الاسم الآخر للمستحيل-محمد تميم

1270

الفصل الثاني:

فقال‭: ‬جيد‭ ‬لم‭ ‬يسيطر‭ ‬عليك‭ ‬النفور‭ ‬من‭ ‬بدايتها‭ ‬وأتمنى‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تنفر‭,  ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬بدايته‭ ‬يسبب‭ ‬لك‭ ‬النفرة‭ ‬حتّى‭ ‬لحظات‭ ‬السعادة‭ ‬والفرح‭ ‬في‭ ‬بدايتها‭ ‬تكون‭ ‬منفرة‭ ‬ربما‭ ‬لأنّها‭ ‬حالة‭ ‬جديدة‭.‬

      ‬استيقظت‭ ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬ووجدت‭ ‬عماداً‭ ‬يحمل‭ ‬حقيبته‭ ‬ويغادر‭ ‬البيت‭ ‬لكي‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬أهله‭ ‬وتوجهت‭ ‬ماشياً‭ ‬إلى‭ ‬الكلية‭ ‬وأثناء‭ ‬مسيري‭ ‬حلمت‭ ‬بأشياء‭ ‬كثيرة‭.. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الشيء‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأحد‭  ‬الاستحواذ‭ ‬عليه‭ ‬حتّى‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬تستحوذ‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تستحوذ‭ ‬على‭ ‬حلمي‭ ‬ولا‭ ‬يحق‭ ‬لها‭ ‬التدخل‭ ‬فيه‭ .‬

  ‬وصلت‭ ‬بناية‭ ‬الكلية‭ ‬ويبدو‭ ‬أنّي‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬الذين‭ ‬حضروا‭ ‬وبقيت‭ ‬واقفاً‭ ‬على‭ ‬الباب‭, ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬سوى‭ ‬أنّي‭ ‬أنتظرها‭ ‬لكي‭ ‬تمر‭ ‬فإنّ‭ ‬طيفها‭ ‬في‭ ‬الليلة‭ ‬الماضية‭ ‬لم‭ ‬يغادرني‭, ‬حضرت‭ ‬وكأنّي‭ ‬أرى‭ ‬سرباً‭ ‬من‭ ‬العصافير‭ ‬تتبعها‭ ‬واسراب‭ ‬الفراشات‭ ‬تحمل‭ ‬عنها‭ ‬عناء‭ ‬شعرها‭, ‬وامتلأ‭ ‬المكان‭ ‬بعبق‭ ‬العطر‭, ‬وازداد‭ ‬المكان‭ ‬ألقاً‭ ‬ونوراً‭ ‬وكيف‭ ‬لا‭ ‬وقد‭ ‬حضرت؟‭ . ‬

‭ ‬القت‭ ‬علي‭ ‬التحية‭ :‬

‭-  ‬صباح‭ ‬الخير‭ ‬سعيد‭.‬

‭ ‬أنّها‭ ‬تحية‭ ‬الصباح‭ ‬المعتادة‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّي‭ ‬شعرت‭ ‬بهذه‭ ‬الكلمات‭ ‬كأنّها‭ ‬معزوفة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬الجميل‭ ‬أو‭ ‬أنّها‭ ‬أغنية‭ ‬عذبة‭ ‬يتردد‭ ‬صداها‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬روحي‭ , ‬وجدتني‭ ‬أرد‭ ‬بلهفة‭:‬

‭-  ‬صباح‭ ‬النور‭. ‬سألتني‭: ‬ماذا‭ ‬تنتظر‭ ‬هنا؟‭ ‬

أجبت‭ : ‬

‭- ‬لا‭ ‬شيء‭. ‬

لم‭ ‬أستطع‭ ‬أن‭ ‬أخبرها‭ ‬أنّي‭ ‬أنتظرها‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ساعة‭ ‬وكنت‭ ‬اترقب‭ ‬اللحظات‭ ‬وكان‭ ‬الوقت‭ ‬يمر‭ ‬ثقيلاً‭, ‬لم‭ ‬أستطع‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬لها‭ ‬أنّ‭ ‬اللحظات‭ ‬والدقائق‭ ‬كانت‭ ‬كالصخور‭ ‬ثقيلة‭ , ‬تصطدم‭ ‬بها‭ ‬عجلة‭ ‬الزمن‭ ‬وتتوقف‭.  ‬هذا‭ ‬شعوري‭ ‬في‭ ‬دقائق‭ ‬أنتظارها‭, ‬وما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬معاناتي‭ ‬تسارع‭ ‬نبضات‭ ‬قلبي‭ ‬وكأنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لي‭ ‬ولماذا‭ ‬هذا‭ ‬التسارع؟‭  ‬لا‭ ‬أعلم‭ , ‬ربما‭ ‬هو‭ ‬يحث‭ ‬الزمن‭ ‬لكي‭ ‬يمضي‭ ‬قدماً‭ , ‬وهو‭ ‬يأبى‭, ‬كما‭ ‬نعلّم‭ ‬الصغار‭ ‬على‭ ‬الركض‭ ‬،‭ ‬نركض‭ ‬أمامهم‭ ‬لكي‭ ‬يتعلموا‭ ‬لكن‭ ‬الزمن‭ ‬لا‭ ‬يسير‭ ‬إلاّ‭ ‬بالخطوات‭ ‬والسرعة‭ ‬التي‭ ‬يختارها‭ ‬هو‭ ‬وليس‭ ‬نحن‭ . ‬

  ‬كانت‭ ‬يدها‭ ‬الرقيقة‭ ‬تتحرك‭ ‬بشاعرية‭ ‬وهي‭ ‬تزيل‭ ‬بعض‭ ‬خصلات‭ ‬شعرها‭ ‬عن‭ ‬جبينها‭ ‬الناصع‭ ‬المعمد‭ ‬بالسمار‭ . ‬كنت‭ ‬أسرح‭ ‬بعيداً‭ ‬وأنا‭ ‬اتطلّع‭ ‬إلى‭ ‬وجه‭ ‬يتفجر‭ ‬سحراً‭ ‬وجسد‭ ‬يتلوى‭ ‬وينطق‭ ‬بأنوثة‭ ‬طاغية‭ .. ‬كان‭ ‬علي‭ ‬أن‭ ‬أصدق‭ ‬هذا‭ ‬الحلم‭ ‬المبكر‭ ‬والمصادفة‭ ‬العجيبة‭ ‬وسهولة‭ ‬اللقاء‭ , ‬دخلت‭ ‬إلى‭ ‬قاعة‭ ‬الدرس‭ ‬وتبعتها‭ ‬مباشرة‭, ‬شعرت‭ ‬بالتعب‭ ‬بعد‭ ‬جلوسي‭ ‬في‭ ‬مقعدي‭ ‬والسبب‭ ‬هو‭ ‬وقوفي‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬الطويل‭. ‬جلست‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬أراها‭ ‬جيداً‭ ‬وكنت‭ ‬اتأمل‭ ‬وجهها‭ ‬وأخفض‭ ‬نظري‭ ‬كلما‭ ‬شعرت‭ ‬أنّها‭ ‬تكشف‭ ‬تلصصي‭ ‬على‭ ‬تقاطيع‭ ‬وجهها‭ , ‬لم‭ ‬تعلم‭ ‬أنّي‭ ‬أتوه‭ ‬في‭ ‬حدائق‭ ‬رمشها‭ ‬وغابات‭ ‬شعرها‭ ‬وسواقي‭ ‬عينيها‭ ‬وأذوب‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬خدها‭ ,‬أخفيت‭ ‬وجهي‭ ‬بيدي‭ ‬مراراً‭ ‬بسبب‭ ‬الخجل‭ , ‬أشعر‭ ‬ان‭ ‬اسمها‭ ‬نقش‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي‭ , ‬وشعوري‭ ‬المتفجر‭ ‬بها‭ ‬هو‭ ‬انفعالً‭ ‬بجمالها‭ ‬الأخاذ‭ ‬وحركاتها‭ ‬وسكنّاتها‭ ‬المثيرة‭ … ‬لقد‭ ‬خاطبت‭ ‬أعماقي‭ ‬وزرعت‭ ‬صورتها‭ ‬تحت‭ ‬أحداقي‭ , ‬حين‭ ‬أقف‭ ‬قربها‭ ‬حتّى‭ ‬عندما‭ ‬أكون‭ ‬صامتاً‭ ‬أراقبها‭ ‬أشعر‭ ‬معها‭ ‬بسحر‭ ‬الاكتشاف‭ ‬والجاذبية‭ .‬ظلت‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ثلاثة‭ ‬شهور‭ ‬وأنا‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬أذهب‭ ‬مسرعاً‭ ‬وأملي‭ ‬ان‭ ‬أراها‭ ‬واتطلّع‭ ‬في‭ ‬وجهها‭ ‬وكانت‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬تحضر‭ ‬إلى‭ ‬الدوام‭ ‬أترك‭ ‬الدوام‭ ‬وأتجول‭ ‬في‭ ‬مروج‭ ‬الجامعة‭ ‬وطرقاتها‭ ‬وأرقب‭ ‬حركات‭ ‬العاشقين‭ ‬خلف‭ ‬المكتبة‭ ‬المركزية‭ ‬وقرب‭ ‬أقسام‭ ‬الري‭ ‬والجيولوجي‭ . ‬كنت‭ ‬كلما‭ ‬عدت‭ ‬إلى‭ ‬قريتي‭ ‬يجتمع‭ ‬حولي‭ ‬زملاء‭ ‬وأصدقاء‭ ‬الطفولة‭ ‬لكي‭ ‬أتحدث‭ ‬لهم‭ ‬عن‭ ‬الجامعة‭ ‬وكيف‭ ‬هي‭ ‬الدراسة‭ ‬فيها‭ ‬وكيف‭ ‬هو‭ ‬المجتمع‭ , ‬كنت‭ ‬أشعر‭ ‬بزهو‭ ‬وهم‭ ‬يجلسون‭ ‬مستمعين‭ ‬حتّى‭ ‬إذا‭ ‬قاطعني‭ ‬أحد‭ ‬أعاقبهم‭ ‬بأن‭ ‬أتوقف‭ ‬عن‭ ‬الحديث‭ ‬لتنهال‭ ‬على‭ ‬الذي‭ ‬قاطعني‭ ‬الشتائم‭ ‬وليطلبوا‭ ‬مني‭ ‬بتوسل‭ ‬أن‭ ‬أسترسل‭ ‬وأنّهم‭ ‬لن‭ ‬يعيدوها‭.‬

    ‬لم‭ ‬يظهر‭ ‬منها‭ ‬أي‭ ‬اهتمام‭ ‬غير‭ ‬عاديّ‭ ‬طوال‭ ‬الأيّام‭ ‬الماضية‭ ‬كانت‭ ‬تعاملني‭ ‬مثل‭ ‬بقية‭ ‬الطلبة‭ ‬معاملة‭ ‬حسنة‭ ‬طيبة‭ ‬لكني‭ ‬كنت‭ ‬أحترق‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬وأريد‭ ‬الاقتراب‭ ‬منها‭ ‬أكثر‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬الثمن‭ ‬لكني‭ ‬كنت‭ ‬أخاف‭ ‬من‭ ‬الثمن‭ ‬وأخشى‭ ‬خسارتها‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬أسمع‭ ‬منها‭ ‬كلمة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مؤذية‭ . ‬

  ‬حلت‭ ‬امتحانات‭ ‬منتصف‭ ‬العام‭ ‬وأصبحت‭ ‬رؤيتي‭ ‬لها‭ ‬قليلة‭ , ‬وأنتهت‭ ‬الامتحانات‭ ‬وسافر‭ ‬الجميع‭ ‬إلى‭ ‬أهله‭ ‬وكنت‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬تركوا‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل‭ ‬متوجهاً‭ ‬إلى‭ ‬كركوك‭ .‬

كان‭ ‬تركي‭ ‬لها‭ ‬قسرياً‭ ‬فلم‭ ‬يبق‭ ‬أحد‭ ‬معي‭ ‬في‭ ‬البيت‭, ‬كانت‭ ‬مدة‭ ‬الأسبوعين‭ ‬التي‭ ‬قضيتها‭ ‬في‭ ‬العطلة‭ ‬الربيعية‭ ‬هي‭ ‬أثقل‭ ‬ما‭ ‬شهدت‭ ‬في‭ ‬حياتي‭. ‬عدت‭ ‬بعد‭ ‬انقضاء‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬الثقيل‭ ‬وأنا‭ ‬أرجو‭ ‬ان‭ ‬أكحّل‭ ‬عيني‭ ‬بها‭ ‬وتمنيت‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬أقابل‭ ‬فقد‭ ‬شغلت‭ ‬تفكيري‭ ‬طوال‭ ‬الطريق‭ ‬في‭ ‬الباص‭ ‬الذي‭ ‬استغرق‭ ‬ساعتين‭ ‬ونصفاً‭ ‬وأنا‭ ‬أضع‭ ‬رأسي‭ ‬قرب‭ ‬النافذة‭ ‬وانظر‭ ‬إلى‭ ‬المروج‭ ‬والعشب‭ ‬الأخضر‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬يظهر‭ ‬لتوّه،‭ ‬كان‭ ‬كل‭ ‬تفكيري‭ ‬كيف‭ ‬ألقاها؟‭ . ‬

دخلت‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الثاني‭ ‬إلى‭ ‬قاعة‭ ‬الدرس‭ ‬وكنت‭ ‬قابلتها‭ ‬في‭ ‬المدخل‭ ‬فبادرتني‭ ‬بالتحية‭ ‬قائلة‭:‬

‭-  ‬صباح‭ ‬الخير‭ ‬يا‭ ‬سعيد‭ .. ‬عطلة‭ ‬سعيدة‭. ‬

أجبت‭: ‬

‭- ‬صباح‭ ‬النور‭ ‬أشكرك‭ ‬لكني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬مرتاحاً‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العطلة‭ .‬

قاطعتني‭:‬

‭ ‬لماذا‭ ‬؟‭ ‬

قلت‭:‬

‭-  ‬بدون‭ ‬سبب‭ ‬محدّد‭ ‬ربما‭ ‬هو‭ ‬الضجر‭ ‬أو‭ ‬الترقب‭ ‬أو‭ ‬الإنتظار‭. ‬

ردت‭ ‬علي‭ : ‬

‭- ‬ابتسم‭ ‬دائماً‭ ‬للحياة‭ ‬ولا‭ ‬تحزن‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬فات‭ ‬واجعل‭ ‬نظرك‭ ‬دائماً‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬لا‭ ‬تفكّر‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬مرّت‭ ‬أو‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬ستمر‭ ‬فبالأمس‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الأوان‭ ‬قد‭ ‬حان‭ , ‬أعلم‭ ‬أن‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬مرَ‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬مرُ‭  ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬للحياة‭ ‬من‭ ‬بابها‭ ‬الخلفي‭ ‬بل‭ ‬تطلع‭ ‬من‭ ‬شرفتها‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭ .‬

‭ ‬قاطعتها‭:‬

‭-  ‬هذه‭ ‬فلسفة‭ ‬تنمّ‭ ‬عن‭ ‬دراية‭ ‬وعمق‭ .‬

‭ ‬ابتسمت‭ ‬بزهو‭ ‬ونظرت‭ ‬نظرة‭ ‬فيها‭ ‬زهو‭ ‬الأنثى‭ ‬ورفعت‭ ‬أحد‭ ‬حاجبيها‭ ‬وأمالت‭ ‬رأسها‭ ‬قليلاً‭ ‬مع‭ ‬ابتسامة‭ ‬مريبة‭ ‬أول‭ ‬مرّة‭ ‬أعهدها‭ ‬فيها‭ ‬وانصرفت‭ ‬بعدها‭ .. ‬لكني‭ ‬سررت‭ ‬جداً‭ ‬بهذا‭ ‬الحوار‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يقودنا‭ ‬إلى‭ ‬حوارات‭ ‬أخرى‭ ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬استعد‭ ‬لمجاراتها‭. ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬اقرأ‭ ‬جيداً‭ ‬للدخول‭ ‬في‭ ‬مناقشتها‭ ‬لأنّها‭ ‬بدت‭ ‬لي‭ ‬مثقفة‭ ‬مطلعة‭ ‬وتقرأ‭ ‬عكس‭ ‬ماكنت‭ ‬أتصوّر‭ ‬أنّها‭ ‬فتاة‭ ‬منشغلة‭ ‬بتسريحات‭ ‬الشعر‭ ‬والملابس‭ ‬والمكياج‭ ‬وغيرها‭ . ‬

هذه‭ ‬الفتاة‭ ‬شغلت‭ ‬تفكيري‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬أمتلك‭ ‬الجرأة‭ ‬لكي‭ ‬أبوح‭ ‬لها‭ ‬عمّا‭ ‬يجول‭ ‬في‭ ‬خاطري‭ ‬ليس‭ ‬لأنّي‭ ‬ضعيف‭ ‬ولكن‭ ‬خشيتي‭ ‬أن‭ ‬أخسرها‭ ‬وأعود‭ ‬مخذولاً‭ ‬منعاني‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ , ‬استمر‭ ‬روتين‭ ‬الدراسة‭ ‬طوال‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬أعود‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬أشحن‭ ‬روحي‭ ‬وأقول‭:‬

‭-  ‬غداً‭ ‬أحسم‭ ‬الموضوع‭, ‬وفي‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬تتبدد‭ ‬شجاعتي‭ ‬وأعود‭ ‬طوال‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭  ‬ألوم‭ ‬نفسي‭ ‬وأحدثها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬بصوت‭ ‬مسموع‭ ‬ولا‭ ‬أنتبه‭ ‬لمرور‭ ‬الآخرين‭ ‬بقربي‭ ‬حتّى‭ ‬أسمع‭ ‬صوت‭ ‬أقدامهم‭ ‬كانوا‭ ‬يتصورون‭ ‬أنّي‭ ‬أتحدث‭ ‬معهم‭ ‬وكنت‭ ‬اتركهم‭ ‬متجاهلاً‭ ‬وقفتهم‭ ‬المتسائلة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬يتحدث‭ ‬مع‭ ‬نفسه؟‭.‬

4

      ‬في‭ ‬بداية‭ ‬شهر‭ ‬آيار‭ ‬جئت‭ ‬إلى‭ ‬الكلية‭ ‬لأنهي‭ ‬الموضوع‭ ‬وأتكلم‭ ‬معها‭ ‬بصراحة‭ ‬بحثت‭ ‬عنها‭ ‬فوجدتها‭ ‬واقفة‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬زميلاتها‭ ‬وتتكلم‭ ‬مع‭ ‬إحداهن‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تفارقها‭ ‬أبداً‭ .. ‬اقتربت‭ ‬منهن‭ ,‬ألقيت‭ ‬التحية‭ ‬وقلت‭:‬

‭-  ‬آسف‭ ‬لمقاطعتي‭ ‬لحديثكن‭ ‬ولكن‭ ‬لدي‭ ‬موضوع‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أتحدث‭ ‬به‭ ‬مع‭ ‬سماح‭ ‬إسمحي‭ ‬لي‭ ‬يا‭ ‬تغريد‭ ‬بذلك‭. ‬

قالت‭:‬

‭-  ‬تفضل‭ ‬

ووجهت‭ ‬حديثها‭ ‬نحو‭ ‬سماح‭ ‬،‭ ‬أراك‭ ‬لاحقاً‭ .‬

تدخلت‭ ‬وقلت‭ ‬لسماح‭: ‬

‭- ‬لا‭ ‬ليس‭ ‬الآن‭ ‬وإنّما‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تنهي‭ ‬حديثكِ‭ ‬مع‭ ‬تغريد‭ ‬سوف‭ ‬نلتقي‭ ‬في‭ ‬الممر‭ ‬الجانبي‭ ‬بعد‭ ‬حوالي‭ ‬عشر‭ ‬دقائق‭ ‬،‭ ‬مرّت‭ ‬الدقائق‭ ‬العشر‭ ‬كأنّها‭ ‬أزل‭ ‬وأنا‭ ‬اترقب‭ ‬حضورها‭ ‬وماهي‭ ‬إلاّ‭ ‬لحظات‭ ‬وأنا‭ ‬أقطع‭ ‬الممر‭ ‬ذهاباً‭ ‬واياباً‭ ‬حتّى‭ ‬حضرت‭. ‬

قالت‭ : ‬

‭- ‬ها‭ ‬تكلم‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الموضوع‭ ‬الخطير‭ ‬الذي‭ ‬جعلك‭ ‬تتكلم‭ ‬هذه‭ ‬المرّة؟‭ ‬ورمقتني‭ ‬بنظرة‭ ‬تشبه‭ ‬نظرتها‭ ‬الصفراء‭ ‬كأنّها‭ ‬كانت‭ ‬تعلم‭ ‬أنّي‭ ‬أحترق‭ ‬شوقاً‭ ‬وأرقبها‭ ‬واتأملها‭ ‬فهي‭ ‬مثل‭ ‬أمل‭ ‬الفلاح‭ ‬بالسنابل‭ ‬واخبرتني‭ ‬أنّها‭ ‬تفاجأت‭ ‬عندما‭ ‬رأتني‭ ‬أتقدم‭ ‬باتجاه‭  ‬مجموعة‭ ‬الفتيات‭ .‬

وقالت‭:‬

‭-  ‬أنت‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تتكلم‭ ‬إلاّ‭ ‬قليلاً‭ ‬وكلامك‭ ‬محدود‭ ‬جداً‭ ‬مع‭ ‬الفتيات‭ , ‬وحتّى‭ ‬نحن‭ ‬بيننا‭ ‬كمجموعة‭ ‬نطلق‭ ‬عليك‭ ‬اسم‭ ‬إله‭ ‬الصمت‭ ‬وأتمنى‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تنزعج‭ ‬وإذا‭ ‬ازعجك‭ ‬الموضوع‭ ‬فأعتبر‭ ‬أنّها‭ ‬مزحة‭ ‬عابرة‭ ‬وخلاص‭ .‬

  ‬أجبتها‭: ‬

‭- ‬نعم‭ ‬أنا‭ ‬أعرف‭ ‬أنّي‭ ‬لا‭ ‬أتحدث‭ ‬إلاّ‭ ‬قليلاً‭ ‬وحديثي‭ ‬يكون‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬يمليه‭ ‬علي‭ ‬احتياجي‭ ‬للكلام‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬ثرثرة‭ ‬فلكثرة‭ ‬الكلام‭ ‬مسأوئ‭ ‬كثيرة‭ ‬وأنا‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬يرفض‭ ‬كثرة‭ ‬الكلام‭ ‬ويحب‭ ‬الشخص‭ ‬صاحب‭ ‬السلوك‭ ‬المتزن‭ ‬والهادئ‭ .‬

ردّت‭ ‬علي‭: ‬

‭- ‬على‭ ‬أية‭ ‬حال‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الموضوع‭ ‬؟

احمّر‭ ‬وجهي‭ ‬وارتبكت‭ ‬كثيراً‭ ‬وتلعثمت‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬فقالت‭: ‬

‭- ‬ماذا‭ ‬بك‭ ‬وكأنك‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تبوح‭ ‬بشيء‭ ‬خطير؟‭ … ‬

  ‬لحظتها‭ ‬ارتدت‭ ‬شجاعتي‭ ‬وخأنتني‭ ‬قواي‭ ‬وشعرت‭ ‬أن‭ ‬لساني‭ ‬قد‭ ‬ربطته‭ ‬صخرة‭ ‬لا‭ ‬تتزحزح‭ , ‬وارغمت‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬الموضوع‭ ‬لكي‭ ‬أحافظ‭ ‬على‭ ‬اتزاني‭ ‬وأوقف‭ ‬تسارع‭ ‬نبضات‭ ‬قلبي‭ ‬وشعرت‭ ‬بصوت‭ ‬خفي‭ ‬يقول‭ ‬لي‭: ‬

‭- ‬إذا‭ ‬تحدثت‭ ‬معها‭ ‬الآن‭ ‬فأن‭ ‬النجاح‭ ‬الذي‭ ‬سوف‭ ‬تحققه‭ ‬هو‭ ‬الفشل‭ ‬وسوف‭ ‬تخسرها‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭. ‬

أجبتها‭: ‬

‭- ‬لا‭… ‬لا‭ ‬وأنا‭ ‬أتلعثم‭ ‬لا‭ ‬خطير‭ ‬ولاشي‭ , ‬لاحظت‭ ‬أن‭ ‬البحث‭ ‬الذي‭ ‬اخترتِهِ‭ ‬أنت‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬عنوان‭ ‬بحثي‭ ‬فأرجو‭ ‬أن‭ ‬يساعد‭ ‬كلّ‭ ‬منّا‭ ‬الآخر‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬والمصادر‭ .. ‬

أجابتني‭: ‬

‭- ‬أشكرك‭ ‬جداً‭ ‬لكن‭ ‬الموضوع‭ ‬لا‭ ‬يستحق‭ ‬منك‭ ‬أن‭ ‬تطلب‭ ‬رؤيتي‭ ‬على‭ ‬انفراد‭ ‬وترتبك‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬كلامك‭ ‬تصورّت‭ ‬أن‭ ‬الموضوع‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬،‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬أكرر‭ ‬شكري‭ ‬لك‭ ‬هل‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬آخر؟‭ .. ‬

قلت‭: ‬

‭- ‬لا‭ ‬هذا‭ ‬كل‭ ‬الموضوع‭ .‬

أجابت‭:‬

‭-  ‬أسمح‭ ‬لي‭. ‬

قلت‭: ‬

‭- ‬تفضلي‭ ‬وانصرفت‭ ..‬

شعرت‭ ‬للحظة‭ ‬بهزيمة‭ ‬مرّة‭ ‬منكرة‭ ‬فقد‭ ‬خأنتني‭ ‬جرأتي‭ ‬وكبلت‭ ‬لساني‭ ‬وبقيت‭ ‬ألوم‭ ‬نفسي‭ ‬ماذا‭ ‬دهاني‭ ‬لماذا‭ ‬غيرت‭ ‬الموضوع‭ ‬ومن‭ ‬أين‭ ‬اتيت‭ ‬بموضوع‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة؟‭ ‬لمت‭ ‬نفسي‭ ‬وضاق‭ ‬صدري‭ ‬وحملت‭ ‬كتبي‭ ‬وأوراقي‭ ‬وغادرت‭ ‬الكلية‭ ‬متوجهاً‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬أكمل‭ ‬الدروس‭ .‬وأحسست‭ ‬بينابيع‭ ‬حزن‭ ‬تتدفق‭ ‬في‭ ‬عروقي‭ ‬وبكآبة‭ ‬ثقيلة‭ ‬تهبط‭ ‬على‭ ‬قلبي

‭ ‬رجعت‭ ‬بائساً‭ ‬ولدي‭ ‬إحساس‭ ‬عميق‭ ‬بأنّها‭ ‬أحست‭ ‬بالموضوع‭ ‬جيداً‭ ‬وعرفت‭ ‬ماكنت‭ ‬أنوي‭ ‬التحدث‭ ‬به‭ ‬وزاد‭ ‬تأكيدها‭ ‬عند‭ ‬احمرار‭ ‬وجهي‭ ‬وارتباكي‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬وقد‭ ‬فوجئت‭ ‬بموضوع‭ ‬البحث‭ ‬الذي‭ ‬تفاجأت‭ ‬به‭ ‬أنا‭ ‬أيضاً‭ ‬،‭ ‬هكذا‭ ‬خيل‭ ‬لي‭ .‬

  ‬مرت‭ ‬أيّام‭ ‬عدّة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحادثة‭ ‬وأنا‭ ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬أجمع‭ ‬شتات‭ ‬قوّتي‭ ‬التي‭ ‬انهارت‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬لقاء‭ ‬منفرد‭ ‬لي‭ ‬معها‭ ‬وقرّرت‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬لها‭ ‬ما‭ ‬اردت‭ ‬قوله‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الامتحانات‭ ‬واخترت‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬لأنّها‭ ‬إذا‭ ‬رفضتني‭ ‬سوف‭ ‬أعود‭ ‬إلى‭ ‬مدينتي‭ ‬وبيئتي‭ ‬الأولى‭ ‬لأنّي‭ ‬سأكون‭ ‬في‭ ‬شدة‭ ‬كبيرة‭ ‬وأسى‭ ‬وحزن‭ ‬وخذلان‭ ‬وفي‭ ‬الشدائد‭ ‬والمآسي‭ ‬لن‭ ‬تجمعك‭ ‬إلاّ‭ ‬بيئتك‭ ‬الأولى‭, ‬وستحن‭ ‬إلى‭ ‬أيّام‭ ‬صباك‭ ‬وتختار‭ ‬العزلة‭ ‬والوحدة‭ . ‬إذا‭ ‬كلمتها‭ ‬الآن‭ ‬وقبل‭ ‬بدء‭ ‬الامتحانات‭ ‬ربما‭ ‬يؤثّر‭ ‬الموقف‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬وضعنا‭ ‬في‭ ‬الامتحانات‭ ‬فكان‭ ‬الخيار‭ ‬هو‭ ‬آخر‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الامتحانات‭ ,‬وفكرت‭:‬

‭-  ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬اليوم‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬ولهي‭ ‬وشوقي‭ !  ‬وطردت‭ ‬كلّ‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭,  ‬وقلت‭:‬

‭-  ‬نعم‭ ‬اليوم‭ ‬الأخير‭ ‬هو‭ ‬الأفضل‭ .‬

بدأت‭ ‬الامتحانات‭ ‬وفي‭ ‬الليلة‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬الامتحان‭ ‬الأخير‭ ‬لم‭ ‬أنم‭ ‬الليل‭ ‬اطلاقاً‭ ‬بل‭ ‬كنت‭ ‬مثل‭ ‬طفل‭ ‬ينتظر‭ ‬بزوغ‭ ‬فجر‭ ‬العيد‭ ‬لكي‭ ‬يرتدي‭ ‬ملابسه‭ ‬الجديدة‭ ‬ويخرج‭ ‬مسرعاً‭ ‬مباهياً‭ ‬بها‭ ‬الأطفال‭ , ‬وما‭ ‬أن‭ ‬أشرق‭ ‬الصباح‭ ‬حتّى‭ ‬تهيأت‭ ‬للذهاب‭ ‬ووضعت‭ ‬رأسي‭ ‬على‭ ‬الوسادة‭ ‬واستلقيت‭ ‬على‭ ‬الأريكة‭ ‬كنت‭ ‬متعباً‭ ‬لأنّي‭ ‬لم‭ ‬أنم‭ ‬اطلاقاً‭ ‬ويبدو‭ ‬أنّ‭ ‬النعاس‭ ‬غلبني‭ ‬ولم‭ ‬استيقظ‭ ‬إلاّ‭ ‬وقد‭ ‬تبقى‭ ‬نصف‭ ‬ساعة‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬الامتحان‭, ‬غادرت‭ ‬مسرعاً‭ ‬ماشياً‭ ‬أحياناً‭, ‬وأخرى‭ ‬راكضاً‭, ‬ووصلت‭ ‬قاعة‭ ‬الامتحان‭ ‬متعباً‭ ‬قبل‭ ‬الموعد‭ ‬بخمس‭ ‬دقائق‭ ‬ووجدت‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬الامتحان‭ ‬قد‭ ‬دخل‭ ‬القاعة‭ ‬وينتظر‭ ‬أن‭ ‬يحين‭ ‬الموعد‭ ‬لتسليم‭ ‬أوراق‭ ‬الامتحان‭ .‬

    ‬بدأ‭ ‬الامتحان‭ ‬وتمنيت‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الأسئلة‭ ‬قصيرة‭ ‬لكي‭ ‬أخرج‭ ‬بسرعة‭ ‬وألقاها‭ ‬ولكن‭ ‬ولسوء‭ ‬الحظ‭ ‬كانت‭ ‬الأسئلة‭ ‬طويلة‭ ‬ومعقدة‭ ‬وكانت‭ ‬سماح‭ ‬تجري‭ ‬الامتحان‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ ‬أخرى‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬قاعتي‭ ‬كتبت‭ ‬ما‭ ‬أعرفه‭ ‬من‭ ‬أجابة‭ ‬وانا‭ ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬اختصر‭ ‬في‭ ‬إجابتي‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬ممكنّا‭ ‬نظرت‭ ‬إلى‭ ‬ساعتي‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أشعر‭ ‬بالوقت‭ .‬

‭ ‬قلت‭:‬

‭-  ‬لقد‭ ‬أخذت‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬الكثير‭ ‬هل‭ ‬من‭ ‬المعقول‭ ‬أنّي‭ ‬قضيت‭ ‬ساعتين‭ ‬ونصف‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الامتحان‭ ‬اللعين؟‭ ‬طويت‭ ‬ورقة‭ ‬الامتحان‭ ‬وسلمتها‭ ‬إلى‭ ‬المشرف‭ ‬على‭ ‬القاعة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أراجع‭ ‬ما‭ ‬كتبت‭ ‬فيها‭ , ‬مررت‭ ‬مسرعاً‭ ‬من‭ ‬أمام‭ ‬القاعة‭ ‬التي‭ ‬تمتحن‭ ‬فيها‭ ‬سماح‭ ‬كان‭ ‬الباب‭ ‬مغلقاً‭ ‬رجعت‭ ‬مرة‭ ‬ثانية‭ ‬في‭ ‬الممر‭ ‬وقابلت‭ ‬أحد‭ ‬الزملاء‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يمتحن‭ ‬معها‭ ‬بنفس‭ ‬القاعة‭ , ‬وددت‭ ‬أن‭ ‬أساله‭ ‬عنها‭ ‬لكني‭ ‬ترددت‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يفسّر‭ ‬سؤالي‭ ‬عنها‭ ‬بشيء‭ ‬آخر‭ , ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أمامي‭ ‬خيار‭ ‬إلاّ‭ ‬أن‭ ‬اسأله‭ ‬بطريقة‭ ‬أخرى‭ ‬فقلت‭ ‬له‭: ‬

‭- ‬كيف‭ ‬أجبت؟‭ ‬

قال‭: ‬
‭- ‬كانت‭ ‬أسئلة‭ ‬صعبة‭ ‬ولست‭ ‬متأكداً‭ ‬من‭ ‬أجابتي‭.‬

‭ ‬فسألته‭: ‬

‭- ‬من‭ ‬بقي‭ ‬داخل‭ ‬قاعتك؟‭ ‬

‭-  ‬قال‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬أحد‭ ‬سوى‭ ‬بشار‭ ‬وأسماء‭ ‬وفاطمة‭ ‬وعلي‭ ‬وأنا‭ ‬خرجت‭ ‬لتوّي‭.‬

‭ ‬فقلت‭: ‬

‭- ‬هل‭ ‬أنت‭ ‬متأكد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الذي‭ ‬بقي‭ ‬داخل‭ ‬القاعة‭ ‬فقط‭ ‬هؤلاء؟

‭ ‬قال‭ :‬

‭- ‬نعم‭ ‬فنحن‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬عشرين‭ ‬دقيقة‭ ‬من‭ ‬وقت‭ ‬الامتحان‭ .‬

عندها‭ ‬ودعته‭ ‬،‭ ‬وانصرفت‭ ‬أبحث‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬المزدحمة‭ ‬بالطلبة‭ ‬المتجمهرين‭ ‬للوداع‭, ‬شققت‭ ‬طريقي‭ ‬بصعوبة‭ ‬بحثت‭ ‬عنها‭ ‬وكأنّي‭ ‬طفل‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬أمه‭ ‬الضائعة،‭ ‬ولم‭ ‬أجدها‭ ‬شعرت‭ ‬بجبال‭ ‬من‭ ‬الهم‭ ‬تجثم‭ ‬على‭ ‬صدري‭ ‬وتحرك‭ ‬دوران‭ ‬من‭ ‬العبث‭ ‬والفوضى‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬فلتان‭ ‬الروح‭ ‬وضياع‭ ‬الفكر‭ ‬والمعنى‭ , ‬وكأنّها‭ ‬أشعرتني‭ ‬بأنني‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الرحيل‭ ‬ولا‭ ‬داعي‭ ‬لتبريرات‭ ‬غير‭ ‬مقنعة‭ ! .‬

‭ ‬عشت‭ ‬على‭ ‬وهم‭ ‬يتنافر‭ ‬ويتجاذب‭ ‬كأي‭ ‬خرافة‭ ‬تستمر‭ ‬بتناقل‭ ‬الناس‭ ‬والمسفسطين‭ ‬تسأوي‭ ‬معنى‭ ‬الحياة‭ ‬بالموت‭ ‬والحاضر‭ ‬بالمستقبل‭ ,‬وأصبحت‭ ‬رحلة‭ ‬الأمل‭ ‬كسيحة‭ ‬أمام‭ ‬براق‭ ‬التشاؤم‭, ‬أصفرت‭ ‬الدينا‭ ‬في‭ ‬عيني‭ ‬وتبدّدت‭ ‬فرحتي‭, ‬ضاع‭ ‬أملي‭ ‬بالحديث‭ ‬معها‭ ‬وشعرت‭ ‬بذبول‭ ‬أزهار‭ ‬عمري‭, ‬تبخّر‭ ‬الحلم‭ ‬نحو‭ ‬المنتهى‭. ‬

سرت‭ ‬محني‭ ‬الرأس‭, ‬أجرّ‭ ‬خيبتي‭ ‬قبل‭ ‬خطواتي‭, ‬كم‭ ‬كنت‭ ‬أشعر‭ ‬بالسعادة‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬صغرها‭ ‬وكم‭ ‬كانت‭ ‬تصغر‭ ‬كلما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬متناول‭ ‬يدي‭ ‬لكنها‭ ‬عندما‭ ‬تسربت‭ ‬من‭ ‬يدي‭ ‬أدركت‭ ‬كم‭ ‬كانت‭ ‬كبيرة‭.‬

عدت‭ ‬إلى‭ ‬المنزل‭ ‬بتثاقل‭ ‬محاولاً‭ ‬جمع‭ ‬أغراضي‭ ‬وأدفع‭ ‬نفسي‭ ‬لإكمال‭ ‬حقيبتي‭ ‬وجمع‭ ‬ملابسي‭ ‬لمغادرة‭ ‬المدينة‭ ‬لوقت‭ ‬ليس‭ ‬قصيراً‭, ‬وإنّما‭ ‬أربعة‭ ‬أشهر‭, ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬فكرت‭ ‬في‭ ‬طول‭ ‬الوقت‭ ‬شعرت‭ ‬بمرارة‭, ‬فكيف‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أصبر‭ ‬حتّى‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬المقبل؟‭ ‬الوقت‭ ‬طويل‭ ‬وأسوأ‭ ‬ما‭ ‬سوف‭ ‬أكون‭ ‬عليه‭ ‬ان‭ ‬أترك‭ ‬قلبي‭ ‬هنا‭ ‬وآخذ‭ ‬بدني‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭, ‬عندها‭ ‬ستكون‭ ‬روحي‭ ‬تعأنّي‭ ‬وحدة‭ ‬لا‭ ‬تطاق‭ .‬

عدت‭ ‬إلى‭ ‬قريتي‭ ‬انشغلت‭ ‬بممارسة‭ ‬أعمال‭ ‬يومية‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬دون‭ ‬تردّد‭ .. ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تغادر‭ ‬تفكيري‭ ,‬الاشواق‭ ‬تغمرني‭ ‬وأطلال‭ ‬الكلمات‭ ‬تناجي‭ ‬إحساسي‭ ‬وتروي‭ ‬تفاصيل‭ ‬لهفتي‭ ‬لتكسب‭ ‬الكون‭ ‬معناه‭ ‬عندما‭ ‬تهز‭ ‬في‭ ‬قلبي‭ ‬أو‭ ‬تار‭ ‬الحنين‭ ‬لسمفونية‭ ‬اللقاء‭ .‬

عدت‭ ‬بعد‭ ‬اسبوع‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل‭ ‬وسلكت‭ ‬طريقي‭ ‬الذي‭ ‬عهدته‭ ‬جيداً‭ ‬إلى‭ ‬الجامعة‭ ‬لكي‭ ‬اتسلّم‭ ‬نتيجة‭ ‬زرع‭ ‬عام‭ ‬كامل‭, ‬كنتُ‭ ‬أخشى‭ ‬من‭ ‬امتحان‭ ‬اليوم‭ ‬الأخير‭ ‬الذي‭ ‬أربك‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬لدي‭, ‬أخذت‭ ‬نتيجتي‭ ‬وكنت‭ ‬ناجحاً‭, ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬أرى‭ ‬نتائج‭ ‬باقي‭ ‬زملائي‭ ‬فطلبت‭ ‬من‭ ‬دكتور‭ ‬نزار‭ ‬أن‭ ‬يعطيني‭ ‬نتائج‭ ‬زملائي‭ ‬وقد‭ ‬رد‭ ‬علي‭:‬

‭-  ‬وماذا‭ ‬تريد‭ ‬منها؟‭ ‬

فقلت‭: ‬

‭- ‬أنا‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬أخرى‭ ‬ولن‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أرى‭ ‬أصدقائي‭ ‬إلاّ‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬فقط‭ ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬اطمئن‭ ‬عليهم‭ .‬

  ‬كنت‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬نتيجتها‭ ‬تمنيت‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ناجحة‭ ‬أو‭ ‬حتّى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مكملة‭ ‬لكي‭ ‬أعود‭ ‬والتقيها‭ ‬في‭ ‬موعد‭ ‬امتحان‭ ‬الدور‭ ‬الثاني‭ ‬،‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أعرف‭ ‬ما‭ ‬أتمنى‭ ‬لها‭ ‬بالضبط‭ ‬لكن‭ ‬الذي‭ ‬تمنيته‭ ‬هو‭ ‬ان‭ ‬التقي‭ ‬بها‭ ‬مجدّداً‭ . ‬رفض‭ ‬دكتور‭ ‬نزار‭ ‬طلبي‭ ‬وقال‭:‬

‭-  ‬أتركهم‭ ‬لا‭ ‬شأن‭ ‬لك‭ ‬بهم‭ ‬وخرجت‭ ‬معتذراً‭ ‬وأنا‭ ‬أحاول‭ ‬تفادي‭ ‬دمعتين‭ ‬أفلتتا‭ ‬من‭ ‬عيني‭ ‬ارتعدت‭ ‬نياط‭ ‬قلبي‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬شبح‭ ‬البعد‭ ‬الذي‭ ‬أخاف‭ ‬أن‭ ‬يفترس‭ ‬روحي‭ .. ‬لكني‭ ‬عبثاً‭ ‬أحاول‭ ‬إبعاد‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭. ‬في‭ ‬طريقي‭ ‬نازلاً‭ ‬من‭ ‬المدرجات‭ ‬التي‭ ‬ألفتها‭ ‬وكانت‭ ‬شاهداً‭ ‬علي‭ ‬مسيرتي‭ ‬اليومية‭ ‬ولو‭ ‬نطق‭ ‬رخامها‭ ‬لقال‭:‬

‭-  ‬لقد‭ ‬وطأت‭ ‬قدماك‭ ‬كل‭ ‬قطعة‭ ‬هنا‭ ‬فأنت‭ ‬لم‭ ‬تستثن‭ ‬واحدة‭ ‬إلاّ‭ ‬وكان‭ ‬لها‭ ‬نصيب‭ ‬من‭ ‬الشهادة‭ ‬على‭ ‬شغفك‭. ‬

  ‬التقيت‭ ‬تغريد‭ ‬وبادرتها‭ ‬التحية‭ ‬وسألتني‭:‬

‭-  ‬ماذا‭ ‬أتى‭ ‬بك‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬يوم‭ ‬لإعلان‭ ‬النتائج؟‭ ‬

‭ ‬أجبت‭: ‬

أتيت‭ ‬لآخذ‭ ‬النتيجة‭. ‬

ردت‭ ‬بابتسامة‭ ‬خفيفة‭ ‬وهزت‭ ‬رأسها‭ ‬قائلة‭:‬

‭ ‬النتيجة‭ ‬أم‭ ‬شيء‭ ‬اخر؟‭ ‬

قلت‭ ‬لها‭:‬

‭ ‬النتيجة‭ ‬فقط‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭, ‬فأكملت‭:‬

‭-  ‬ما‭ ‬أتى‭ ‬بي‭ ‬أتى‭ ‬بك‭ ‬الآن‭ ‬احمر‭ ‬وجهها‭ ‬خجلاً‭ .‬

وقالت‭: ‬

‭- ‬لا‭, ‬لا‭ ‬اتيت‭ ‬فقط‭ ‬للنتيجة‭ .‬

‭ ‬اكتشفت‭ ‬عندها‭ ‬أن‭ ‬تغريد‭ ‬تعيش‭ ‬قصة‭ ‬حب‭ ‬فقد‭ ‬تركت‭ ‬بشاراً‭ ‬ينتظر‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬أخذ‭ ‬نتيجته‭ ‬فقد‭ ‬سمعت‭ ‬الكثير‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬بينهما‭, ‬لا‭ ‬أعلم‭ ‬فأنا‭ ‬محتار‭ ‬بهمي‭ .‬

‭ ‬سالتها‭: ‬

‭- ‬أين‭ ‬سماح؟‭ ‬

ضحكت‭ ‬هذه‭ ‬المرّة‭ ‬وقالت‭:‬

‭-  ‬أتيت‭ ‬تتسلّم‭ ‬النتيجة‭ ‬فقط‭ ‬اليس‭ ‬كذلك؟‭ ‬

قلت‭:‬

‭-  ‬نعم‭.‬

قالت‭: ‬

‭- ‬جيد‭ ‬سماح‭ ‬سافرت‭ ‬إلى‭ ‬الحبانية‭ ‬مع‭ ‬عائلتها‭ ‬لكي‭ ‬تقضي‭ ‬إجازة‭ ‬الصيف‭ ‬هناك‭ ‬وطلبت‭ ‬مني‭ ‬أن‭ ‬أخذ‭ ‬نتيجتها‭ ‬وأخبرها‭ ‬تلفونياً‭ .‬

‭ ‬صعقني‭ ‬جوابها‭, ‬كنت‭ ‬أنتظر‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬لي‭ ‬ستأتي‭ ‬بعدي‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬غداً‭ ‬لكي‭ ‬تتسلم‭ ‬النتيجة‭ , ‬أملت‭ ‬برأسي‭ ‬وقلت‭ ‬لتغريد‭: ‬عندما‭ ‬تتصل‭ ‬بك‭ ‬بلغيها‭ ‬تحياتي‭ ‬وقولي‭ ‬لها‭ ‬إنّي‭ ‬بحثت‭ ‬عنها‭ ‬آخر‭ ‬يوم‭ ‬لكي‭ ‬أودعها‭ ‬ولم‭ ‬أجدها‭ ‬،‭ ‬قالت‭ ‬حسناً‭ ‬سوف‭ ‬أبلغها‭ ‬بذلك‭ ‬وانصرفت‭ .‬

‭ ‬أحياناً‭ ‬تفقد‭ ‬الأبجدية‭ ‬تناغمها‭ ‬عندما‭ ‬نشكلها‭ ‬بكلمات‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬قلوبنا‭ ‬تطرق‭ ‬أسماع‭ ‬من‭ ‬نحب‭ ‬حد‭ ‬العبادة‭ ‬لأننا‭ ‬نكون‭ ‬أعباء‭ ‬ثقيلة‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الأسماع‭ ‬فيا‭ ‬ليت‭ ‬أبجديتي‭ ‬طرقت‭ ‬قلبك‭ .. ‬أيعقل‭ ‬أنّها‭ ‬لم‭ ‬تلامس‭ ‬شغاف‭ ‬قلبك‭!…‬سماح‭ … ‬أعيدي‭ ‬لي‭ ‬بقايا‭ ‬جنوني‭ .. ‬الفرح‭ ‬والعذاب‭ ‬ممزوج‭ ‬بلوحك‭ ‬الذي‭ ‬صورك‭ ‬وكتب‭ ‬هناءك‭ ‬وشقاءك‭ .‬

  ‬رجعت‭ ‬إلى‭ ‬مدينتي‭ ‬وأنا‭ ‬أتمنى‭ ‬أن‭ ‬ينتهي‭ ‬الصيف‭ ‬سريعاً،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬كالصيف‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬أنتظره‭ ‬قبل‭ ‬سنة‭ ‬لا‭ ‬أكثر‭,  ‬لكي‭ ‬أقضي‭ ‬منتصف‭ ‬نهاره‭ ‬على‭ ‬النهر‭ ‬مع‭ ‬أصدقائي‭, ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬فيه‭ ‬شيء‭ ‬يغويني‭ ‬فقد‭ ‬شغلت‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬أهم‭ ‬منه‭ ‬،‭ ‬بدأت‭ ‬أحسب‭ ‬الأيّام‭ ‬وها‭ ‬أنا‭ ‬ذا‭ ‬اقترب‭ ‬من‭ ‬استئناف‭ ‬الدوام‭ ‬فما‭ ‬علي‭ ‬إلاّ‭ ‬أن‭ ‬اذهب‭ ‬وأرتب‭ ‬لنفسي‭ ‬مكاناً‭ ‬جديداً‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬أجدّد‭ ‬إيجار‭ ‬مسكني‭ ‬فعماد‭ ‬الذي‭ ‬تكفّل‭ ‬بكل‭ ‬شيء‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬تخرج‭ ‬الآن‭ .. ‬كنت‭ ‬وضعت‭ ‬عهداً‭ ‬على‭ ‬نفسي‭ ‬بأنّي‭ ‬سوف‭ ‬أصارحها‭ ‬بما‭ ‬أنا‭ ‬فيه‭ ‬عند‭ ‬أول‭ ‬لقاء‭  ‬بها‭,  ‬لم‭ ‬أعد‭ ‬احتمل‭ ‬ما‭ ‬أنا‭ ‬فيه‭ ‬فهي‭ ‬قد‭ ‬حلّت‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأشياء‭ ‬من‭ ‬حولي‭ ‬في‭ ‬زقزقة‭ ‬العصافير‭ ‬وصفير‭ ‬الريح‭ ‬وفي‭ ‬أجنحة‭ ‬الفراشات‭ ‬وفي‭ ‬هدير‭ ‬الماء‭ ‬لكنني‭ ‬أذوب‭ ‬حنيناً‭ ‬إليها‭ , ‬وأحسها‭ ‬حاضرة‭ ‬وهي‭ ‬غائبة‭ !‬

  ‬عدت‭ ‬إلى‭ ‬الموصل‭ ‬قبل‭ ‬بدء‭ ‬الدوام‭ ‬الفعلي‭ ‬بأسبوع‭ ‬وأستأجرت‭ ‬شقة‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬الجهة‭ ‬الغربية‭ ‬للجامعة‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬وقبالة‭ ‬أبوابها‭ ‬الرئيسية‭ ‬الثلاثة‭ ..‬دفعت‭ ‬الإيجار‭ ‬وتبضعت‭ ‬بعض‭ ‬الحاجيات‭ ‬ورجعت‭ ‬إلى‭ ‬أهلي‭ , ‬لكن‭ ‬علي‭ ‬أن‭ ‬أعود‭ ‬بعد‭ ‬خمسة‭ ‬أيّام‭ ‬لأن‭ ‬الدوام‭ ‬سوف‭ ‬يبدأ‭ ‬وأنا‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية‭ . ‬

5

رجعت‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل‭ , ‬وسكنت‭ ‬الشقة‭ ‬التي‭ ‬استأجرتها‭ ‬قبل‭ ‬أيّام‭ , ‬وفي‭ ‬اليوم‭ ‬الثاني‭  ‬استيقظت‭ ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬بنشاط‭ ‬وحيوية‭ ‬كبيرتين‭ , ‬وأسرعت‭ ‬إلى‭ ‬الكلية‭ ‬وكلي‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬أراها‭ , ‬بقيت‭ ‬انتظر‭ ‬وعيناي‭ ‬ترقبان‭ ‬الشرفات‭ ‬والأبواب‭ ‬شاحبة‭ ‬كأنّها‭ ‬عيون‭ ‬المصروع‭ ‬أو‭ ‬الصياد‭ ‬الذي‭ ‬ينتظر‭ ‬طريدته‭ ‬ويراقبها‭ ‬لكي‭ ‬ينقض‭ ‬عليها‭ , ‬أما‭ ‬أنا‭ ‬فأنتظر‭ ‬من‭ ‬تطاردني‭ ‬في‭ ‬صحوتي‭ ‬وحلمي‭ ‬وأحن‭ ‬إليها‭ ‬وهي‭ ‬ترحل‭ ‬بين‭ ‬الاضلع‭ ‬والقلب‭ , ‬وكأنّي‭ ‬أشعر‭ ‬بخبب‭ ‬الأرجل‭ , ‬وأسمعه‭ ‬طوال‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭ .. ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬وطال‭ ‬انتظاري‭ ‬ومر‭ ‬اليوم‭ ‬الثاني‭ ‬وأنا‭ ‬متلهف‭ ‬انتظر‭ , ‬حتّى‭ ‬تغريد‭ ‬صاحبة‭ ‬الابتسامة‭ ‬السمجة‭ , ‬ثقيلة‭ ‬المزاج‭ ‬لم‭ ‬أرها‭ ‬كنت‭ ‬أتحمل‭ ‬ما‭ ‬يبدر‭ ‬منها‭ ‬لأنّي‭ ‬استجير‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أشواكها‭ ,‬وكنت‭ ‬أتصوّر‭  ‬ظلها‭ ‬كأنه‭  ‬ظل‭ ‬شجرة‭ ‬عوسج‭ ‬لكن‭ ‬كنت‭ ‬اتحمل‭ ‬نغزتها‭ ‬السامة‭ , ‬لأنّ‭ ‬ما‭ ‬بي‭ ‬من‭ ‬وجع‭ ‬روحي‭ ‬أشد‭ ‬إيلاماً‭ ‬من‭ ‬وخزات‭ ‬تغريد‭ ‬ونظراتها‭ ‬المكروهة‭ .. ‬حتّى‭ ‬تغريد‭ ‬لم‭ ‬تحضر‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬وفي‭ ‬اليوم‭ ‬الثالث‭ ‬كانت‭ ‬اساريري‭ ‬مستبشرة‭ ‬فرحة‭ , ‬نبض‭ ‬قلبي‭ ‬يزداد‭, ‬كان‭ ‬صديقي‭ ‬علي‭ ‬يرافقني‭ , ‬تعرفت‭ ‬عليه‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬جلال‭ ‬وأصبح‭ ‬من‭ ‬أصدقائي‭ ‬المقربين‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الثالثة‭ .‬

‭ ‬قلت‭: ‬

‭-  ‬يا‭ ‬علي‭ ‬أشعر‭ ‬أنّها‭ ‬سوف‭ ‬تأتي‭ .‬

‭ ‬فقال‭:‬

‭-   ‬صار‭ ‬لك‭ ‬يومين‭ ‬تنتظر‭ ‬ولم‭ ‬تحضر‭, ‬لن‭ ‬تحضر‭ ‬حتّى‭ ‬الأسبوع‭ ‬القادم‭ .‬

‭ ‬قلت‭ : ‬

‭-  ‬لا‭ .. ‬سوف‭ ‬تأتي‭, ‬إحساسي‭ ‬يقول‭ ‬ذلك‭ ‬سوف‭ ‬أنتظرها‭ ‬هنا‭ .‬

فقال‭:‬

‭-  ‬يا‭ ‬أخي‭  ‬لقد‭ ‬عانيت‭  ‬كثيراً‭ ‬وأعرف‭ ‬كم‭ ‬اكتويت‭ ‬بنار‭ ‬الشوق‭ ‬طوال‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تترك‭ ‬طيفها‭ ‬وتعيش‭ ‬يومك‭ ‬وتصادق‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الفتيات‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬غابت‭ ‬واحدة‭ ‬انشغلت‭ ‬بأخرى‭ ‬عش‭ ‬حياتك‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬مثل‭ ‬ما‭ ‬أنا‭ ‬أعيش‭ ‬كل‭ ‬شهرين‭ ‬أجد‭ ‬واحدة‭ ‬أقضي‭ ‬معها‭ ‬وقتاً‭ ‬جميلاً‭ ‬ثم‭ ‬أرحل‭ ‬باحثاً‭ ‬عن‭ ‬ثانية‭ .. ‬

قلت‭ ‬له‭ : ‬

‭- ‬بل‭ ‬سحر‭ ‬العشق‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬تختزل‭ ‬لك‭ ‬كل‭ ‬النساء‭.‬

فقال‭ :‬

‭-  ‬أسمع‭ ‬عليك‭ ‬استغلال‭ ‬سنوات‭ ‬الجامعة‭ ‬فأنّها‭ ‬حلم‭ ‬لا‭ ‬يتكرر‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬شديد‭ ‬الاستحواذ‭ ‬والتملك‭ .. ‬لا‭ ‬تتعمق‭ ‬بالتفكير‭ ‬فالتفكير‭ ‬العميق‭ ‬يفسد‭ ‬اللذات‭ .. ‬تصرف‭ ‬بما‭ ‬تمليه‭ ‬عليك‭ ‬كل‭ ‬لحظة‭ ‬اترك‭ ‬الماضي‭ .. ‬ولا‭ ‬تفكر‭ ‬بالمستقبل‭ ‬فصدقني‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬مرسوم‭ ‬وفق‭ ‬دائرة‭ ‬لها‭ ‬بداية‭ ‬ونهاية‭ … ‬الإحساس‭ ‬بالفشل‭ ‬نحن‭ ‬الذي‭ ‬نخلقه‭ … ‬مجرد‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬دوماً‭ ‬من‭ ‬نقطة‭ ‬جديدة‭ ‬هو‭ ‬نجاح‭ .. ‬التوقف‭ ‬التام‭ ‬هو‭ ‬الفشل‭ … ‬الإنسان‭ ‬بطبيعته‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬إلاّ‭ ‬عند‭ ‬لحظة‭ ‬الموت‭ , ‬وهذه‭ ‬اللحظة‭ ‬الختامية‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يعرف‭ ‬متى‭ ‬تأتي‭ … ‬ولكي‭ ‬تنتصر‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬عليك‭ ‬إلاّ‭ ‬تفكر‭ ‬بها‭ ‬أبداً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الإحساس‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التأمل‭ , ‬فكر‭ ‬الا‭ ‬تدخل‭ ‬إلى‭ ‬الجامعة‭ ‬وأنت‭ ‬فلاح‭ ‬قادم‭ ‬من‭ ‬قرية‭ ‬نائية‭ ‬على‭ ‬نهر‭ ‬الزاب‭ ‬الصغير‭ ‬ولا‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬الجامعة‭ ‬وأنت‭ ‬فلاح‭ ‬فبقدر‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬الجامعة‭ ‬حلماً‭ ‬في‭ ‬النساء‭ ‬والمغامرات‭ ‬وفي‭ ‬تحصيل‭ ‬العلم‭ ‬فهي‭ ‬محطة‭ ‬للانطلاق‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬جديد‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬ما‭ ‬قبله‭ ‬اما‭ ‬عالم‭ ‬النساء‭ ‬فالجامعة‭ ‬مكان‭ ‬يتيح‭ ‬لك‭ ‬الاقتراب‭ ‬منهن‭ ‬واقامة‭ ‬العلاقات‭ ‬التي‭ ‬ربما‭ ‬تستمر‭ ‬لما‭ ‬بعد‭ ‬الجامعة‭ … ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬شريكة‭ ‬عمرك‭ ‬إحدى‭ ‬الطالبات‭ ‬كما‭ ‬تخطط‭ ‬أنت‭ ‬الآن‭ … ‬الجامعة‭ ‬مساحة‭ ‬تختلط‭ ‬فيها‭ ‬المغامرّة‭ ‬والعلم‭ ‬والحلم‭ ‬والنساء‭ ‬والحظ‭ ‬والمستقبل‭ ‬وما‭ ‬عليك‭ ‬إلاّ‭ ‬أن‭ ‬تحسن‭ ‬كيفية‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬وتتقن‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ . ‬

لم‭ ‬يكمل‭ ‬علي‭ ‬حديثه‭ ‬حتّى‭ ‬مرت‭ ‬وقد‭ ‬لمحتها‭ ‬من‭ ‬بعيد

قلت‭ ‬ملهوفاً‭  : ‬

‭- ‬علي‭ ..‬علي‭ ‬انظر‭ ‬من‭ ‬هناك‭ ‬تحت‭ ‬تلك‭ ‬الشجرة‭ ‬تسير‭ ‬باتجاه‭  ‬مدخل‭ ‬الكلية‭ .‬

فرد‭ ‬علي‭ : ‬

‭- ‬الأن‭ ‬أيقنت‭ ‬أن‭ ‬الحب‭ ‬العذري‭ ‬لم‭ ‬ينقرض‭ ‬ولم‭ ‬يندثر‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬حديث‭ ‬القصص‭ ‬والمورث‭, ‬ها‭ ‬أنا‭ ‬ذا‭ ‬أمسك‭ ‬تلابيبه‭ ‬بيدي‭ , ‬الآن‭ ‬صدقت‭ ‬أنه‭ ‬موجود‭ ‬وكيف‭ ‬شعرت‭ ‬بها‭ ‬وكيف‭ ‬كنت‭ ‬تصر‭ ‬مثل‭ ‬إصرار‭ ‬الأطفال‭  ‬على‭ ‬انتظارها‭ . ‬لكن‭ ‬أسمع‭ ‬الحب‭ ‬لعبة‭ ‬خطرة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فيها‭ ‬أنت‭ ‬المسيطر‭ .. ‬وحين‭ ‬تفقد‭ ‬السيطرة‭ ‬فأنك‭ ‬ستكون‭ ‬الضحية‭ .. ‬وتكون‭ ‬بالتالي‭ ‬الطرف‭ ‬الأضعف‭ ‬الذي‭ ‬يتلقى‭ ‬الضربات‭.‬

لم‭ ‬أنتبه‭ ‬لما‭ ‬يقول‭ ‬علي‭ ‬عيناي‭ ‬رافقتاها‭ ‬كما‭ ‬يرافق‭ ‬الطير‭ ‬صغيره‭ ‬وهو‭ ‬يعلمه‭ ‬الطيران‭ ‬كانت‭ ‬خطواتها‭ ‬تقودها‭ ‬صوبي‭.‬

قلت‭ ‬له‭ : ‬

‭- ‬علي‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تذهب‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬فأنّي‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أقابلها‭ ‬منفرداً‭ ‬وأتكلم‭ ‬معها‭ ‬

سألني‭: ‬

‭- ‬اتطردني‭ ‬وأنا‭ ‬ضيفك‭ ‬اليوم‭ ‬؟‭.. ‬لم‭ ‬أجبه‭ ‬وأكمل‭  ‬حديثه‭ … ‬تقدّم‭ ‬باتجاهها‭ ‬بهدوء‭ ‬واجعلها‭ ‬تقرأ‭ ‬الشوق‭ ‬في‭ ‬عينيك‭ ‬ثم‭ ‬انسحب‭ ‬بهدوء‭ ‬فالمرأة‭ ‬لا‭ ‬تحب‭ ‬الرجل‭ ‬الدبق‭ ‬وتكره‭ ‬من‭ ‬يطاردها‭ ‬دوماً‭ .. ‬إنّها‭ ‬تحب‭ ‬الاهتمام‭ ‬والافصاح‭ ‬عن‭ ‬المشاعر‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬بإلحاح‭ ‬يحرمها‭ ‬الإحساس‭ ‬بالشوق‭ ‬

فقلت‭ :‬

‭- ‬اذهب‭ ‬نتكلم‭ ‬لاحقاً‭ ..‬كان‭ ‬يمازحني‭ ..  ‬اذهب‭ ‬لا‭ ‬وقت‭ ‬لدي‭ ‬للمزاح‭ .‬

‭ ‬ذهب‭ ‬علي‭ ‬مسرعاً‭ ‬واقتربت‭ ‬مني‭ ‬فبادرتها‭ ‬التحية‭ ‬

قالت‭ : ‬

‭-  ‬شكراً‭ ‬لسؤالك‭ ‬عني‭ ‬فقد‭ ‬أوصلت‭ ‬لي‭ ‬تغريد‭ ‬التحية‭ ‬كيف‭ ‬قضيت‭ ‬عطلتك‭ ‬؟‭ ‬

أجبت‭ :‬

‭-  ‬أنا‭ ‬لم‭ ‬اقض‭ ‬عطلتي‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬سياحية‭ ‬ولم‭ ‬أخرج‭ ‬من‭ ‬بيتي‭, ‬لقد‭ ‬قضيتها‭ ‬اصارع‭ ‬زمني‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬أخرج‭ ‬صباحاً‭ ‬وأعود‭ ‬في‭ ‬المساء‭ .. ‬

ابتسمت‭ ‬وقالت‭ ‬بعذوبة‭: ‬

‭- ‬واضح‭ ‬فقد‭ ‬أخذت‭ ‬الشمس‭ ‬من‭ ‬وجنتك‭ ‬الشيء‭ ‬الكثير‭ ‬لكن‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نفسيتك‭ ‬مرتاحة‭, ‬لا‭ ‬يهم‭ ‬تعب‭ ‬الجسد‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬النفس‭ ‬مرتاحة‭ ..‬

‭ ‬قلت‭ ‬بيقين‭ :‬

‭-  ‬نعم‭ ‬هذا‭ ‬صحيح‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬تأتي‭ ‬الراحة‭ ‬النفسية‭ ‬وتفكيري‭ ‬مشغول‭ ‬ولا‭ ‬أستطيع‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬إحساسي‭ .‬

سألت‭:‬

‭-  ‬وماهي‭ ‬المشكلة‭ ‬؟

قلت‭ ‬مباشرة‭ : ‬

‭- ‬باختصار‭ ‬وبدون‭ ‬لف‭ ‬ودوران‭ ‬المشكلة‭ ‬أنتِ‭ …‬

سألت‭ ‬مندهشة‭ :‬

‭-  ‬أنا‭ ‬؟؟‭ ‬

فأجبت‭: ‬

‭- ‬نعم‭ .. ‬

سألت‭ :‬

‭- ‬وكيف‭ ‬أكون‭ ‬مشكلتك‭ ‬وأنا‭ ‬بعيدة‭ ‬عنك‭ ‬؟‭ ‬

قلت‭ :‬

‭-  ‬نعم‭ ‬ربما‭ ‬جوهر‭ ‬المشكلة‭ ‬بعدك‭ ‬عني‭ .. ‬أمستعدة‭ ‬لسماع‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬الآن‭ ‬؟‭ ‬

قالت‭ : ‬

‭-  ‬نعم‭ ‬وبحماس‭ ‬شديد‭.‬

‭ ‬قلت‭ ‬لها‭:‬

‭-  ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تضعي‭ ‬في‭ ‬حساباتك‭ ‬أن‭ ‬الموضوع‭ ‬الذي‭ ‬أريد‭ ‬التحدث‭ ‬فيه‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬يعرفه‭ ‬أحد‭ ‬وأن‭ ‬تعلمي‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬اطرحه‭ ‬عليك‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬اللهو‭ ‬أو‭  ‬اشغال‭ ‬الوقت‭ .. ‬انا‭ ‬جاد‭ ‬فيما‭ ‬أقول‭ ‬كل‭ ‬الجد‭ .. ‬

قاطعتني‭ ‬قائلة‭:‬

‭-  ‬قل‭ ‬ما‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬واعتبر‭ ‬أن‭ ‬كلامي‭ ‬هذا‭ ‬وعد‭ ‬ولن‭ ‬أبوح‭ ‬لأحد‭ ‬شيء‭ ‬منه‭ .. ‬والآن‭ ‬شوقتني‭ ‬فقل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الموضوع‭, ‬تكلم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتجمع‭ ‬الطلاب‭ ‬ونكون‭ ‬محل‭ ‬انتباههم‭ .. ‬

قلت‭ : ‬

‭- ‬يا‭ ‬سماح‭, ‬تمتمت‭ ‬بالكلام‭ ‬وعادت‭ ‬إلي‭ ‬الحالة‭ ‬الأولى‭ ‬وأنا‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬البحث‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬بحث‭ ‬لكي‭ ‬أتحدث‭ ‬عنه‭ ‬أو‭ ‬ليكون‭ ‬قارب‭ ‬نجاة‭ ‬أهرب‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬خيبتي‭ , ‬أحمّر‭ ‬وجهي‭ ‬وداهمتني‭ ‬بالسؤال‭ :‬

‭-  ‬ما‭ ‬بك‭ ‬يا‭ ‬سعيد‭ ‬؟‭ ‬

‭ ‬فقلت‭ : ‬

‭- ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬أنا‭ ‬عندما‭ ‬قبلت‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬وأتيت‭ ‬للدراسة‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬قروي‭ ‬له‭ ‬تقاليده‭ ‬وعاداته‭ ‬التي‭ ‬نعتز‭ ‬بها‭ ‬والمرأة‭ ‬لدينا‭ ‬محطاً‭ ‬للاحترام‭ ‬والتقدير‭ ‬وفي‭ ‬مجتمعي‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬ان‭ ‬اقف‭ ‬مع‭ ‬فتاة‭ ‬وأتحدث‭ , ‬لكن‭ ‬أنا‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬وسعيد‭ ‬بوجودي‭ ‬فيها‭ .. ‬صدقيني‭ ‬لم‭ ‬أجرب‭ ‬الحب‭ ‬في‭ ‬حياتي‭  ‬وكنت‭ ‬اعتقد‭ ‬بأنّي‭ ‬لازلت‭ ‬صغيراً‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬لكنه‭ ‬طرق‭ ‬قلبي‭ ‬ودخل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استئذان‭ ‬وانساب‭ ‬مثل‭ ‬انسياب‭ ‬الماء‭ ‬تحت‭ ‬القش‭ ‬والأدهى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أنّي‭ ‬أنوء‭ ‬بحمله‭ ‬منفرداً‭ ‬وبدأ‭ ‬يتعبني‭ ‬وشغل‭ ‬تفكيري‭ ‬وأوجع‭ ‬قلبي‭, ‬عندما‭ ‬شاهدتُك‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬الاستقبال‭ ‬رأودني‭ ‬إحساس‭ ‬غريب‭ ‬شعرت‭ ‬بشيء‭ ‬يشدني‭ ‬اليك‭ ‬وتمنيت‭ ‬أن‭ ‬تكوني‭ ‬معي‭ ‬ولحسن‭ ‬حظي‭ ‬تحققت‭ ‬أمنيتي‭ .. ‬وحاولت‭ ‬طوال‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬لك‭ ‬أنّي‭ ‬أحبك‭ ‬بثقة‭ ‬مطلقة‭ ‬لكن‭ ‬الخجل‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬ضياعك‭ ‬كانا‭ ‬يكبلاني‭ ‬وأنا‭ ‬واثق‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬شعرت‭ ‬به‭ ‬طوال‭ ‬عام‭ ‬كامل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬نزوة‭ ‬عابرة‭, ‬والآن‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬عام‭ ‬كامل‭ ‬وأنا‭ ‬أخفيه‭ ‬أحسست‭ ‬بأنّي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬أرحم‭ ‬نفسي‭ ‬وأزيح‭ ‬عنها‭ ‬الهم‭ , ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تعرفي‭ ‬شغفي‭ ‬بك‭ ‬طوال‭ ‬أشهر‭ ‬البعد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصيف‭ ‬القائظ‭ ‬لم‭ ‬تفارقيني‭ ‬لحظة‭ ‬وقرّرت‭ ‬أن‭ ‬أخبرك‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬لقاء‭  ‬ولتسقط‭ ‬حجارة‭ ‬السماء‭ , ‬قبل‭ ‬أشهر‭ ‬عندما‭ ‬تكلمت‭ ‬معك‭ ‬عن‭ ‬حاجتي‭ ‬لمصادر‭ ‬البحث‭ ‬لم‭ ‬اكن‭ ‬اقصد‭ ‬البحث‭ ‬أو‭ ‬مصادره‭ ‬ولا‭ ‬أعلم‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬اتتني‭ ‬قصة‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ , ‬كنت‭ ‬اقصدك‭ ‬أنت‭ , ‬كان‭ ‬هدفي‭ ‬أن‭ ‬أصارحك‭ ‬و‭..‬

قاطعتني‭ ‬قائلة‭: ‬

للرواية‭ ‬بقية‭…‬

مشاركة