عاماً‭ ‬«أنا‭ ‬أشارك‭ ‬في‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬منذ‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬وسنواصل‭ ‬الاحتجاج‭ ‬حتى‭ ‬سقوط‭ ‬النظام،‭ ‬حتى‭ ‬يلفظ‭ ‬أنفاسه‭ ‬الأخيرة»‭.‬

لطالما‭ ‬شكلت‭ ‬الناصرية‭ ‬معقلاً‭ ‬تاريخياً‭ ‬للاحتجاج‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬النهرين،‭ ‬كما‭ ‬يردد‭ ‬بفخر‭ ‬سكانها‭ ‬الذين‭ ‬يكرمون‭ ‬أسلافهم‭ ‬وفقًا‭ ‬لانتماءاتهم‭ ‬السياسية‭.‬

وفي‭ ‬ذي‭ ‬قار،‭ ‬المحافظة‭ ‬الفقيرة‭ ‬ذات‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬المتهالكة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬يبدو‭ ‬الاختيار‭ ‬محرجاً‭ ‬ومرتبطا‭ ‬بالتقلبات‭ ‬والمنعطفات‭ ‬التاريخية‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬1928،‭ ‬أنشأ‭ ‬فيها‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬العراقي‭ ‬أحد‭ ‬أول‭ ‬فروعه‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬وعندما‭ ‬سقطت‭ ‬الملكية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1958‭ ‬في‭ ‬انقلاب‭ ‬دموي‭ ‬وتولى‭ ‬حزب‭ ‬البعث‭ ‬الحكم،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬مؤسسيه‭ ‬الرئيسيين‭ ‬فؤاد‭ ‬الركابي،‭ ‬أحد‭ ‬سكان‭ ‬ذي‭ ‬قار‭ ‬البارزين‭.‬

حزب‭ ‬الدعوة،‭ ‬العدو‭ ‬اللدود‭ ‬لصدام‭ ‬حسين،‭ ‬الذي‭ ‬اعتلى‭ ‬السلطة‭ ‬بعد‭ ‬سقوطه‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬،‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬تأسيسه‭ ‬أيضاً‭ ‬أحد‭ ‬أبناء‭ ‬ذي‭ ‬قار‭.‬

كل‭ ‬هذه‭ ‬الأحزاب،‭ ‬يقول‭ ‬الأكاديمي‭ ‬حامد‭ ‬الشاطري،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬الناصرية،‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬«خلقت‭ ‬وعياً‭ ‬قوياً‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬تجلى‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الانتفاضات»‭.‬

وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬بكثير،‭ ‬في‭ ‬عشرينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬كان‭ ‬أهل‭ ‬المحافظة‭ ‬في‭ ‬طليعة‭ ‬الانتفاضات‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬شيعة‭ ‬الجنوب‭ ‬ضد‭ ‬الاستعمار‭ ‬البريطاني‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يعرف‭ ‬باسم‭ ‬منطقة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الرافدين‭.‬

‭ ‬«موت‭ ‬بطئ»‭ ‬

ثم،‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1991،‭ ‬عندما‭ ‬نهض‭ ‬الجنوب‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬مع‭ ‬الأكراد،‭ ‬ألقت‭ ‬الناصرية‭ ‬بنفسها‭ ‬في‭ ‬المعركة‭.‬

ويقول‭ ‬الشاطري‭ ‬نفسه‭ ‬إن‭ ‬سكان‭ ‬ذي‭ ‬قار‭ ‬لطالما‭ ‬«انتفضوا‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الظلم»‭.‬

واليوم،‭ ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬تعم‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬العراق‭ ‬للمطالبة‭ ‬بتوفير‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة‭ ‬اللائقة‭ ‬وحل‭ ‬مشكلة‭ ‬انقطاع‭ ‬الكهرباء‭ ‬وتوفير‭ ‬المياه‭ ‬الصالحة‭ ‬للشرب‭ ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬المعاناة،‭ ‬لم‭ ‬يهدأ‭ ‬نشطاء‭ ‬ذي‭ ‬قار‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬الإضرابات‭ ‬والاعتصامات‭ ‬والتظاهرات‭.‬

وفي‭ ‬المحافظة‭ ‬التي‭ ‬يعيش‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬40%‭ ‬من‭ ‬سكانها‭ ‬تحت‭ ‬خط‭ ‬الفقر،‭ ‬يدفع‭ ‬العوز‭ ‬إلى‭ ‬الاحتجاج،‭ ‬يضاف‭ ‬إليه‭ ‬تقلبات‭ ‬الطقس‭ ‬بين‭ ‬الجفاف‭ ‬والفيضانات‭ ‬المدمرة‭ ‬للمحاصيل‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يشكل‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬الزراعة‭ ‬مصدر‭ ‬دخل‭ ‬لمعظم‭ ‬سكان‭ ‬المحافظة‭.‬

هنا،‭ ‬يقول‭ ‬راضي‭ ‬المعروف‭ ‬المسؤول‭ ‬في‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬في‭ ‬الناصرية‭ ‬«الفقر‭ ‬والبطالة‭ ‬يتصاعدان»‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬«ليس‭ ‬لدى‭ ‬الحكومة‭ ‬سوى‭ ‬الوعود‭ ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬حلول»‭ ‬تقترحها‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬يضيف‭ ‬المعروف‭ ‬«يعرض‭ ‬الشباب‭ ‬هنا‭ ‬صدورهم»‭ ‬للرصاص‭ ‬الذي‭ ‬أطلقته‭ ‬الشرطة‭ ‬منذ‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء‭ ‬لتفرقة‭ ‬التظاهرات‭.‬

ويواصل‭ ‬قائلاً‭ ‬إن‭ ‬حياتهم‭ ‬«مجرد‭ ‬موت‭ ‬بطيء،‭ ‬الرصاص‭ ‬أرحم»‭.‬

منذ‭ ‬الثلاثاء‭ ‬،‭ ‬نجا‭ ‬الذي‭ ‬سقطوا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬«الموت‭ ‬البطيء»‭ ‬في‭ ‬ذي‭ ‬قار،‭ ‬وفق‭ ‬تعبيره‭ ‬ودفنوا‭ ‬«شهداء»،‭ ‬ولن‭ ‬يتسنى‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬يروا‭ ‬ما‭ ‬ستؤول‭ ‬إليه‭ ‬«الانتفاضة»‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬ذهبت‭ ‬بأرواحهم‭.‬

مشاركة