
في اليوم العالمي لمكافحة الانتحار، بينما تضيء دول العالم الشموع أملاً في الحياة، يغرق العراق في أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية تجعل الانتحار خيارًا مأساويًا لشبابه.
في العاشر من أيلول/سبتمبر من كل عام، يحيي العالم «اليوم العالمي لمكافحة الانتحار»، الذي أقرّته الرابطة الدولية لمنع الانتحار (IASP) بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية (WHO) منذ عام 2003، ليكون جرس إنذار عالميًا يذكّرنا بأن الانتحار ليس نهاية فردٍ فقط، بل انكسار في بنية المجتمع وفشله في حماية أفراده من الانهيار.
في أوروبا، يُترجم هذا اليوم إلى ورش عمل نفسية، ندوات تثقيفية، جلسات دعم أسري، حملات في المدارس والجامعات، فعاليات في المؤسسات العسكرية والمدنية، ومسيرات شموع لتذكير المجتمعات بأن الحياة أثمن من أن تُهدر بصمت. الأطفال هناك يتعلمون منذ الصغر كيف يطلبون المساعدة، وكيف يصنعون شبكات أمان عاطفية واجتماعية.
أما في العراق، فالصورة قاتمة.

رغم أن الأرقام الرسمية للانتحار غامضة وغير دقيقة، إلا أن المؤشرات المتاحة تؤكد أن الأعداد في تصاعد، خصوصًا بين الشباب:
590 حالة عام 2019، إضافة إلى 1112 محاولة انتحار.
663 حالة عام 2020.
772 حالة عام 2021، كان 36% منهم دون سن العشرين.
هذه الأرقام تكشف جانبًا فقط من الحقيقة، إذ تظل حالات كثيرة غير مُسجّلة بفعل الوصمة المجتمعية والضغط العشائري والديني الذي يرفض كشف أسباب الوفاة الحقيقية.
المأساة في العراق أن الحديث عن الانتحار يُعد جريمة مضاعفة: الميت متهم، والحيّ مطرود من فضاء النقاش. ومع هيمنة الفكر العشائري والعقائدي، تتضاعف الكارثة: جريمة قتل قد تُغلف بعباءة «الانتحار»، والختم القضائي يشرعن الجريمة بدل أن يفضحها. هنا يذوب الحق الفردي في دهاليز السياسة والفساد.
إلى جانب ذلك، تغيب المؤسسات الداعمة للمجتمع، فلا وجود لبنية وقائية أو خطط علاجية للأسباب الجوهرية التي تدفع الشباب نحو الانتحار. ما يُقدَّم من المنظمات في الغالب دور هامشي، لا يتجاوز الإعلام، كذرٍّ للرماد في العيون. العراق لا يعرف المؤسسات الوقائية المستدامة، بل يكتفي بتدابير طارئة لإدارة الأزمات، سرعان ما تنطفئ بانطفاء ضوء الكاميرا.
ولعلّنا إذا ربطنا الانتحار بملف الأزمات في العراق، سنجد أن الصورة أشد قتامة:
حرائق المباني والمستشفيات التي تكشف غياب أبسط وسائل الإنقاذ.
شح المياه في بلد يملك أعظم الأنهار.
انهيار البنى التحتية والخدمات الأساسية، مع تجاوز عدد السكان 46.1 مليون نسمة حسب التعداد السكاني لعام 2024.
كل أزمة تُدار بعقلية الإنكار، وكل كارثة تُدفن دون وقاية أو حماية، لتتحول حياة الناس إلى انتظار صامت لجرس إنذار لم يعد أحد يسمعه.
إن الانتحار ليس مجرد قرار فردي؛ بل هو جرح حضاري يكشف فشل المجتمع في تعليم أفراده كيف يتضامنون دون رياء، وكيف يبنون شبكات دعم حقيقية في البيت، في المدرسة، في الجامعة، وفي مؤسسات الدولة.
الانتحار ليس موت فرد، بل انكسار مجتمع… فمتى يدق العراق جرس الإنذار؟
المصادر:
منظمة الصحة العالمية – المكتب الإقليمي لشرق المتوسط (2019).
وزارة الداخلية العراقية – بيانات 2020-2021.
SpringerOpen – Suicide in Iraq: a systematic review (2023).
AP News – Iraq’s first census in nearly 40 years puts population at 46.1 million (2025).
UNFPA – Iraq Population Data (2025).



















