الاعتذار‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بحجم‭ ‬الخطأ‮…‬‭ ‬- د. فاروق الدباغ

في‭ ‬إحدى‭ ‬قاعات‭ ‬جامعة‭ ‬دالارنا‭ ‬في‭ ‬السويد‭ ‬،‭ ‬لم‭ ‬يطلب‭ ‬منا‭ ‬أستاذ‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬السلوكي‭ ‬أن‭ ‬نحلّل‭ ‬حالة،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬نطبّق‭ ‬أداة‭ ‬تشخيصية،‭ ‬بل‭ ‬طرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬بدا‭ ‬لي‭ ‬حينها‭ ‬أكثر‭ ‬إرباكًا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬امتحان‭:‬

تدرّبوا‭ ‬على‭ ‬طلب‭ ‬الاعتذار‭ ‬من‭ ‬أبنائكم‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬الصدمة‭ ‬في‭ ‬السؤال،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬كشفه‭ ‬داخلي‭.‬

أنا‭ ‬ابن‭ ‬بيئة‭ ‬ترى‭ ‬الاعتذار‭ ‬ضعفًا،‭ ‬وتعتبر‭ ‬التبرير‭ ‬مهارة،‭ ‬وتُتقن‭ ‬لعب‭ ‬دور‭ ‬الضحية‭ ‬حين‭ ‬تُحاصَر‭ ‬بالخطأ‭. ‬وفي‭ ‬ثقافتنا،‭ ‬يبقى‭ ‬أصعب‭ ‬الاعتذارات‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭: ‬أن‭ ‬يعتذر‭ ‬الأب‭ ‬من‭ ‬ابنه،‭ ‬أو‭ ‬الأم‭ ‬من‭ ‬ابنتها‭.‬

حينها‭ ‬كان‭ ‬ابني‭ ‬قد‭ ‬تجاوز‭ ‬الطفولة‭ ‬ودخل‭ ‬مرحلة‭ ‬البلوغ‭. ‬ثمانية‭ ‬عشر‭ ‬عامًا‭ ‬من‭ ‬العمر،‭ ‬وثمانية‭ ‬عشر‭ ‬عامًا‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭.‬

قاومت‭ ‬الفكرة‭ ‬طويلًا‭. ‬قلت‭ ‬لنفسي‭: ‬أنا‭ ‬اختصاصي‭ ‬في‭ ‬العلاج‭ ‬المعرفي‭ ‬السلوكي،‭ ‬قطعت‭ ‬مع‭ ‬القسوة‭ ‬والعنف‭ ‬التربوي‭ ‬الذي‭ ‬نشأت‭ ‬عليه،‭ ‬ذلك‭ ‬العنف‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬طبيعيًا‭ ‬في‭ ‬المدارس،‭ ‬حين‭ ‬كنا‭ ‬نُضرَب‭ ‬بالمسطرة‭ ‬الخشبية‭ ‬لأننا‭ ‬لم‭ ‬نحفظ‭ ‬جدول‭ ‬الضرب‭ ‬أو‭ ‬أخطأنا‭ ‬في‭ ‬حوار‭ ‬باللغة‭ ‬الإنجليزية‭ “‬الدايلوك‭”.‬

عن‭ ‬أي‭ ‬أذى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬أعتذر؟

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬طلبت‭ ‬من‭ ‬ابني‭ ‬جلسة‭ ‬حوار‭ ‬خاصة‭.‬

استغرب‭ ‬كثيرًا‭. ‬نظر‭ ‬إليّ‭ ‬بدهشة،‭ ‬ثم‭ ‬ابتسم‭ ‬ابتسامة‭ ‬حذرة‭. ‬وعندما‭ ‬قلت‭ ‬له‭ ‬بهدوء‭ ‬إنني‭ ‬أطلب‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يسمح‭ ‬لي‭ ‬بالاعتذار‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬خطأ‭ ‬ارتكبته‭ ‬بحقه‭ ‬في‭ ‬طفولته،‭ ‬مقصودًا‭ ‬كان‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مقصود،‭ ‬ضحك‭ ‬وقال‭:‬

لماذا‭ ‬الآن؟

شرحت‭ ‬له‭ ‬السبب‭. ‬لم‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬طمأنة،‭ ‬ولم‭ ‬أطلب‭ ‬مجاملة‭. ‬كنت‭ ‬حادًا‭ ‬في‭ ‬طلبي،‭ ‬لأنني‭ ‬أردت‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعنى‭ ‬العميق‭ ‬لكلمة‭ ‬الاعتذار‭.‬

في‭ ‬البداية‭ ‬أنكر‭ ‬تمامًا‭ ‬وجود‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬يُسمّى‭ ‬Childhood‭ ‬trauma‭. ‬قال‭ ‬بثقة‭: ‬لا‭ ‬أذكر‭ ‬شيئًا‭.‬

ثم،‭ ‬بعد‭ ‬صمت‭ ‬قصير،‭ ‬قال‭:‬

‭”‬في‭ ‬الحقيقة‮…‬‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬شيء،‭ ‬فأنا‭ ‬أحمل‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬أمرين،‭ ‬لا‭ ‬أمرًا‭ ‬واحدًا‭”.‬

توقّف‭ ‬الزمن‭ ‬لحظة‭.‬

بدأ‭ ‬بالأول‭.‬

قال‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬يتذكر‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬أقرأ‭ ‬له‭ ‬فيها‭ ‬قصة‭ ‬قبل‭ ‬النوم،‭ ‬بالعربية،‭ ‬لأنني‭ ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬يعتاد‭ ‬سماع‭ ‬اللغة‭. ‬كان‭ ‬في‭ ‬سريره،‭ ‬ينظر‭ ‬إليّ‭ ‬بنصف‭ ‬عين‭ ‬مفتوحة،‭ ‬ولاحظ‭ ‬أنني‭ ‬أقلب‭ ‬صفحتين‭ ‬بدل‭ ‬صفحة‭ ‬واحدة‭.‬

كنت‭ ‬أسأل‭ ‬نفسي‭: ‬لماذا‭ ‬بابا‭ ‬يخدعني؟‭ ‬لماذا‭ ‬يريد‭ ‬إنهاء‭ ‬القصة‭ ‬ولا‭ ‬يقرؤها‭ ‬كاملة؟

ضحكت‭ ‬بدهشة،‭ ‬لا‭ ‬استخفافًا‭. ‬واعتذرت‭ ‬فورًا‭ ‬عن‭ ‬الشعور‭ ‬الذي‭ ‬زرعته‭ ‬فيه‭ ‬دون‭ ‬قصد‭. ‬شرحت‭ ‬له‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أخدعه،‭ ‬بل‭ ‬كنت‭ ‬أختصر‭ ‬القصة‭ ‬عمدًا،‭ ‬أُجمّلها‭ ‬بجمل‭ ‬أبسط،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تُثقله‭ ‬مفردات‭ ‬عربية‭ ‬صعبة،‭ ‬وهو‭ ‬يعيش‭ ‬يومه‭ ‬كاملًا‭ ‬باللغة‭ ‬السويدية،‭ ‬اللغة‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬والحياة‭.‬

ثم‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬الأمر‭ ‬الثاني،‭ ‬بهدوء‭ ‬أكبر،‭ ‬وكأنه‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬ظلّ‭ ‬معه‭ ‬طويلًا‭.‬

قال‭:‬

‭”‬أتذكر‭ ‬يوم‭ ‬كنا‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬مطاعم‭ ‬الوجبات‭ ‬السريعة‭. ‬طلبتُ‭ ‬وجبة‭ ‬محددة،‭ ‬وأنت‭ ‬رفضت،‭ ‬واخترت‭ ‬لي‭ ‬وجبة‭ ‬على‭ ‬ذوقك،‭ ‬وأجبرتني‭ ‬على‭ ‬أكلها‭. ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‮…‬‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أحب‭ ‬تلك‭ ‬الوجبة‭”.‬

تجمّدت‭.‬

لا‭ ‬أتذكر‭ ‬الحادثة‭ ‬إطلاقًا‭. ‬لا‭ ‬المكان،‭ ‬ولا‭ ‬الحوار،‭ ‬ولا‭ ‬الوجبة‭. ‬بالنسبة‭ ‬لي،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬أصلًا‭.‬

لكنها‭ ‬بالنسبة‭ ‬له‭ ‬كانت‭ ‬حاضرة،‭ ‬كاملة‭ ‬التفاصيل،‭ ‬محفوظة‭ ‬في‭ ‬ذاكرته‭ ‬كإحساس‭ ‬بالإجبار،‭ ‬لا‭ ‬بالطعام‭.‬

لم‭ ‬أناقش‭. ‬لم‭ ‬أبرر‭. ‬لم‭ ‬أقل‭ ‬إن‭ ‬الأمر‭ ‬تافه‭.‬

اعتذرت‭.‬

وهنا‭ ‬كانت‭ ‬المفارقة‭ ‬المؤلمة‭ ‬والضرورية‭:‬

الأذى‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بذاكرة‭ ‬من‭ ‬ارتكبه،‭ ‬بل‭ ‬بذاكرة‭ ‬من‭ ‬تلقّاه‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المهم‭ ‬إن‭ ‬كنت‭ ‬أتذكر‭ ‬أم‭ ‬لا،‭ ‬ولا‭ ‬إن‭ ‬كنت‭ ‬محقًا‭ ‬أم‭ ‬لا‭. ‬المهم‭ ‬أنني‭ ‬سمعت،‭ ‬واعترفت،‭ ‬وأغلقت‭ ‬ملفين‭ ‬صغيرين،‭ ‬لكنهما‭ ‬كانا‭ ‬مفتوحين‭ ‬بصمت‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬أقرب‭ ‬إنسان‭ ‬إليّ‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يتسع‭ ‬السؤال‭:‬

كم‭ ‬من‭ ‬المواقف‭ ‬المشابهة‭ ‬ارتكبناها‭ ‬بحق‭ ‬الزوجة،‭ ‬الأبناء،‭ ‬الأقارب،‭ ‬زملاء‭ ‬الدراسة‭ ‬والعمل؟

كم‭ ‬من‭ ‬كلمات‭ ‬قلناها‭ ‬على‭ ‬عجل،‭ ‬واعتبرناها‭ ‬عابرة،‭ ‬بينما‭ ‬تحولت‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الآخر‭ ‬إلى‭ ‬شعور‭ ‬دائم‭ ‬بالإهانة‭ ‬أو‭ ‬الإلغاء؟

وماذا‭ ‬عن‭ ‬الاعتذار‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬فرديًا؟

عندما‭ ‬يكون‭ ‬مطلوبًا‭ ‬من‭ ‬سياسي‭ ‬فاسد‭ ‬تجاه‭ ‬شعب‭ ‬كامل،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬قاضٍ‭ ‬ظالم،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬محقق‭ ‬أساء‭ ‬استخدام‭ ‬سلطته،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬رجل‭ ‬دين‭ ‬خدع‭ ‬من‭ ‬وثقوا‭ ‬به‭ ‬واتخذوه‭ ‬قدوة؟

هنا‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬الاعتذار‭ ‬مسألة‭ ‬أخلاق‭ ‬شخصية،‭ ‬بل‭ ‬مسؤولية‭ ‬اجتماعية‭.‬

فالاعتذار‭ ‬العام‭ ‬ليس‭ ‬بيانًا،‭ ‬بل‭ ‬اعترافًا،‭ ‬وتحملًا‭ ‬للمسؤولية،‭ ‬وضمانًا‭ ‬بعدم‭ ‬التكرار‭.‬

علميًا،‭ ‬الاعتذار‭ ‬ليس‭ ‬نوعًا‭ ‬واحدًا‭. ‬هناك‭ ‬اعتذار‭ ‬شكلي‭ ‬لامتصاص‭ ‬الغضب،‭ ‬واعتذار‭ ‬دفاعي‭ ‬مملوء‭ ‬بالتبرير،‭ ‬واعتذار‭ ‬ناضج‭ ‬يعترف‭ ‬بالفعل‭ ‬والأثر‭ ‬دون‭ ‬شروط‭.‬

النوع‭ ‬الأخير‭ ‬فقط‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يُحدث‭ ‬أثرًا‭ ‬نفسيًا‭ ‬حقيقيًا‭: ‬يخفّض‭ ‬التوتر،‭ ‬يعيد‭ ‬التوازن‭ ‬الداخلي،‭ ‬ويمنع‭ ‬تراكم‭ ‬الغضب‭ ‬الذي‭ ‬يتحول‭ ‬لاحقًا‭ ‬إلى‭ ‬عنف‭ ‬أو‭ ‬قطيعة‭.‬

أما‭ ‬التربية،‭ ‬فهي‭ ‬البداية‭ ‬الحقيقية‭.‬

عندما‭ ‬نعلّم‭ ‬أطفالنا‭ ‬الاعتذار،‭ ‬لا‭ ‬نعلّمهم‭ ‬الانكسار،‭ ‬بل‭ ‬نعلّمهم‭ ‬تحمّل‭ ‬المسؤولية‭.‬

نزرع‭ ‬فيهم‭ ‬وعيًا‭ ‬بأن‭ ‬الخطأ‭ ‬لا‭ ‬يُلغي‭ ‬القيمة،‭ ‬وأن‭ ‬الاعتذار‭ ‬لا‭ ‬يسقط‭ ‬الهيبة،‭ ‬بل‭ ‬يبني‭ ‬الضمير‭.‬

فالاعتذار،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬ليس‭ ‬كلمة‭ ‬تُقال‮…‬

بل‭ ‬شجاعة‭ ‬نادرة‭.‬

تبدأ‭ ‬من‭ ‬البيت،‭ ‬وقد‭ ‬تنقذ‭ ‬علاقة،‭ ‬أو‭ ‬مجتمعًا‭ ‬كاملًا،‭ ‬من‭ ‬ميراث‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الصمت‭ ‬وسوء‭ ‬الفهم