الاسم الآخر للمستحيل-محمد تميم

910

ليس‭ ‬مشكلة‭ ‬أن‭ ‬اتحمل‭ ‬حر‭ ‬الشقة‭ ‬بكهرباء‭ ‬منقطعة‭ ‬،‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬أحاول‭ ‬الوصول‭ ‬إليها،‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أعلم‭ ‬بالضبط‭ ‬ماذا‭ ‬أريد‭, ‬حتّى‭ ‬لو‭ ‬عرفت‭ ‬موقع‭ ‬بيتها‭ ,‬هل‭ ‬أملك‭ ‬من‭ ‬الجرأة‭ ‬أن‭ ‬أطرق‭ ‬الباب‭ ‬وأسأل‭ ‬عنها‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬المحافظ‭ ‬؟‭ ‬كانت‭ ‬فكرة‭ ‬مجنونة‭ ‬حقا‭, ‬ذهبت‭ ‬وبقيت‭ ‬أدور‭ ‬هناك‭ ‬ليوم‭ ‬كامل‭ ‬أقطع‭ ‬الأزقة‭ ‬ذهاباً‭ ‬واياباً‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬جدوى‭ ‬وعدت‭ ‬عصر‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬متعباً‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬أقطع‭ ‬الأمل‭ ‬وقرّرت‭ ‬أن‭ ‬أذهب‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الثاني‭ ‬أيضاً‭ ‬وأدور‭ ‬في‭ ‬الأزقة‭ ‬،‭ ‬وذهبت‭ ‬وبعد‭ ‬حوالي‭ ‬ساعتين‭ ‬من‭ ‬دوراني‭ ‬توقفت‭ ‬بقربي‭ ‬سيارة‭ ‬شرطة‭ ‬وسألوني‭: ‬

‭- ‬ماذا‭ ‬تفعل‭ ‬هنا؟‭ ‬

أجبت‭:‬

‭-  ‬هل‭ ‬قمت‭ ‬بشيء‭ ‬غلط؟‭ ‬

ردّ‭ ‬علي‭ ‬الشرطي‭:‬

‭-  ‬لا‭ ‬تجادل‭ ‬هل‭ ‬تسكن‭ ‬هنا؟

‭ ‬شاهدت‭ ‬الشرّ‭ ‬يتطاير‭ ‬من‭ ‬عيون‭ ‬المجموعة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬معه‭ ‬من‭ ‬الشرطة‭ ‬وكانوا‭ ‬أربعة‭  ‬قلت‭: ‬

‭- ‬لا‭, ‬لا‭ ‬أسكن‭ ‬هنا‭ ‬وأنا‭ ‬طالب‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬كركوك‭ ..‬

قالوا‭:‬

‭-  ‬ماذا‭ ‬تفعل‭ ‬هنا؟

‭ ‬قلت‭:‬

‭-  ‬لا‭ ‬شيء‭. ‬

قالوا‭:‬

‭-  ‬تفضل‭ ‬معنا‭. ‬

ووضعوني‭ ‬في‭ ‬السيارة‭ ‬وأخذوني‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬الشرطة‭ ‬وأنزلوني‭ ‬بقلة‭ ‬احترام‭ ‬وقد‭ ‬اقتادوني‭  ‬إلى‭ ‬ضابط‭ ‬برتبة‭ ‬نقيب‭ ‬وبقيت‭ ‬واقفاً‭ ‬وقال‭:‬

‭-  ‬إجلس‭ ‬،‭ ‬منذ‭ ‬يومين‭ ‬وأنت‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحي‭ ‬ماذا‭ ‬تعمل‭ ‬هنا؟‭ ‬

قلت‭: ‬

‭- ‬لا‭ ‬شيء‭. ‬

قال‭: ‬

‭- ‬اعترف‭ ‬أحسن‭ ‬لك‭ ‬فنحن‭ ‬نتابعك‭ ‬واذا‭ ‬تعاونت‭ ‬معنا‭ ‬وقلت‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬معكم‭ ‬سوف‭ ‬نساعدك‭.‬

قلت‭ ‬له‭: ‬

‭- ‬عن‭ ‬أيّ‭ ‬شيء‭ ‬تتحدث؟

‭ .. ‬ردّ‭ ‬علي‭ ‬متهكماً‭:‬

‭-  ‬لا‭((‬تغشم‭)) ‬نفسك‭ ‬صديقك‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬هنا‭ ‬إعترف‭ ‬عليكم‭ ‬وسوف‭ ‬نلقي‭ ‬القبض‭ ‬عليكم‭ ‬واحداً‭ ‬واحداً‭… ‬قلت‭ ‬له‭: ‬

‭- ‬عن‭ ‬ماذا‭ ‬تتحدث؟‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أعلم‭ ‬شيئاً‭ ‬عن‭ ‬الذي‭ ‬تقول؟‭ ‬

قال‭:‬

‭-  ‬سنرى‭ ‬

وإذا‭ ‬بأثنين‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬الشرطة‭ ‬يحضرون‭ ‬شخصاً‭ ‬من‭ ‬السجن‭ ‬وسألوه‭ :‬

‭- ‬هل‭ ‬كان‭ ‬معك‭ ‬هذا‭ ‬؟‭ ‬

نظر‭ ‬وقال‭: ‬

‭- ‬لا‭ ‬أعرفه‭. ‬

وأنا‭ ‬صامت‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬ماذا‭ ‬أقول‭ ‬ويبدو‭ ‬أنّي‭ ‬في‭ ‬ورطة‭ ‬كبيرة‭ .‬

ردّ‭ ‬علي‭ ‬النقيب‭ ‬قائلاً‭:‬

‭-  ‬لن‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬ندعك‭ ‬تذهب‭ ‬سوف‭ ‬نرسل‭ ‬على‭ ‬صاحب‭ ‬الدار‭ ‬يوم‭ ‬غد‭ ‬ونسأله‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬شاهدك‭ ‬أم‭ ‬لا‭.  ‬وأنا‭ ‬اسأل‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يجيبني‭: ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الموضوع؟‭ ‬وبدون‭ ‬سابق‭ ‬إنذار‭ ‬رجع‭ ‬أفراد‭ ‬الشرطة‭ ‬الذين‭ ‬أعادوا‭ ‬الشخص‭ ‬إلى‭ ‬السجن‭ ‬وقال‭ ‬لهم‭:‬

‭-  ‬خذوه‭ ‬حتّى‭ ‬صباح‭ ‬الغد‭ ‬وأرسلوا‭ ‬إلى‭ ‬صاحب‭ ‬الدار‭ ‬صباحاً‭ ‬لكي‭ ‬نسأله‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الشخص‭ .‬

‭ ‬اردت‭ ‬الكلام‭ ‬ولم‭ ‬يسمح‭ ‬لي‭ ‬ولم‭ ‬يسمع‭ ‬مني‭ ‬وقد‭ ‬جرني‭ ‬أفراد‭ ‬الشرطة‭ ‬جراً‭ ‬ووضعوني‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬،‭ ‬لم‭ ‬أنم‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬أبداً‭ ‬وكانت‭ ‬شقتي‭ ‬قياساً‭ ‬لهذا‭ ‬المكان‭ ‬جنة‭ ‬،‭ ‬كان‭ ‬أغلب‭ ‬وقتي‭ ‬وقوفاً‭ ‬بسبب‭ ‬زحام‭ ‬السجن‭, ‬ثم‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الثاني‭ ‬وفي‭ ‬الساعة‭ ‬العاشرة‭ ‬صباحاً‭ ‬نادى‭ ‬علي‭ ‬الشرطي‭ :‬

‭- ‬أين‭ ‬سعيد؟‭ ‬

قلت‭: ‬

‭- ‬نعم‭ … ‬

قال‭:‬

‭-  ‬تعال‭, ‬وقد‭ ‬أدخلني‭ ‬إلى‭ ‬النقيب‭ ‬وكان‭ ‬هناك‭ ‬شخص‭ ‬جالس‭, ‬وقور‭ ‬وله‭ ‬لحية‭ ‬خفيفة‭ ‬بيضاء‭ ‬قال‭ ‬له‭: ‬اتعرف‭ ‬هذا‭ ‬؟‭ ‬

قال‭:‬

‭-  ‬لا‭ ..‬

سأله‭ ‬النقيب‭: ‬

‭- ‬هل‭ ‬كان‭ ‬مع‭ ‬العصابة‭ ‬التي‭ ‬سرقت‭ ‬بيتك‭ . ‬حينذاك‭ ‬عرفت‭ ‬أن‭ ‬الموضوع‭ ‬يتعلق‭ ‬بسرقة‭ ‬منزل‭, ‬يا‭ ‬الله‭ ‬ما‭ ‬هذه‭ ‬المصيبة‭, ‬تفحصني‭ ‬الرجل‭ ‬جيداً‭ ‬وقال‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الليل‭ ‬كان‭ ‬يخيم‭ ‬على‭ ‬المكان‭ ‬والكهرباء‭ ‬مقطوعة‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّي‭ ‬أعتقد‭ ‬أنّه‭ ‬ليس‭ ‬معهم‭ ‬فقد‭ ‬كانوا‭ ‬طوال‭ ‬القامة‭ ‬جميعهم‭ ‬وهذا‭ ‬متوسط‭ ‬القامة‭ ‬ليس‭ ‬منهم‭ ‬أبداً‭ . ‬

    ‬التفت‭ ‬إليّ‭  ‬النقيب‭ ‬وقال‭ ‬لي‭:‬

‭-  ‬هل‭ ‬تقول‭ ‬لنا‭ ‬ماهي‭ ‬قصتك‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحي؟‭ ‬وماذا‭ ‬كنت‭ ‬تعمل؟‭ ‬

    ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬خطرت‭ ‬في‭ ‬بالي‭ ‬فكرة‭ ‬ربما‭ ‬هبطت‭ ‬من‭ ‬السماء‭ …. ‬قلت‭ ‬له‭: ‬

‭- ‬والله‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬أنا‭ ‬طالب‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬وعمي‭ ‬أصيب‭ ‬بجلطة‭ ‬دماغية‭ ‬قبل‭ ‬أيّام‭ ‬وقد‭ ‬قرّرت‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬لصديقه‭ ‬المضمّد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬قريتنا‭ ‬أنّه‭ ‬مريض‭ ‬ويريد‭ ‬رؤيتك‭ ‬وكنت‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬منزله‭ ‬هنا‭ , ‬وأنا‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬أين‭ ‬المنزل‭ ‬بالضبط‭ ‬سوى‭ ‬أنّي‭ ‬أعرف‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬الإصلاح‭ ‬الزراعي‭ .. ‬

قال‭: –  ‬حي‭ ‬الإصلاح‭ ‬الزراعي‭ ‬ليس‭ ‬هنا‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬المقابل‭ ‬لهذا‭ ‬الحي‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬هو‭  ‬اسمه‭ ‬؟

‭ ‬قلت‭:  – ‬اسمه‭ ‬ذنون‭ ‬يونس‭ ‬عبدالله‭. ‬

كنت‭ ‬أعرف‭ ‬اسمه‭ ‬جيداً‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬صغري‭ ‬أذهب‭ ‬راكضاً‭ ‬لكي‭ ‬أوصل‭ ‬له‭ ‬الخبز‭ ‬واللبن‭ ‬صباح‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬صديق‭ ‬عمي‭ ‬في‭ ‬قريتنا‭.‬

  ‬اتصل‭ ‬النقيب‭ ‬بمختار‭ ‬الحي‭ ‬وسأله‭:‬

‭ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬شخص‭ ‬عندكم‭ ‬بهذا‭ ‬الأسم؟‭ ‬

أجاب‭: ‬

‭- ‬نعم‭ .. ‬

كنت‭ ‬أسمع‭ ‬صوته‭ ‬عبر‭ ‬سماعة‭ ‬الهاتف‭ ‬وهو‭ ‬يؤكّد‭ ‬له‭ ‬بوجود‭ ‬هكذا‭ ‬شخص‭ ,‬وأنّه‭ ‬يعرفه‭ ‬جيدا‭ ‬وأنّه‭ ‬إنسان‭ ‬محترم‭ ‬

قال‭ ‬له‭:‬

‭-  ‬نريد‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يراجعنا‭ ‬الآن‭ …‬

‭ ‬حضر‭ ‬ذنون‭ ‬مذعوراً‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬الإستدعاء‭ ‬لمركز‭ ‬الشرطة‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مصيبة‭ ‬وقد‭ ‬دخل‭ ‬علينا‭ ‬وقال‭ ‬له‭ ‬النقيب‭: ‬

‭- ‬هل‭ ‬تعرف‭ ‬هذا‭ ‬الشخص؟‭ ‬

التفت‭ ‬إليّ‭ ,  ‬وهو‭ ‬مرعوب‭ ‬وقلت‭ ‬له‭:‬

‭-  ‬يا‭ ‬عمي‭ ‬أنا‭ ‬سعيد‭ ‬ابن‭ ‬أخ‭ ‬ابو‭ ‬حارث‭ ‬من‭ ‬كركوك‭ ‬أنا‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬أجلب‭ ‬لك‭ ‬الخبز‭ ‬واللبن‭ ‬صباح‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ….. ‬قال‭:‬

‭-  ‬اهلاً‭ ‬يا‭ ‬بني‭ ‬كيف‭ ‬حالك‭ ‬وكيف‭ ‬حال‭ ‬عمك‭ ‬ماذا‭ ‬أتى‭ ‬بك‭ ‬إلى‭ ‬هنا‭ ‬؟‭ ‬

‭ ‬قلت‭ ‬له‭ : ‬عمي‭ ‬مريض‭ ‬جداً‭ ‬وقد‭ ‬تركته‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬ووضعه‭ ‬صعب‭ ‬وقد‭ ‬طلب‭ ‬مني‭ ‬أن‭ ‬أصل‭ ‬إليك‭ ‬فهو‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يراك‭ ‬وجئت‭ ‬أبحث‭ ‬عنك‭ ‬وقد‭ ‬أخذتني‭ ‬الشرطة‭ ‬من‭ ‬الشارع‭ ‬ولا‭ ‬أعلم‭ ‬لماذا‭.‬

  ‬قال‭: –  ‬حسناً‭ ‬والتفت‭ ‬إلى‭ ‬النقيب‭ ‬وقال‭ ‬له‭:‬

‭-  ‬هذا‭ ‬من‭ ‬عائلة‭ ‬محترمة‭ ‬وطيبة‭ …‬ما‭ ‬هو‭ ‬الموضوع؟‭ . ‬

رد‭ ‬عليه‭ ‬النقيب‭: ‬

‭- ‬لا‭, ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬إنّه‭ ‬مجرد‭ ‬اشتباه‭ ‬حصلت‭ ‬سرقة‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬البيوت‭ ‬وكنّا‭ ‬نقوم‭ ‬بالتحقيق‭ ,‬وقد‭ ‬أخبرنا‭ ‬الأهالي‭ ‬أن‭ ‬شخصاً‭ ‬غريباً‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬الحي‭ ‬منذ‭ ‬يومين‭ ‬واتينا‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬هنا‭ ‬للتحقيق،‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬دمت‭ ‬تعرفه‭ ‬وصاحب‭ ‬الدار‭ ‬قال‭ ‬أنّه‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬خذه‭ ‬معك‭ . ‬

  ‬خرجت‭ ‬مع‭ ‬العم‭ ‬ذنون‭ ‬إلى‭ ‬بيته‭ ‬وقدم‭ ‬لي‭ ‬الغداء‭ ‬وسألني‭ ‬عن‭ ‬أحوال‭ ‬القرية‭ ‬وعوائلها‭ ‬وقال‭ ‬سوف‭ ‬أذهب‭ ‬معك‭ ‬إلى‭ ‬كركوك‭ ‬وأرى‭ ‬عمك‭ ‬مادام‭ ‬مريضاً‭ ‬وقال‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تنام‭ ‬عندي‭ ‬اليوم‭ ‬واعتذرت‭ ‬وقلت‭ ‬له‭ ‬نلتقي‭ ‬صباحاً‭ ‬ونذهب‭.‬

  ‬عدت‭ ‬إلى‭ ‬الشقة‭ ‬مهموماً‭ ‬وتملكتني‭ ‬نوبة‭ ‬بكاء‭ ‬حادة‭ ‬فقد‭ ‬نمت‭ ‬يوماً‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ذنب،‭ ‬ذنبي‭ ‬أنّي‭ ‬كنت‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬حبي‭ .‬في‭ ‬الصباح‭ ‬غادرنا‭ ‬أنا‭ ‬والعم‭ ‬ذنون‭ ‬متوجهين‭ ‬إلى‭ ‬مدينتي‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬أنتقلنا‭ ‬إلى‭ ‬القرية‭ ‬وكان‭ ‬يحدثني‭ ‬عندما‭ ‬بدأنا‭ ‬ندخل‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭ ‬ونمر‭ ‬بالقرى‭ ‬وقال‭ ‬لي‭:‬

‭-  ‬كم‭ ‬تغيرت‭ ‬الآن‭ ‬وأصبحت‭ ‬البيوت‭ ‬مختلفة‭ ‬أتمنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬التغيّر‭ ‬في‭ ‬البنيان‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬النفوس‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬أهل‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬اطيب‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬عاشرتهم‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ . ‬

    ‬وصلنا‭ ‬وتوجه‭ ‬معي‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭ ‬وسلم‭ ‬على‭ ‬عمي‭ ‬وفرح‭ ‬به‭ ‬كثيراً‭… ‬وأبلغنا‭ ‬الطبيب‭ ‬أنّ‭ ‬بإمكاننا‭ ‬مغادرة‭ ‬المستشفى‭ , ‬غادرنا‭ ‬ووصلنا‭ ‬البيت‭ ‬عصر‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ , ‬وقد‭ ‬تجمع‭ ‬الأهالي‭ ‬والجيران‭ ‬للسلام‭ ‬على‭ ‬عمي‭ ‬وكانت‭ ‬مناسبة‭ ‬أن‭ ‬العمّ‭ ‬ذنون‭ ‬التقى‭ ‬بأغلب‭ ‬من‭ ‬تركهم‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬وبدأ‭ ‬يسأل‭ ‬الجميع‭ ‬عن‭ ‬أحوال‭ ‬عوائلهم‭ ‬فهو‭ ‬يعرفهم‭ ‬عائلة‭ ‬عائلة‭ ‬وفرداً‭ ‬فرداً‭ .. ‬كيف‭ ‬لا‭ ‬وهو‭ ‬المضمد‭ ‬الصحي‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬الصحي‭ ‬وكان‭ ‬يقوم‭ ‬بكلّ‭ ‬شيء‭ , ‬التداوي‭ ‬والتشخيص‭ ‬والعلاج‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬له‭ ‬دوام‭ ‬محدّد‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬الصحّي‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬بيت‭ ‬من‭ ‬الطين‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬غرف‭ ‬واحدة‭ ‬له‭ ‬يسكن‭ ‬فيها‭ ‬وواحدة‭ ‬صيدلية‭ ‬والثالثة‭ ‬للفحص‭ , ‬وكان‭ ‬في‭ ‬خارج‭ ‬المنزل‭  ‬حمام‭ ‬ومطبخ‭ ‬أيضاً‭ , ‬حاله‭ ‬حال‭ ‬جميع‭ ‬بيوت‭ ‬القرى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن‭ .. ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يكل‭ ‬ولا‭ ‬يمل‭ , ‬يراجعه‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬وقت‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭ ‬لمراجعة‭ ‬طبيب‭, ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬والمساء‭ ‬والفجر‭ ‬وفي‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬حتّى‭ ‬أصبح‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬القرية‭ ‬في‭ ‬حينها‭ .‬

  ‬أنتهت‭ ‬أشهر‭ ‬الصيف‭ ‬وأنا‭ ‬أحسب‭ ‬الأيّام‭ ‬يوماً‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬وأريد‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تنقضي‭ ‬لأعلم‭ ‬ماحل‭ ‬بحبي‭. ‬

غادرت‭ ‬قريتي‭ ‬متوجهاً‭ ‬إلى‭ ‬الموصل‭ ‬لكي‭ ‬أرتب‭ ‬أمور‭ ‬سكني‭ ‬وبعض‭ ‬المستلزمات‭ ‬الأخرى‭. ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬الشقة‭ ‬وكانت‭ ‬مدة‭ ‬عقد‭ ‬الإيجار‭ ‬لم‭ ‬تنته‭ ‬بعد‭, ‬دخلت‭ ‬وإذا‭ ‬بي‭ ‬أجد‭ ‬علياً‭  ‬صديقي‭, ‬كان‭ ‬قد‭ ‬سبقني‭ ‬وقلت‭ ‬له‭: ‬

‭- ‬ماذا‭ ‬تعمل‭ ‬هنا‭ ‬وماذا‭ ‬أتى‭ ‬بك؟‭ ‬

‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬ضاحكاً‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أخذني‭ ‬بالأحضان‭:‬

‭-  ‬لن‭ ‬اغادر‭ ‬وسوف‭ ‬اقعد‭ ‬هنا‭ ‬على‭ ‬قلبك‭ … ‬

قلت‭: ‬

‭- ‬لماذا‭ ‬؟

‭ ‬قال‭:  – ‬قرّرت‭ ‬أن‭ ‬أعيد‭ ‬السنة‭ ‬ولن‭ ‬اتخرج‭ ‬لأنّي‭ ‬إذا‭ ‬تخرجت‭ ‬سوف‭ ‬أذهب‭ ‬لتأدية‭ ‬الخدمة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الظرف‭ ‬الصعب‭ ‬وأنا‭ ‬يا‭ ‬صديقي‭ ‬مو‭ ‬مال‭ ‬عسكرية‭ ‬الآن‭ ‬خاصّة‭ ‬وأن‭ ‬جيل‭ ‬الفتيات‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬كل‭ ‬سنة‭ ‬يأتي‭ ‬أحلى‭ ‬من‭ ‬الذي‭ ‬سبقه‭ ‬وكما‭ ‬تعلم‭ ‬أنا‭ ‬اختصاصي‭ ‬فتيات‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬وقد‭ ‬قلت‭ ‬في‭ ‬قرارة‭ ‬نفسي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أدعهن‭ ‬يذهبن‭ ‬مني‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ … ‬

    ‬كان‭ ‬ضاحكاً‭ ‬مبتسماً‭ ‬يملأ‭ ‬الجو‭ ‬ضحكاً‭ ‬ثم‭ ‬التفت‭ ‬إليّ‭ ‬وقال‭: ‬

  – ‬دقيقة‭ ‬دقيقة‭ ‬لا‭ ‬تأخذني‭ ‬بالأسئلة‭ … ‬أنت‭ ‬كيف‭ ‬هي‭ ‬أخبارك‭ ‬وأخبار‭ ‬سموحتك؟‭ ‬سكتُ‭ ‬للحظات‭. ‬أكمل‭  ‬علي‭ ‬قائلاً‭: ‬

‭- ‬يا‭ ‬ساتر‭ ‬ماذا‭ ‬حصل؟‭ ‬

شرحت‭ ‬له‭ ‬القصة‭ ..‬فقال‭:‬

‭-  ‬لا‭ ‬تقلق‭ ‬القضية‭ ‬وما‭ ‬فيها‭ ‬دلع‭ ‬بنات‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬زعلانة‭ ‬أقسم‭ ‬لك‭ ‬أنّها‭ ‬سوف‭ ‬ترضى‭ ‬بأول‭ ‬لقاء‭  ‬وأنا‭ ‬كفيل‭ ‬بأن‭ ‬أعطيك‭ ‬الوصفة‭ ‬لذلك‭ , ‬أسمعها‭ ‬كلاماً‭ ‬طيباً‭ ‬وغزلاً‭ ‬وحباً‭ ‬وقل‭ ‬لها‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬تصيرين‭ ‬أجمل‭ ‬حتّى‭ ‬وان‭ ‬كانت‭ ‬تعاتب‭ ‬وهي‭ ‬زعلانة‭ ‬بادرها‭ ‬بالقول‭:‬

‭-  ‬يا‭ ‬الله‭ ‬ما‭ ‬أجملك‭ ‬حتّى‭ ‬وأنت‭ ‬زعلانة‭ , ‬وأضف‭  ‬للكلام‭ … ‬بالمناسبة‭ ‬صايرة‭ ‬رشيقة‭ ‬حتّى‭ ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬تكذب‭ ‬فهذا‭ ‬أحد‭ ‬مزاغل‭ ‬الهروب‭ ‬وأشهرها‭ .‬

‭ ‬قلت‭:  – ‬دعنا‭ ‬نكمل‭ ‬إجراءات‭ ‬إيجار‭ ‬مسكن‭ ‬لنا‭ ‬ونكمل‭ ‬تجهيزاتنا‭ ‬وأمورنا‭ .‬

قال‭ ‬لي‭: ‬

‭- ‬وهو‭ ‬كذلك‭ .‬

7

عدنا‭ ‬بعد‭ ‬عشرة‭ ‬أيّام‭ ‬لاستئناف‭ ‬الدراسة‭ ‬وكلّي‭ ‬شوق‭ ‬للقياها‭ ‬وكان‭ ‬علي‭ ‬يدربني‭ ‬قبل‭ ‬يوم‭ ‬ماذا‭ ‬أقول‭ ‬لها‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬زعلانة‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬التهكم‭ ‬وإشاعة‭ ‬الفوضى‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬عادته‭ .. ‬

غادرت‭ ‬صباح‭ ‬اليوم‭ ‬المحدّد‭ ‬للدوام‭ ‬مستعجلاً‭ ‬ولبست‭ ‬ملابسي‭ ‬الجديدة‭ ‬ووضعت‭ ‬أطيب‭ ‬عطر‭ ‬عندي‭ ‬وهو‭ ‬العطر‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تحبه‭ ‬كثيراً‭ ‬وأخذت‭ ‬لها‭ ‬هدية‭ ‬قبل‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬شارع‭ ‬نينوى‭ ‬في‭ (‬السرجخانة‭ ) ‬وكنت‭ ‬اتحرق‭ ‬للقاء‭ . ‬وصلت‭ ‬الكلية‭ ‬ولم‭ ‬أجدها‭ ‬قلت‭: ‬

‭- ‬ربما‭ ‬أتيت‭ ‬باكراً‭ ‬وسوف‭ ‬تأتي‭ ‬بعد‭ ‬ساعة‭ ‬أو‭ ‬أقل‭, ‬مرت‭ ‬الساعة‭ ‬ولم‭ ‬تأت‭ ‬وكان‭ ‬الوقت‭ ‬يذوب‭ ‬أمامي‭ ‬وتقاسيم‭ ‬وجهي‭ ‬تكفهر‭ ‬سأماً‭ ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬وعدت‭ ‬خائباً‭ ‬مهموماً‭ ‬التقيت‭ ‬علي‭ ‬وسألني‭: ‬

‭- ‬ماذا‭ ‬حصل؟‭ ‬

قلت‭ : ‬

‭- ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬

قال‭:‬

‭-  ‬مو‭ ‬مشكلة‭ ‬تأتي‭ ‬غداً‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬سوف‭ ‬تأتي‭ ‬بعد‭ ‬غد‭ ‬لا‭ ‬تهتم‭ ‬انظر‭ ‬للدنيا‭ ‬من‭ ‬الأعلى‭ ‬لا‭ ‬تبقَ‭ ‬تتعامل‭ ‬بشكل‭ ‬جدي‭ ‬هكذا‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬موقف‭ .‬

كأنّي‭ ‬لم‭ ‬أسمع‭ ‬ما‭ ‬قال‭ ‬كان‭ ‬بالي‭ ‬سارحاً‭ ‬فيها‭ ‬أتساءل‭ ‬بقلق‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬جعلها‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬؟

أشرقت‭ ‬الشمس‭ ‬وانبثق‭ ‬صباح‭ ‬جديد‭ ‬وكانت‭ ‬أجواء‭ ‬النهار‭ ‬أهدأ‭ ‬إلى‭ ‬نفسي‭ ‬من‭ ‬أجواء‭ ‬الليل‭ ‬فغالباً‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬الليل‭ ‬ضيفاً‭ ‬ثقيلاً‭ ‬في‭ ‬ظرف‭ ‬مثل‭ ‬ظرفي‭, ‬بدأ‭ ‬الليل‭ ‬يؤرقني‭ ‬يا‭ ‬إلهي‭ ‬كم‭ ‬هو‭ ‬مزعج‭ ‬فقرار‭ ‬الحرب‭ ‬يتخذ‭ ‬في‭ ‬الليل‭ ‬وقرار‭ ‬الحب‭ ‬في‭ ‬الليل‭ ‬والسلم‭ ‬في‭ ‬الليل‭ ‬والزواج‭ ‬في‭ ‬الليل‭ ‬والطلاق‭ ‬في‭ ‬الليل‭ ‬أمّا‭ ‬النهار‭ ‬فهو‭ ‬زمان‭ ‬التنفيذ‭ ..‬

    ‬ذهبت‭ ‬ماشياً‭ ‬إلى‭ ‬القسم‭, ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬الباب‭ ‬وأنتظرت‭ ‬وبقيت‭ ‬لساعات‭ ‬حتّى‭ ‬أنّي‭ ‬لم‭ ‬أحضر‭ ‬أيّاً‭ ‬من‭ ‬المحاضرات،‭ ‬التف‭ ‬حولي‭ ‬زملائي‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬وطلبوا‭ ‬مني‭ ‬الدخول‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭…‬

‭ ‬أجبت‭:  – ‬لا‭ …‬لازلنا‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الدوام‭ ‬نحتاج‭ ‬وقتاً‭ ‬لكي‭ ‬ينتظم‭ ‬الدوام‭ .‬

‭ ‬وردوا‭ ‬عليٍّ‭:‬

‭ ‬ولكن‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الأخيرة‭ ‬وهي‭ ‬مهمة‭ ‬وعلاماتها‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تحدّد‭ ‬الأوائل‭ ‬على‭ ‬القسم‭ ‬والكلية‭. ‬

  ‬لم‭ ‬أعر‭ ‬لكلامهم‭ ‬أهمية‭ . ‬تركتهم‭ ‬وانطلقت‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬تغريد‭ ‬لأطمئن‭, ‬كان‭ ‬قلبي‭ ‬يخفق‭ ‬غير‭ ‬مطمئن‭ ‬بحثت‭ ‬عنها‭ ‬ولم‭ ‬أجدها‭ ‬،‭ ‬وعدت‭ ‬إلى‭ ‬بشار‭ ‬زميلها‭ ‬وسألته‭:‬

‭-  ‬أين‭ ‬تغريد؟‭ ‬

‭ ‬قال‭:‬

‭-  ‬ماذا‭ ‬تريد؟‭ ‬

قلت‭ ‬له‭:‬

‭-  ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬اسأل‭ ‬عن‭ ‬سماح‭ .‬

‭ ‬ففي‭ ‬المرحلة‭ ‬الرابعة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬محرج‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬شيء‭ ‬لم‭ ‬ينكشف‭ ‬فالكل‭ ‬يعرف‭ ‬منَ‭ ‬يصاحب‭ ‬منَ‭ , ‬

قال‭ : ‬

‭-  ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬اليوم‭ ‬وأمس‭ ‬لكن‭ ‬اعتقد‭ ‬أنّها‭ ‬سوف‭ ‬تأتي‭ ‬يوم‭ ‬غد‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬أخبرتني‭ .‬

رجعت‭ ‬خائباً‭ ‬لليوم‭ ‬الثاني‭ ‬وأنا‭ ‬أحمل‭ ‬الهدية‭ ‬بيدي،‭ ‬كنت‭ ‬متعباً‭ ‬بسبب‭ ‬انتظاري‭ ‬على‭ ‬الباب‭ ‬مثل‭ ‬تمثال‭ ‬وضع‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬مزعج‭ ‬لا‭ ‬يليق‭ ‬به‭ ‬ولا‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬مكانته‭ ‬واحترامه‭ ‬بين‭ ‬زملائه‭ . ‬وكأن‭ ‬الزمن‭ ‬أمامي‭ ‬يمرّ‭ ‬متثاقلاً‭ ‬وتقاسيم‭ ‬وجهي‭ ‬تكفهر‭ ‬سأماً‭ ‬فقد‭ ‬أذابني‭ ‬الانتظار‭ ‬المر‭ ‬واللا‭ ‬مجدي

  ‬فكرت‭: ‬

‭- ‬ماذا‭ ‬فعلت‭ ‬بي‭ ‬سماح‭ ‬لماذا‭ ‬تتركني‭ ‬هكذا؟‭ ‬

رجعت‭ ‬أقول‭ ‬لنفسي‭:‬

‭-  ‬لننتظر‭.‬

عدت‭ ‬إلى‭ ‬مسكني‭ ‬وأنا‭ ‬أنتظر‭ ‬أن‭ ‬يحين‭ ‬الغد‭ ‬عسى‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬ويأتي‭ ‬النهار‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬جديد‭,  ‬الليل‭ ‬يرهقني‭, ‬يزعجني‭, ‬أشعر‭ ‬فيه‭ ‬بضيق‭ ‬شديد‭ ‬،‭ ‬أشرقت‭ ‬الشمس‭ ‬وبدأ‭ ‬الإحباط‭ ‬يأخذ‭ ‬مني‭ ‬مأخذاً‭ ‬أكبر‭ ‬فلم‭ ‬أعد‭ ‬أضع‭ ‬العطر‭ ‬الذي‭ ‬تحبه‭ ‬ولم‭ ‬أرتد‭ ‬ملابسي‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تمنيت‭ ‬أن‭ ‬تراني‭ ‬فيها‭ ‬قبل‭ ‬أيّ‭ ‬شخص،‭ ‬كنت‭ ‬ألبس‭ ‬لها‭ ‬واتعطر‭ ‬لها‭ ‬واشتاق‭ ‬لها‭ ‬أيضاً‭ .. ‬وصلت‭ ‬القسم‭ ‬انتظرت‭ ‬ولم‭ ‬تأت‭ ‬انطلقت‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬تغريد‭ ‬وبعد‭ ‬حوالي‭ ‬ساعتين‭ ‬وجدتها‭ ‬لأنّها‭ ‬كانت‭ ‬منشغلة‭ ‬في‭ ‬الساعة‭ ‬الأولى‭ ‬مع‭ ‬بشار‭ , ‬والساعة‭ ‬الثانية‭ ‬لم‭ ‬أستطع‭ ‬أن‭ ‬التقي‭ ‬بها‭ ‬كونها‭ ‬دخلت‭ ‬المحاضرة‭ ‬وبقيت‭ ‬انتظر‭ ‬مقابل‭ ‬قاعتها‭ ‬الدراسية‭ .. ‬أنتهت‭ ‬المحاضرة‭ ‬وخرج‭ ‬الطلاب‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬إلاّ‭ ‬لحظات‭ ‬وخرجت‭ ‬تغريد‭, ‬القت‭ ‬علي‭ ‬التحية‭ ‬ثم‭ ‬قالت‭:‬

‭-  ‬ها‭ ‬ماذا‭ ‬تنتظر‭ ‬هنا؟‭  ..‬

قلت‭ : ‬

‭-  ‬انتظرك‭ ‬لكي‭ ‬أسأل‭ ‬عن‭ ‬سماح

قالت‭ ‬مستنكرة‭ :‬

‭-   ‬يا‭ ‬أخي‭  ‬ماذا‭ ‬تريد‭ ‬من‭ ‬سماح‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬الذي‭ ‬قمت‭ ‬به‭ ‬؟‭ ‬

تحدثت‭ ‬معي‭ ‬بطريقة‭ ‬جافة‭ ‬لم‭ ‬أعهدها‭ ‬فيها،‭ ‬

سألت‭ :‬

‭-  ‬وماذا‭ ‬قمت‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬حصل؟‭ ‬

علقت‭ : 

‭- ‬يعني‭ ‬ما‭ ‬تعرف‭ ‬أليس‭ ‬كذلك‭ ‬؟‭ . ‬كانت‭ ‬متهكمة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬هي‭ ‬تستفهم‭  ..‬

قلت‭ : 

‭- ‬أقسم‭ ‬بالله‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬

‭ ‬قالت‭ : ‬

‭-  ‬التقيت‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العطلة‭ ‬مرتين‭ ‬وكنت‭ ‬أنت‭ ‬محور‭ ‬الحديث‭, ‬لقد‭ ‬أتت‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬المحدّد‭ ‬الذي‭ ‬اتفقتم‭ ‬عليه‭ ‬يوم‭ ‬استلام‭ ‬النتائج‭ ‬وكنتم‭ ‬قد‭ ‬اتفقتم‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬تحددوا‭ ‬موعداً‭ ‬للخطوبة‭ ‬وأموراً‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬أعرفها‭ ‬وأنت‭ ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬ولم‭ ‬ترسل‭ ‬لها‭ ‬خبراً‭ ‬أبداً‭ ‬وقد‭ ‬جاءت‭ ‬وأخذت‭ ‬نتيجتها‭ ‬وكانت‭ ‬قد‭ ‬أكملت‭ ‬بثلاثة‭ ‬دروس‭ ‬مما‭ ‬زاد‭ ‬إحباطها‭ ‬وانفعالها‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭, ‬عادت‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬مكسورة‭ ‬تشعر‭ ‬بأنك‭ ‬تخليت‭ ‬عنها‭ ‬وتركتها‭ ‬وأنك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬صادقاً‭ ‬معها‭,  ‬وبصراحة‭ ‬أنا‭ ‬اتفق‭ ‬معها‭ ‬أغلبكم‭ ‬غير‭ ‬صادقين‭ ‬في‭ ‬مشاعركم‭ ‬خاصّة‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الجامعة‭ . ‬

  ‬بدأت‭ ‬تهاجمني‭ ‬هجوماً‭ ‬عنيفاً‭ ‬قاطعتها‭ ‬قائلاً‭:‬

‭-  ‬لم‭ ‬أكذب‭ ‬طوال‭ ‬معرفتي‭ ‬بها‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬لي‭ ‬عذراً‭ ‬؟‭ ‬تأخرت‭ ‬عن‭ ‬موعد‭ ‬واحد‭ ‬لسبب‭ ‬قاهر‭ ‬منعني‭ ‬من‭ ‬الحضور‭ ‬وأتيت‭ ‬أبحث‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬جدوى‭, ‬على‭ ‬أيّة‭ ‬حال‭ ‬سوف‭ ‬أشرح‭ ‬لها‭ ‬الموضوع‭ ‬وتتفهم،‭…. ‬أين‭ ‬هي‭ ‬الان؟

‭ ‬ردّت‭ ‬بنفس‭ ‬لهجة‭ ‬الغضب‭: ‬

‭- ‬هذا‭ ‬إذا‭ ‬رأيتها‭ ‬مرّة‭ ‬ثانية‭.. ‬

سألتها‭: ‬ماذا‭ ‬؟

‭ ‬قالت‭: –  ‬نعم‭ ‬لن‭ ‬تراها‭ ‬فقد‭ ‬تركت‭ ‬الكلية‭ ‬في‭ ‬الصيف‭ ‬بتأثير‭ ‬من‭ ‬والدها‭ ‬وقال‭ ‬لها‭: ‬لماذا‭ ‬تنتظرين‭ ‬سنتين‭ ‬وكانت‭ ‬نتيجتك‭ ‬مكملة‭ ‬سوف‭ ‬استخدم‭ ‬علاقاتي‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬لتدخلي‭ ‬دورة‭ ‬سريعة‭ ‬لمدة‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬وتصبحين‭ ‬معلمة‭ ‬مدرسة‭ ‬ابتدائية‭ . ‬سماح‭ ‬انخرطت‭ ‬الصيف‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬إعداد‭ ‬المعلمات‭ ‬وتخرجت‭, ‬وهي‭ ‬الآن‭ ‬معلمة‭ , ‬ولن‭ ‬تأتي‭ ‬إلى‭ ‬هنا‭ ‬وقد‭ ‬قالت‭ ‬لي‭ ‬ذلك‭ ‬يوم‭ ‬أمس‭ ‬مساءً‭ ‬أنّها‭ ‬استلمت‭ ‬أمر‭ ‬الوظيفة‭ ‬وسوف‭ ‬تلتحق‭ ‬بمدرسة‭ ‬ابتدائية‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬قرى‭ ‬نينوى‭ ‬البعيدة‭ .‬

‭ ‬كانت‭ ‬تغريد‭ ‬تسترسل‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬وأنا‭ ‬مصدوم‭ ‬غير‭ ‬مصدق‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬وأشعر‭ ‬أن‭ ‬الأمل‭ ‬يضيع‭ ‬وأنّي‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬بائسة‭ ‬لإمساك‭ ‬الماء‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬غيره‭. ‬أهكذا‭ ‬تحسم‭ ‬النهايات؟‭ ‬أم‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬يحسمها‭ ‬عنا؟‭  ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬وتقابلني‭ ‬وتسمع‭ ‬مني‭ ‬؟‭ ‬

قاطعت‭ ‬تغريد‭ ‬قائلاً‭: ‬

‭- ‬على‭ ‬مهلك‭ ‬لماذا‭ ‬تخاطبيني‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة؟‭ ‬أريد‭ ‬مساعدتك‭ ‬بإيصال‭ ‬رسالة‭ ‬لها‭ .‬

قالت‭: ‬

‭- ‬لا‭ ‬أوصل‭ ‬رسالة‭ ‬ولن‭ ‬التقي‭ ‬بها‭ ‬فقد‭ ‬غادرت‭ ‬صباح‭ ‬اليوم‭ ‬متوجهة‭ ‬إلى‭ ‬مدرسة‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬سوريا‭ ‬مع‭ ‬العراق‭ ‬وعلى‭ ‬الأرجح‭ ‬لن‭ ‬تعود‭ ‬قبل‭ ‬شهر‭ ‬ودعني‭ ‬أزيدك‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬بيتاً‭ ‬حتّى‭ ‬لا‭ ‬تراجعني‭ ‬وتطلب‭ ‬مني‭ ‬أشياء‭ ‬أخرى‭, ‬سماح‭ ‬خطبها‭ ‬شخص‭ ‬ووافقت‭ ‬وهي‭ ‬الآن‭ ‬مخطوبة‭ ‬فأنصحك‭ ‬أن‭ ‬تترك‭ ‬الموضوع‭ ‬ولا‭ ‬تلح‭ ‬بالأمر‭ ..‬

    ‬شعرت‭ ‬بدوار‭, ‬اضطررت‭ ‬بسببه‭ ‬إلى‭ ‬الجلوس‭ ‬على‭ ‬أحدى‭ ‬درجات‭ ‬السلالم‭ ‬قرب‭ ‬القاعة‭, ‬شعرت‭ ‬أنّي‭ ‬بائس‭ ‬صريع‭ ‬لا‭ ‬أفهم‭ ‬ماذا‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬المجنون‭ ‬الذي‭ ‬تتحكم‭ ‬به‭ ‬أقدار‭ ‬لا‭ ‬تبصر‭, ‬وبات‭ ‬صعباً‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أصدق‭ ‬أن‭ ‬العاشقين‭ ‬لهم‭ ‬رأي‭ ‬في‭ ‬قرار‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ .‬

‭ ‬غادرت‭ ‬تغريد‭ ‬ببرود‭ ‬قاتل‭ ‬وشعرت‭ ‬أنّها‭ ‬فرحة‭. ..‬سحبت‭ ‬نفسي‭ ‬مستنداً‭ ‬على‭ ‬سياج‭ ‬السلالم‭ ‬وقد‭ ‬قابلت‭ ‬بشاراً‭ ‬في‭ ‬الطابق‭ ‬الأرضي‭ ‬وقال‭ ‬لي‭:‬

‭-  ‬ماذا‭ ‬بك؟‭ ‬

قلت‭: ‬

‭- ‬لا‭ ‬شيء

‭ ‬قال‭: ‬

‭- ‬هل‭ ‬قابلت‭ ‬تغريد‭ ‬؟‭ ‬

قلت‭: ‬

‭- ‬نعم‭ . ‬

قال‭:‬

‭-  ‬وكيف‭ ‬وجدتها‭ ‬؟

‭ ‬قلت‭ :‬

‭- ‬كعادتها‭ ‬واليوم‭ ‬تتكلم‭ ‬بطريقة‭ ‬عدوانية‭ ‬متشفية‭ … ‬

بادرني‭ ‬بضحكة‭ ‬قال‭: ‬

‭- ‬نعم‭ ‬من‭ ‬حقها‭ ‬كما‭ ‬تعلم‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الرابعة‭ ‬واليوم‭ ‬صباحاً‭ ‬أنهيت‭ ‬علاقتي‭ ‬بها‭ ‬وتحررت‭ ‬منها‭ ‬ومن‭ ‬ثرثرتها‭. ‬

عندها‭ ‬فهمت‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬سلوكها‭ ‬اليوم‭ ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬مقتنعاً‭ ‬به‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬عرفتها‭ ‬أول‭ ‬مرّة‭  .‬

عدت‭ ‬محبطاً‭, ‬لم‭ ‬أذق‭ ‬الطعام‭ ‬طوال‭ ‬اليوم‭, ‬أجرّ‭ ‬خيبتي‭ ‬خلفي‭ ‬وتكاد‭ ‬رجلاي‭ ‬تخطان‭ ‬الأرض‭ ‬كلما‭ ‬مشيت‭ ‬كنت‭ ‬لا‭ ‬أقوى‭ ‬حتّى‭ ‬على‭ ‬المشي‭ ‬ودخلت‭ ‬إلى‭ ‬الشقة‭ ‬وأنسل‭ ‬جسدي‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬الفراش‭ ‬وشعرت‭ ‬بالحمى‭ ‬وأن‭ ‬جسمي‭ ‬بدأ‭ ‬يبرد‭ ‬وأحسست‭ ‬كأنّي‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬اتقيأ‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬معدتي‭ ‬فارغة‭ .. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬علي‭ ‬قد‭ ‬حضر‭.. ‬بعد‭ ‬لحظات‭ ‬عصيبة‭ ‬كنت‭ ‬أمر‭ ‬بها‭ ‬جال‭ ‬في‭ ‬خاطري‭ ‬بأن‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬تختفي‭ ‬الأشياء‭ ‬وتتبخر‭ ‬أو‭ ‬تتسامى‭ ‬ويسحق‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬رحى‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬لن‭ ‬يبقي‭ ‬شيئاً‭, ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬تموت‭ ‬جذوة‭ ‬الشهوات‭ ‬ولا‭ ‬يبقى‭ ‬من‭ ‬قهقهات‭ ‬الضحك‭ ‬إلاّ‭ ‬الصدى‭ ‬الصامت‭ ‬البعيد‭ ‬كأنه‭ ‬غواش‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬سوى‭ ‬المجهول‭ . ‬يذهب‭ ‬الجميع‭ ‬كأن‭ ‬شيئاً‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أو‭ ‬كأنهم‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬موجودين‭ ‬أصلاً‭ ,‬كأن‭ ‬تلك‭ ‬المشاعر‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬حقيقة‭ ‬ولم‭ ‬تحتمل‭ ‬إصرار‭ ‬الكذب‭ ‬على‭ ‬إزاحتها‭ ‬كل‭ ‬المواثيق‭ ‬بالمقاومة‭ ‬وكلام‭ (‬لن‭ ‬أتخلى‭ ‬عنك‭ ) ‬ترك‭ ‬طعماً‭ ‬مراً‭ ‬في‭ ‬الفم‭ . ‬

في‭ ‬نهايات‭ ‬المدى‭ ‬كان‭ ‬صوت‭ ‬الصدى‭ ‬عالياً‭ ‬مدوياً‭, ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬المجهول‭ ‬في‭ ‬وديان‭ ‬الزمن‭ ‬المتعرجة‭ ‬لتردد‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يدوم‭ ‬هنا‭. ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬هنا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المحطات‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬علينا‭  ‬أو‭ ‬أنّ‭ ‬كل‭ ‬من‭  ‬أنتمى‭ ‬إلينا‭ ‬سيذهب‭ ‬مثل‭ ‬ربيع‭ ‬الزهور‭ ‬يختفي‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬صيحة‭ ‬قوية‭ ‬من‭ ‬شمس‭ ‬أيار‭,  ‬سيأتي‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭  ‬نغادر‭ ‬فيه‭ ‬ذكريات‭ ‬الألم‭ ‬هذه‭ ‬ويتغيّر‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يبقى‭ ‬على‭ ‬حاله‭ ‬إلاّ‭ ‬الشروق‭ ‬والغروب‭ ‬وعندما‭ ‬تتغيّر‭ ‬محدّدات‭ ‬الزمان‭ ‬هذه‭ ,‬عندها‭ ‬نكون‭ ‬قد‭ ‬هوينا‭ ‬في‭ ‬العدم‭ .‬

  ‬عاد‭ ‬علي‭ ‬ووجدني‭ ‬في‭ ‬الفراش‭ ‬وبدأ‭ ‬يمازحني،‭ ‬ولما‭ ‬لم‭ ‬أتفاعل‭ ‬معه‭ ‬غير‭ ‬طريقته‭ ‬وبدأ‭ ‬يواسيني‭ ‬ويصبرني‭ ‬ويقول‭:‬

‭- ‬لا‭ ‬تهتم‭ ‬سنجد‭ ‬حلاً‭ ‬مؤكداً‭ ‬أرجوك‭ ‬انهض‭ ‬دعنا‭ ‬نذهب‭ ‬في‭ ‬جولة‭ ‬للمشي‭.‬

‭ ‬فرفضت‭ … ‬ثم‭ ‬قال‭:  – ‬قبل‭ ‬قليل‭ ‬وأنا‭ ‬قرب‭ ‬محل‭ ‬الخضار‭ ‬مررت‭ ‬من‭ ‬أمام‭ ‬مطعمك‭ ‬المفضل‭ ‬كانت‭ ‬رائحة‭ ‬الأكل‭ ‬تخطف‭ ‬الأنفس‭ ‬دعنا‭ ‬نذهب‭ ‬لنأكل‭ ‬فأنا‭ ‬ادعوك‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬الغداء‭ …  ‬فقلت‭ ‬له‭: –  ‬إذهب‭ ‬أنت‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭. ‬

فشلت‭ ‬كل‭ ‬محاولاته‭ ‬معي‭ ‬في‭ ‬إخراجي‭ ‬من‭ ‬الفراش‭ ‬وقبلها‭ ‬في‭ ‬إخراجي‭ ‬من‭ ‬العزلة‭ ‬النفسية‭ ‬وكأنّي‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬قطرة‭ ‬ندى‭ ‬ترفض‭ ‬أن‭ ‬تتفتت‭ ‬إذ‭ ‬ضربت‭ ‬حولي‭ ‬طوقاً‭ ‬عجزت‭ ‬كل‭ ‬محاولات‭ ‬علي‭ ‬في‭ ‬كسره‭ . ‬مرت‭ ‬الأيّام‭ ‬وبدأت‭ ‬حالتي‭ ‬تسوء‭ ‬يمرّ‭ ‬الليل‭ ‬ضيفاً‭ ‬ثقيلاً‭ ‬علي‭ ‬حتّى‭ ‬أنّي‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬برودة‭ ‬أجواء‭ ‬الشتاء‭ ‬في‭ ‬ليل‭ ‬الموصل‭ ‬كنت‭ ‬أقف‭ ‬ساعات‭ ‬طويلة‭ ‬تمتد‭ ‬حتّى‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭ ‬ماشياً‭ ‬ذهاباً‭ ‬وإياباً‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬المجموعة‭ ‬الثقافية‭ ‬الذي‭ ‬يتحول‭ ‬بعد‭ ‬الساعة‭ ‬العاشرة‭ ‬مساء‭ ‬إلى‭ ‬شارع‭ ‬يكاد‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬المارة‭ ‬عدا‭ ‬الكلاب‭ ‬والقطط‭ ‬السائبة‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬بقايا‭ ‬فتات‭ ‬الطعام‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬مخلفات‭ ‬المطاعم‭ … ‬كنت‭ ‬أسير‭ ‬وانا‭ ‬أحمل‭ ‬خيبتي‭ ‬وأحزاني‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬البوح‭ ‬بها‭ ‬لأحد‭  .. ‬سأكون‭ ‬وحيداً‭ ‬مع‭ ‬نفسي‭ ‬ومع‭ ‬أحزاني‭  ‬والناس‭ ‬حولي‭  ‬تهالكوا‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬حاجاتهم‭ … ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬واقع‭ ‬الحصار‭ ‬والضنك‭ ‬والفقر‭ ‬المستشري‭ ‬يمنح‭ ‬الإنسان‭ ‬مساحة‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬بعواطفه‭ .. ‬إنّه‭ ‬زمن‭ ‬اللهاث‭ ‬والاستهلاك‭ .. ‬لكني‭ ‬اعاند‭ ‬القدر‭ ‬وأفكر‭ ‬بان‭ ‬غذاء‭ ‬الروح‭ ‬وترنيمة‭ ‬العشق‭ ‬بعد‭ ‬فصول‭ ‬الحرمان‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تتمثّل‭ ‬أمامي‭ ‬ولا‭ ‬يعنيني‭ ‬شيءٌ‭ ‬آخر‭ ‬غيرها‭ .. ‬ولكن‭ ‬علي‭ ‬أن‭ ‬احتمل‭ ‬حصاراً‭ ‬نفسياً‭ ‬وفصلاً‭ ‬مؤذياً‭ ‬من‭ ‬غيابها‭ ‬المرّ‭ ‬وما‭ ‬أصعب‭ ‬الانتظار‭ ‬لروحي‭ ‬التي‭ ‬انهكها‭ ‬الظمأ‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬يؤنسني‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الشارع‭ ‬المقفر‭ ‬ليلاً‭ ‬إلاّ‭ ‬ثلاثة‭ ‬أو‭ ‬أربعة‭ ‬محلات‭ ‬واحد‭ ‬لبيع‭ ‬الألبان‭ ‬واثنان‭ ‬لبيع‭ ‬المشروبات‭ ‬الكحولية‭ ‬ومطعم‭ ‬الجندول‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يغلق‭ ‬ابوابه‭! ‬وكنت‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أشعر‭ ‬بالبرد‭ ‬أدخل‭ ‬إلى‭ ‬المطعم‭ ‬وأطلب‭ ‬بعض‭ ‬الأكل‭ , ‬كان‭ ‬من‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬المطعم‭ ‬يستغرب‭ ‬لأنّي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬أدخل‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المطعم‭ ‬مرتين‭ . ‬

مشاركة