
الانتخابات الغادرة والتحالفات الخاسرة – نوال الموسوي
يستعد العراق لاقامة انتخاباته البرلمانية السادسة بتاريخ 11\11\2025
في مرحلة مفصلية من عمر نظامه السياسي ومحيطه الملتهب و تشكل خارطة تحالفات مغايرة عن عقدين من الزمن خسرت فيها ايران اللاعب الأساسي في الساحة السياسية العراقية العديد من مرتكزات القوة و اول خسارة اثرت على قدرة ايران هو غياب سليماني عن المشهد وهو القائد الفعلي للكيانات المسلحة و الذي تأسست على يده العديد من فصائل المقاومة وقد وزع التشكيلات بين سياسية و امنية بناء على معادلة توزيع الادوار وبعده شهدت انتخابات عام 21 صعوبة بالغة في تشكيل الحكومة مما استدعى تدخل المرشد الاعلى باصدار فتوى أسست تكتل سمي الاطار التنسيقي كان هدفه الابقاء على قوة الحلفاء محليا في قيادة المشهد السياسي العراقي و انضم لهذا التكتل كل القيادات الشيعية بالضد من مقتدى الصدر الذي طرح برنامجا سياسيا مغايرا تشكل من تحالف تتراسه القوى الفائزة من المكونات الإجتماعية الأخرى
اما على مستوى الإقليم فقد انحسر دور إيران عن لبنان و انجلى تماما عن سورية المحطة الأهم لدول المحورولم تعد ايران تمتلك الكثير من النفوذ الا في العراقو هذا ما سينعكس حتما على محاولتها في الحفاظ على منطقة بسطت نفوذها فيها على مدى اكثر من عشرين عاماكما تعد هذه التحولات من أبرز المؤثرات على القوى العراقية الشيعية صانعة القرار وصاحبة النفوذ الميدانيلاسيما حاملة السلاح التي تعاني من إحباط نتيجة دخول ايران مفاوضات مع الشيطان الأكبرفانخراط ايران في مباحثات مع الجانب الامريكي اثر على عقيدتها القتالية التي نشأت من فكرة مقاومة المحتل والمؤمنة بما يسمى قوة الردعورغم انها تعتبر مباحثات ايران مع الامريكيين هي مرحلة مؤقته لحين استعادة موازين القوة في المنطقة لكنها بذات الوقت اسهمت بمراجعة تاثير هذه التحولات على وجودها في العراقفقررت غالبية التشكيلات المسلحة خوض الانتخابات للحصول على الحصانة والغطاء السياسي والقانوني أسوة بكيانات سبقتها بالانتقال من الميدان الى البرلمانومنها عصائب اهل الحق التي شاركت بانتخابات عام 2014 بتحالف مع المالكي انذاك و لكنها قررت الدخول بقائمة منفردة بعام 2025 بعد ما تحقق لها من مكاسب سياسية و مناصب تنفيذية مهمة في حكومة السوداني ،وبعد نصائح و دفع من الجانب الامريكيللاطار التنسيقي حول السوداني و عدم فرض شروط تلزمه بالدخول بقائمة تابعة لقيادت أخرى و لعدم وجود هيكلية فعلية تجمع الاطار الذي يضم كل القيادات الشيعية اتخذت قوى الاطار قرار المشاركة بالانتخابات بقوائم عدة لكل قياديعدا الحكيم و العبادي المستمرين بتحالفهما.
و من أبرز الكيانات المسلحة المشاركة في انتخاباتعام 2025 هي كتائب سيد الشهداء بقيادة ابو الاء الولائي الذي شملته عقوبات الخزانة الامريكية عام 2023 لمشاركته في عمليات استهدف القوات والمصالح الأمريكية و شارك بعمليات ما سمي بوحدة الساحات بعد أحداث 7 أكتوبر و لوحظ انخراط كتائب سيد الشهداء بالقرارات السياسية وسجل الولائي حضور مستمر لاجتماعات الإطار التنسيقي بالتعاون مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السودانيو من اللافت للنظر ان كتائب سيد الشهداء حاولت ان تخوض انتخابات عام 2025 الى جانبه و بقائمة واحدة يقودها السوداني المرشح عن بغدادبالاشتراك مع قوى جهادية اخرى مثل كتائب الأمام علي بقيادة شبل الزيديالى جانب جهات واحزاب ناشئة مدنية منها ما تشكل بالتزامن مع مظاهرات عام 2019 مثل حركة نازل اخذ حقي بقيادة مشرق الفريجي و حزب امارجي بقيادة قصي محبوبة و حزب الشمس بقيادة زيد الطلقانيبالإضافة إلى تيار الفراتين الذي يتراسه السودانيلكن سرعان ما انهارت هذه المحاولات نتيجة اشتراطات السوداني على قيادات هذه الاحزاب بترأسه القائمةو المخضرم منها تحديدا قوات بدر التي يتزعمها هادي العامريفانفرط التحالف قبل أن يولد على أمل الالتحاق بتكتل مشابه لكتلة الاطار بعد انتهاء الانتخابات و بذات الآلية التي شكلت حكومة السوداني.
و لابد من الإنتباه للدور الامريكي هنا الذي أصر على دعم دخول السوداني بقائمة منفردة بعد ان كان يواجه هذا الموضوع رفضا اطاريا قاطعا بقيادة المالكي الذي طرح فكرة تقديم استقالة من المنصب قبل 6 أشهر من الانتخابات لعدم استغلال المنصب بالترويج الانتخابيو اوصل الجانب الامريكي عبر وفود زارت بغداد بكثافة رفضه لمقترحات تحجم دور و قدرة السوداني في الانتخابات المقبلة وهذا يفسر قبول الاطار بدخول السوداني بقائمة منفردة و عدم تغيير القانون الانتخابي الذي سيخدم السوداني و بقية الأحزاب الناشئة و الترشح عن بغداد و هو التنافس الأصعب فيها على أعضاء الإطار بوجود السوداني, و بظل غياب التيارات المهمة و في مقدمتها التيار الوطني الشيعي التابع لمقتدى الصدر و إعلانه مقاطعة الانتخابات و هو تحدي اخر لإثبات وجود بقية الاحزاب و التيارات الشيعية من جانب و من جانب اخر يمثل هذا القرار انقسام الى غير رجعة في الشارع الشيعي السياسي و له تبعاته بعمق في المجتمعفان تمكن السوداني من مسك العصى من المنتصف لتعويض غياب الصدريين عن الحكومة من خلال الحفاظ على بعض المناصب دون تغيير فقد لن يستمر هذا بعد انتخابات عام 2025كما أن وجود التيار الصدري الذي يمثل الضد النوعي بين القوى الشيعية الموالية لإيران فرض توازن مؤثر بصياغة القوانين داخل البرلمانوعدم مشاركته يرسخ وجود خصومه في العملية السياسية رغم الثقل الجماهيري للتيار الوطني الشيعي
وهو الذي يثبت في كل ظهور له قدرته و تياره على تحريك الشارع بخطوات بسيطة و ملفتة بدون نفوذ السلطة وهذا التحريك للشارع هو بحد ذاته رسائل تحدي مستمرة للقيادات الشيعية التي تتشبث بالسلطة لضمان استمراريتها في الشارع ،و كان من اللافت ان تغيير الصدر لمسمى تياره من التيار الصدري الى التيار الوطني الشيعي هو تحدي للقوى الشيعية المتنافسة على تمثيل المكون و التي تتبنى فكرة الدفاع عن حقوق مكتسبة رغم أنها تمتلك كل أدوات الإنتاج الفعلية من خلال وجودها البرلماني والحكومي على عكس التيار الصدري المعتزلثم اعلنت قوى اخرى مدنية ناشئة عدم مشاركتها الانتخابات منها تيار الخط الوطني بقيادته الشابة عزيز الربيعي لأسباب عملية اولها عدم تطبيق قانون الاحزاب الذي يمنع التشكيلات العسكرية او شبه العسكرية في تكوين الاحزاب والذي يعتبر التحدي الاول للقوى المدنية مقابل سطوة ونفوذ السلاح و فرض معادلاته على السياسات المحلية و الإقليمية و ينسف التنافس الانتخابي المقبول ،اما فكرة المرشحين المستقلين فقد تكللت هي الأخرى بالفشل بعد تجربة انتخابات عام 2120 وانها محض كذبة يمارسها المرشح ليبقى الجوكر او الورقة الرابحة للتنافس على صوته الذي يميل كيفما تميل كفة مشروعه الشخصي و البعض الآخر منهم لم يتمكن من تحريك الملفات الساكنة مقابل الماكنة الحزبية داخل البرلمانومن المفاجئ ان تسعى أصوات معروفة لطرح نفسها بذات العنوان (مستقل) مرة أخرىبعض هذه الشخصيات اثارت الرأي العام استنكارا لعبث الاحزاب الكلاسيكية بالقوانين التي ترسخ المفاهيم الاثنية و تزيد من انفراط روابط الفسيفساء العراقية مثل تعديل قانون الاحوال الشخصية الذي مررته القوى الشيعية تنكيلا بالمشروع المدني الغائب عن المشهد لغاية الان لعدم امتلاكه ادوات التاثيرالا ان ثمة تحالف جديد بقيادة عدنان الزرفي اعلن عنه مؤخرا يشمل احدى عشر كيان سياسي مخضرم وناشىء رفع راية المدنية وتعاضد معها من ضمنهم شخصيات برلمانية سابقة وحالية تمتلك ادوات التأثير و لديها دعم وقبول جماهيري محلي و علاقات خارجية واسعة التأثيربعنوان تحالف البديلقد ينافس هذا الأخير تحالف الأعمار و التنمية الذي يقوده رئيس الوزراء السوداني و كل القيادات المقربة منه و منها ايضا من يمتلك ادوات محلية مؤثرة مثل فالح الفياض رئيس هيئة الحشد و احمد الأسدي وزير العمل و الشؤون الإجتماعية و نصيف الخطابي محافظ كربلاء الى جانب شخصيات اخرى.
و مع كل هذه التحالفات يحتاج الشارع العراقي للمزيد من الثقة و المتابعة و إتاحة الفرص الواسعة للمشاركة المنتجة و الفاعلة لصناعة التغيير عبر الآلية الوحيدة المتاحة سلمياو قد يمثل عدم مشاركة الاحزاب والكيانات السياسية المهمة و الناشئة و الترشح الفردي في الانتخابات تراجع كبير للديمقراطية لاهميتها و يؤدي لمزيد من التفرد والاحتكار للسلطة من قبل الاحزاب الكلاسيكية والتي تمتلك اذرع مسلحة كماويضاعف تمددها و نفوذهاوتبعات هذا التمدد ينهي فرص الإصلاح والتجديد السلميو يؤدي لضعف مشاركة الناخبين لشعورهم بالارباك بين مؤيد و معارض للعملية السياسية و بين ساقم و ناقم على شخصياته.
و بالمحصلة النهائية يعتبر عدم الاشتراك بالانتخابات عامل تأثير سلبي على النظام السياسي العراقي المترنح بين الاستمرار و الانهيارومن اللافت للانتباه ان القوائم المعلن عنها لغاية الآن تتصف بكونها قوائم تجتمع بلا مشروع سياسي جديد أو واضح المعالم و ان غالبيتها تتسم بصيغة اثنية واحدة فالشيعية منها حافظت على سمتها و السنية كذلك و الكوردية ربما تلتحق بها اذا ما تحقق اتفاق كوردي كوردي في تشكيل حكومة الاقليم
ومن هنا و نظرا لغياب الرؤية المتجددة وضرورتها في جذب اهتمام الناخب الناقم على اداء الطبقة السياسية و ياسه من قدرة إنتاج طبقة جديدة من خلال الانتخابات يفتقر الناخب لبرنامج يشده و يشحذ همته للمشاركة مما سيؤسس لمرحلة مداها أربعة أعوام اخرى تضاعف بوسه و تهدم طموحه.
كما وان التعويل على قوة القوائم و التحالفات دون وجود برامج سياسية معلنه تواكب كل التحولات و المستجدات و تناسب تطلعات و رغبات الجمهور لن تحقق النجاح الذي يضمن قفزة نوعية تنفض غبار الفشل والاخفاق الماضيو يبقى الغموض يغلف المشهد القادم بين التنبؤ بنجاح مفاوضات ايران و امريكا و انعكاس نتائجها على انتخابات العراق التي لن تبتعد كثيرا عن حكومة توافق و بين مخاوف من تصعيد عسكري يؤجلها الى اجل غير مسمى .



















