الاسم الآخر للمستحيل- محمد تميم

883

‭- ‬لقد‭ ‬أحسست‭ ‬بذلك‭ ‬ولكنك‭ ‬ترددت‭ .. ‬

فقلت‭: ‬

‭- ‬نعم‭ ‬كان‭ ‬ذنبي‭, ‬ثم‭ ‬قرّرت‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬لك‭ ‬في‭ ‬أخر‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬أيّام‭ ‬الامتحانات‭ ‬وقد‭ ‬بحثت‭ ‬عنك‭ ‬كثيراً‭ ‬ولم‭ ‬اجدك‭ ‬وأنا‭ ‬الآن‭ ‬ازيح‭ ‬لك‭ ‬الستار‭ ‬عما‭ ‬شغلني‭ ‬عاماً‭ ‬كاملاً‭ ‬وقيدني‭ ‬وشل‭ ‬بصيرتي‭ ‬وجعلني‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬شيئاً‭ ‬غيرك‭ .. ‬لقد‭ ‬اختلت‭ ‬كل‭ ‬موازيني‭ ‬وتدهور‭ ‬وضعي‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬ولم‭ ‬أعد‭ ‬احتمل‭ ‬أن‭ ‬أكتم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ . ‬انا‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬اتسول‭ ‬الحب‭ ‬ولا‭ ‬افرض‭ ‬نفسي‭ ‬عليك‭, ‬أنا‭ ‬قبلت‭ ‬بك‭ ,‬ولست‭ ‬مجبرة‭ ‬أن‭ ‬تقبلي‭ ‬بي‭ ‬،‭ ‬القلوب‭ ‬نبض‭ ‬لا‭ ‬تجبري‭ ‬قلبك‭ ‬أن‭ ‬ينبض‭ ‬بي‭,  ‬القرار‭ ‬لك‭ ‬وتأكدي‭ ‬سأدير‭ ‬ظهري‭ ‬إذا‭ ‬قلتِ‭ ‬لا‭ ‬حتّى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬قلبي‭ ‬يحبك‭ , ‬وأوصيك‭: ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬بسعادة‭ ‬بوجودك‭ ‬تأكدي‭ ‬ستكون‭ ‬سعادته‭ ‬برحيلك‭ .‬

لاذت‭ ‬بالصمت‭ ‬قليلاً‭ ‬وقالت‭:‬

‭ ‬لم‭ ‬أتوقع‭ ‬أنك‭ ‬تفاجئني‭ ‬في‭ ‬يومي‭ ‬الأول‭ ‬بهذه‭ ‬الصورة‭ ‬ولا‭ ‬أعرف‭ ‬ماذا‭ ‬أقول‭ ‬لك‭ .. ‬

قلت‭ : ‬

‭- ‬لا‭ ‬تجيبي‭ ‬الآن‭ ‬خذي‭ ‬الوقت‭ ‬الكافي‭ ‬وفكري‭ ‬وسوف‭ ‬أعود‭ ‬بعد‭ ‬يومين‭ ‬لأسمع‭ ‬منك‭ ‬الجواب‭ ‬الذي‭ ‬يلامس‭ ‬قلبك‭ ‬وتشعري‭ ‬به‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬يتجسد‭ ‬أمامك‭ . ‬

  ‬مرَّ‭ ‬يومان‭ ‬ثقيلان‭ ‬قاسيان‭ ‬طويلان‭ ‬كأنهما‭ ‬لحظات‭ ‬جوع‭, ‬فعلاً‭ ‬كانت‭ ‬لحظات‭ ‬جوع‭ ‬روحي‭ ‬هو‭ ‬هكذا‭ ‬انتظار‭ ‬الحب‭ ‬الذي‭ ‬سوف‭ ‬يأتي‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬فهذه‭ ‬مسيرة‭ ‬القدر‭ ‬التي‭ ‬تتحكم‭ ‬فيه‭ .. ‬أتيت‭ ‬مسرعاً‭ ‬بعد‭ ‬انقضاء‭ ‬الوقت‭ ‬المحدد‭ ‬وأنا‭ ‬متلهف‭ ‬لكي‭ ‬أعرف‭ ‬ردها‭ ‬الذي‭ ‬أنتظرته‭ ‬طويلاً‭ ‬كانت‭ ‬تقف‭ ‬تنظر‭ ‬من‭ ‬شرفات‭ ‬الممر‭ ‬إلى‭ ‬الأسفل‭ ‬ولم‭ ‬تنتبه‭ ‬لقدومي‭ ‬وبادرتها‭ ‬التحية‭ ‬قائلا‭ : ‬

‭- ‬صباح‭ ‬الخير‭ ‬يا‭ ‬سماح‭  .‬

‭ ‬والتفت‭ ‬نحوي‭ ‬وأجابت‭ : ‬

‭- ‬اهلاً‭ ‬صباح‭ ‬الخير‭ 

فقلت‭ : ‬

‭- ‬انا‭ ‬متشوق‭ ‬لسماع‭ ‬ردك‭ ‬علماً‭ ‬أنّي‭ ‬لم‭ ‬أنم‭ ‬إلاّ‭ ‬قليلاً‭ ‬طوال‭ ‬اليومين‭ ‬اللذين‭ ‬قضيتهما‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬كما‭ ‬تعلمين‭  ‬كانت‭ ‬عطلة‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع‭  ‬ولم‭ ‬أخرج‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬إطلاقا‭… ‬وأنا‭ ‬لا‭ ‬زلت‭ ‬انتظر‭ ‬ردك‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الصمت‭ ‬اصبح‭ ‬لذة‭ ‬وعدم‭ ‬البوح‭ ‬لعبتنا‭ … ‬ولكن‭ ‬إلى‭ ‬متى‭ ‬يبقى‭ ‬هذا‭ ‬العشق‭ ‬المدوي‭ ‬صامتاً‭ ‬خجولاً‭ ‬؟

قالت‭ ‬سماح‭ ‬بنبرة‭ ‬تفيض‭ ‬بالثقة‭ ‬المشوبة‭ ‬بعقلأنّية‭ ‬جلية‭ : ‬

‭-  ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬ماذا‭ ‬أقول‭ ‬لك؟‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تفكير‭ ‬أعمق‭ ‬وأنا‭ ‬مرتبكة‭ ‬جداً‭, ‬طوال‭ ‬اليومين‭ ‬الماضيين‭, ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬اجيبك‭ ‬الآن‭ ‬ولكن‭ ‬دعني‭ ‬اطرح‭ ‬بعض‭ ‬الأسئلة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالموضوع‭ ‬فأنا‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬سعيد‭, ‬كل‭ ‬الذي‭ ‬أعرفه‭ ‬عنه‭ ‬أنّه‭ ‬من‭ ‬كركوك‭, ‬ولا‭ ‬أعرف‭ ‬ماهي‭ ‬ميوله‭ ‬ورغباته‭ ‬وانفعالاته‭ ‬وما‭ ‬يحب‭ ‬وما‭ ‬يكره‭, ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أعرفك‭ ‬أكثر‭ ‬وأكثر‭, ‬حدثني‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭, ‬عن‭ ‬حياتك‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬شيء‭ ‬يتعلق‭ ‬بخصوصياتك‭ ‬تأكد‭ ‬لن‭ ‬أخبر‭ ‬به‭ ‬احداً‭, ‬لكن‭ ‬من‭ ‬حقي‭ ‬أن‭ ‬أعرف‭ ‬الان‭, ‬أمّا‭ ‬أنا‭ ‬فسوف‭ ‬أحدثك‭ ‬وارسم‭ ‬لمحات‭ ‬عن‭ ‬حياتي‭ ‬وطفولتي‭ ‬وعائلتي‭…‬أبدأ‭ ‬أنا‭ ‬بالحديث‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬معي‭ ‬لاحقاً‭ ‬لأنّي‭ ‬بدأت‭ ‬أقرأ‭ ‬على‭ ‬وجهك‭ ‬بعض‭ ‬علامات‭ ‬التردد‭ ‬والإحراج‭ . 

    ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬الصعب‭ ‬وهي‭ ‬تحاول‭ ‬الاسترسال‭ ‬في‭ ‬الحديث‭, ‬جاءت‭ ‬تغريد‭ ‬وقطعت‭ ‬علينا‭ ‬الحديث‭ ‬وكم‭ ‬تمنيت‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭, ‬لقد‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬القاتل‭ ‬يالها‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬مجنونة‭, ‬أتت‭ ‬تغريد‭ ‬لكي‭ ‬تنهي‭ ‬لحظة‭ ‬الترقب‭ ‬بلحظة‭ ‬مجنونة‭ ‬كعادتها‭. ‬التفتت‭ ‬سماح‭ ‬وقالت‭: ‬

‭- ‬نلتقي‭ ‬اليوم‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬الدوام‭ ‬ونكمل‭ ‬الموضوع‭ ‬

‭ ‬وقلت‭: ‬

‭- ‬حسناً‭ ‬وانصرفتا‭ ‬تتبادلان‭ ‬أطراف‭ ‬الحديث‭ ‬وبقيت‭ ‬في‭ ‬مكاني‭ ‬مسمراً‭ ‬بالأرض‭ , ‬وماهي‭ ‬إلاّ‭ ‬دقائق‭ ‬ودخلت‭ ‬إلى‭ ‬المحاضرة‭ ‬وأنا‭ ‬سارح‭ ‬أذوب‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬اخر‭ , ‬جسدي‭ ‬في‭ ‬القاعة‭ ‬وعقلي‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬اخر‭ ‬شعرت‭ ‬أنّي‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬متصارعة‭ ‬بين‭ ‬الجسد‭ ‬والعقل‭ ‬والروح‭ … ‬أنتهت‭ ‬المحاضرة‭ ‬وخرجت‭ ‬مسرعاً‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬علي‭ ‬في‭ ‬كليته‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬المحاضرة‭ ‬الثانية‭ ‬انتظرته‭ ‬حتّى‭ ‬يكمل‭ ‬لكي‭ ‬أتحدث‭ ‬معه‭ ‬وأعود‭ ‬إلى‭ ‬الكلية‭ ‬لألتقي‭ ‬بها‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭. ‬خرج‭ ‬علي‭ ‬وتحدثت‭ ‬معه‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭, ‬سمع‭ ‬مني‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ..‬كان‭ ‬ذا‭ ‬خبرة‭ ‬جيدة‭ ‬بالفتيات‭ ‬فهو‭ ‬مغامر‭ ‬لا‭ ‬يتوانى‭ ‬عن‭ ‬المغامرة‭ ‬والحديث‭ ‬عن‭ ‬أجساد‭ ‬النساء‭ ‬ومفاتنهن‭, ‬يحبهن‭ ‬بجنون‭ ‬ويبدع‭ ‬بوصفهن‭ ‬عندما‭ ‬يثمل‭ . ‬ضحك‭ ‬ضحكة‭ ‬قوية‭ ‬وقال‭ ‬لي‭:‬

‭-  ‬سعيد‭  …‬

‭ ‬قلت‭: ‬

‭- ‬نعم‭ .‬

قال‭:‬

‭-  ‬مبارك‭ ‬اليوم‭ ‬الغداء‭ ‬على‭ ‬حسابك‭. ‬

قلت‭: ‬

‭- ‬كيف؟

‭ ‬قال‭: ‬

‭- ‬سماح‭ ‬قبلت‭ ‬بك‭ ‬وهذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬وعدم‭ ‬ردها‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬تثقل‭ ‬نفسها‭ ‬وتعزّز‭ ‬مكانتها‭ ‬لتزيد‭ ‬ولعك‭ ‬،‭ ‬مبارك‭ ‬صديقي‭ ‬لقد‭ ‬دخلت‭ ‬نادي‭ ‬عشاق‭ ‬الجامعة‭ ‬وسوف‭ ‬أشرب‭ ‬نخبك‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ .. ‬تركت‭ ‬علي‭ ‬عائداً‭ ‬إلى‭ ‬كليتي‭ ‬وقد‭ ‬أضعت‭ ‬محاضرتين‭ ‬من‭ ‬دراستي‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬لكن‭ ‬الفرح‭ ‬كان‭ ‬يغمرني‭ ‬وكنت‭ ‬أعيش‭ ‬بسعادة‭ ‬لا‭ ‬توصف‭. ‬

وصلت‭ ‬إلى‭ ‬كليتي‭ ‬وأنا‭ ‬أريد‭ ‬للوقت‭ ‬أن‭ ‬ينقضي‭ ‬لكي‭ ‬نتكلم‭ ‬ونتجاذب‭ ‬أطراف‭ ‬الحديث‭ ‬متشوقاً‭ ‬للإبحار‭ ‬في‭ ‬الفضاءات‭ ‬التي‭ ‬زادت‭ ‬غلواؤها‭ ‬البعد،‭ ‬أشعر‭ ‬بنفسي‭ ‬جامحاً‭, ‬اقيد‭ ‬ارتباكي‭ ‬واغادر‭ ‬ميناء‭ ‬وجلي‭ .. ‬أدرب‭ ‬نفسي‭ ‬لأقول‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أريد‭ ‬وأسمع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تقول‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬بي‭ ‬السبل‭,  ‬ولا‭ ‬أضيع‭ ‬الحروف‭ ‬في‭ ‬لهفة‭ ‬الحب‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬متسرعة‭ ‬بلحظات‭ ‬تفيض‭ ‬بالحنان‭ ‬والرقة‭ . ‬

أنتهت‭ ‬المحاضرة‭ ‬الأخيرة‭ ‬وتدافع‭ ‬الطلبة‭ ‬مسرعين‭ ‬لمغادرة‭ ‬القاعة‭ ‬وتثاقلت‭ ‬في‭ ‬جمع‭ ‬كتبي‭ ‬وأوراقي‭ ‬متظاهراً‭ ‬بأنّي‭ ‬أنوي‭ ‬أن‭ ‬أخرج‭ ‬ولكن‭ ‬كنت‭ ‬فعلاً‭ ‬استعد‭ ‬للبقاء‭ ..‬فخرجت‭ ‬سماح‭ ‬من‭ ‬القاعة‭ ‬مع‭ ‬الطلبة‭ ‬بدأت‭ ‬اشك‭ ‬أنّها‭ ‬ربما‭ ‬تراجعت‭! ‬ايعقل‭ ‬هذا؟‭ ‬بدأ‭ ‬الوسواس‭ ‬يحوك‭ ‬شباكه‭ ‬لكن‭ ‬ماهي‭ ‬إلاّ‭ ‬لحظات‭ ‬وعادت‭ ‬إلى‭ ‬القاعة‭ ‬قالت‭: ‬

‭- ‬اسفة‭ ‬خرجت‭ ‬مع‭ ‬الطلبة‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬ألفت‭ ‬الأنتباه‭, ‬لنخرج‭ ‬فالجو‭ ‬لطيف‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬دعنا‭ ‬نسير‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬الأرض‭ ‬الواسع‭ ‬فرائحة‭ ‬تشرين‭ ‬تذكي‭ ‬القلوب‭ ‬وتولع‭ ‬النفس‭ ‬بالعطاء‭ ‬والتسامح‭ .. ‬كم‭ ‬أحب‭ ‬رائحة‭ ‬المطر‭ ‬والريح‭ ‬فاجأتني‭ ‬بحديثها‭ ‬هذا‭, ‬وعندما‭ ‬كنّا‭ ‬نهمّ‭ ‬بجمع‭ ‬حاجيتنا‭ ‬للخروج‭ ‬تجرأت‭ ‬وكأنّي‭ ‬أعرفها‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭ ‬وقلت‭ ‬لها‭ ‬فعلاً‭:‬

‭-  ‬سأظل‭ ‬أبصر‭ ‬في‭ ‬عينيك‭ ‬مرفأ‭ ‬عمري‭ ‬وسيبقى‭ ‬طيفك‭ ‬ملهمي‭ ‬ووجهك‭ ‬هويتي‭ ‬وصوتي‭ ‬وعنواني‭ .. ‬تساءلت‭ : ‬ماذا‭ ‬؟‭ ‬

قلت‭ : ‬

نعم‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الحقيقة‭ .. ‬سرنا‭ ‬نشمّ‭ ‬رائحة‭ ‬المطر‭ ‬

‭ ‬قالت‭: ‬

‭- ‬أنا‭ ‬سماح‭ ‬أحمد‭ ‬من‭ ‬عائلة‭ ‬موصلية‭ ‬عدد‭ ‬أفرادها‭ ‬سبعة‭ ‬أشخاص‭, ‬نحن‭ ‬أربعة‭ ‬إخوة‭ ‬وأخوات‭ ‬تسلسلي‭ ‬في‭ ‬العائلة‭ ‬هو‭ ‬الثاني‭, ‬والدي‭ ‬موظف‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭, ‬عائلتنا‭ ‬يسودها‭ ‬التجانس‭ ‬والتفاهم،‭ ‬أخي‭  ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬أبواب‭ ‬الزواج‭ ‬حيث‭ ‬عقد‭ ‬قرانه‭ ‬قبل‭ ‬مدة‭ ‬وسوف‭ ‬يتزوج‭ ‬عما‭ ‬قريب‭ ‬ويتركنا‭ ‬وأنا‭ ‬أمامك‭ ‬طالبة‭ ‬معك‭ , ‬وأختي‭ ‬اسمها‭ ‬سلوى‭ ‬طالبة‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الثأنوية‭ , ‬وأخي‭  ‬الصغير‭ ‬بسام‭ ‬طالب‭ ‬في‭ ‬إعدادية‭ ‬الصناعة‭ . ‬هذا‭ ‬بشكل‭ ‬مختصر‭ ‬عن‭ ‬حياتي‭ ‬ثم‭ ‬قالت‭:‬

‭-  ‬أترك‭ ‬لك‭ ‬الكلام‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬لديك‭ ‬سؤال‭ ‬فمستعدة‭ ‬أن‭ ‬أجيب‭ .‬

‭ ‬قلت‭ ‬لها‭:‬

‭-  ‬سيكون‭ ‬لنا‭ ‬المتسع‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬لفهم‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أسئلة‭.‬

‭ ‬رفعت‭ ‬رأسها‭ ‬من‭ ‬الاسفل‭ ‬إلى‭ ‬الأعلى‭ ‬باتجاهي‭ ‬قائلة‭ :‬

‭- ‬اها‭ ‬اواثق‭ ‬أنت‭ ‬لهذه‭ ‬الدرجة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬علاقتنا‭ ‬سوف‭ ‬تستمر‭ ‬أو‭ ‬أنك‭ ‬مطمئن‭ ‬من‭ ‬ردي؟‭ ‬

قلت‭ ‬لها‭: ‬

‭ ‬نعم‭ …‬خرجت‭ ‬كلمة‭ ‬نعم‭ ‬مني‭ ‬بثقة‭ ‬مفرطة،‭ ‬شعرت‭ ‬أنّها‭ ‬أثارت‭ ‬إعجابها‭ ‬لثقتي‭ ‬بنفسي‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬تعرف‭ ‬أنّها‭ ‬احدى‭ ‬وصايا‭ ‬علي‭ ‬صديقي‭. ‬

قالت‭: ‬

وكيف‭ ‬ذلك‭ ‬؟‭ …‬

تلعثمت‭ .. ‬خشيت‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬لها‭ ‬علي‭ ‬قال‭ ‬ذلك‭ ‬لي‭ ‬قبل‭ ‬ساعات‭ ….‬لذت‭ ‬بالتهرّب‭ ‬وقلت‭: ‬

‭- ‬إحساسي‭ ‬يقول‭ ‬لي‭ ‬ذلك‭….‬

‭ ‬وضحكنّا‭ ‬سوية‭ ‬وبدأت‭ ‬بالحديث‭ ‬متنهداً‭ ‬بزفرة‭ ‬كبيرة‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬أعماقي‭ ‬حد‭ ‬الغليان‭  .‬

قلت‭: ‬

‭- ‬أنا‭ ‬من‭ ‬مواليد‭ ‬الثلث‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬السبعينات‭ ‬وتحديداً‭ ‬العام‭ ‬1973‭ ‬ففي‭ ‬أحد‭ ‬أيّام‭ ‬ذلك‭ ‬الشتاء‭ ‬ولدت‭ ,  ‬لا‭ ‬نعلم‭ ‬اليوم‭ ‬بالتحديد‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬مواليد‭ ‬القرى‭ ‬تسجل‭ ‬بحدث‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الحدث‭ ‬معروفاً‭ ‬وموثقاً‭ ‬يستطيع‭ ‬الشخص‭ ‬أن‭ ‬يحدد‭ ‬يوم‭ ‬ميلاده‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬حدثاً‭ ‬عابراً‭ ‬فيضيع‭ ‬الحدث‭ ‬والتاريخ‭ ‬،‭ ‬ولدت‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬صغيرة‭ ‬تقول‭ ‬الروايات‭ ‬أنّها‭ ‬مدينة‭ ‬آشورية‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬نهر‭ ‬الزاب‭ ‬الاسفل‭ , ‬هذا‭ ‬النهر‭ ‬الذي‭ ‬جرى‭ ‬بالماء‭ ‬مرّة‭ ‬وبالتاريخ‭ ‬مرات‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الآشوريون‭ ‬يؤدون‭ ‬طقوسهم‭ ‬فيه‭ ‬وتقام‭ ‬له‭ ‬الاحتفالات‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الربيع‭ ‬تيمناً‭ ‬بموسم‭ ‬الخصب‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬عادات‭ ‬العراقيين‭ ‬القدماء‭ .‬

تبعد‭ ‬قريتي‭ ‬عن‭ ‬مدينة‭ ‬كركوك‭ ‬حوالي‭ ‬60‭ ‬كيلو‭ ‬متراً‭ ‬وهي‭ ‬منطقة‭ ‬شاعرية‭ ‬الجمال‭, ‬والطبيعة‭ ‬فيها‭ ‬مرهفة‭ ‬خصيبة‭ ‬ويكفي‭ ‬أنّها‭ ‬روضة‭ ‬طفولتي‭ , ‬توفي‭ ‬والدي‭ ‬وعمري‭ ‬سنتان‭ ‬بل‭ ‬أنّي‭ ‬لا‭ ‬اذكر‭ ‬وجهه‭ ‬جيداً‭ ‬سوى‭ ‬بعض‭ ‬المعالم‭ ‬التي‭ ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬أدمجها‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬نحتفظ‭ ‬له‭ ‬بها‭ ‬معلقة‭ ‬على‭ ‬جدران‭ ‬دارنا‭ ‬البسيط‭ ‬لأعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬ذاكرتي‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬برحت‭ ‬تستفزني‭ ‬بالسؤال‭ ‬عنه‭ ‬مقارناً‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬آباء‭ ‬الآخرين‭ ‬وكيف‭ ‬كان‭ ‬تصرف‭ ‬لو‭ ‬حصل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬أو‭ ‬ذلك‭ ‬،‭ ‬دخلت‭ ‬المدرسة‭ ‬الابتدائية‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬القرية‭ ‬التي‭ ‬فتحت‭ ‬أبوابها‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الأخير‭ ‬للنظام‭ ‬الملكي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ , ‬كان‭ ‬عمري‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭, ‬تكفلت‭ ‬أمي‭ ‬بتربيتي‭ ‬وفي‭ ‬سن‭ ‬السابعة‭ ‬من‭ ‬عمري‭ ‬توفيت‭ ‬أمي‭ ‬،‭ ‬لحظة‭ ‬وفاتها‭ ‬كانت‭ ‬عصيبة‭ ‬علي‭, ‬كنت‭ ‬أبكي‭ ‬وأتمسك‭ ‬بالجثمان‭, ‬أرفض‭ ‬أن‭ ‬يأخذوا‭ ‬أمي‭ , ‬وأرفع‭ ‬رأسي‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭ ‬وأقول‭: ‬لماذا‭ ‬يا‭ ‬ربي‭ ‬تعاقبني‭ ‬فأنا‭ ‬لازلت‭ ‬صغيراً‭ ‬ولم‭ ‬أفعل‭ ‬شيئاً؟‭ ‬،‭ ‬ليلتها‭ ‬لم‭ ‬أر‭ ‬سوى‭ ‬ضباب‭ ‬يجتاح‭ ‬بصري‭, ‬أدور‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الأرض‭ ‬هائماً‭ ‬باكياً‭ .‬

  ‬كتب‭ ‬علي‭ ‬الشقاء‭ ‬من‭ ‬سنوات‭ ‬عمري‭ ‬الأولى‭ ‬فقد‭ ‬ذهبت‭ ‬أمي‭ , ‬وفقدت‭ ‬نبع‭ ‬الحنان‭ ‬كنت‭ ‬أعود‭ ‬من‭ ‬المدرسة‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬هدف‭ ‬كل‭ ‬أصدقائي‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬يتحدثون‭ ‬لي‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬أمهاتهم‭ ‬وأباؤهم‭ ‬وما‭ ‬يجلبونه‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬حاجيات‭ ‬ويتحدثون‭ ‬بفرحة‭ ‬أطفال‭ ‬كبيرة‭ ‬،‭ ‬كنت‭ ‬أجالسهم‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬لدي‭ ‬شيء‭ ‬أحدثهم‭  ‬عنه‭  ‬،‭ ‬تكفل‭ ‬عمي‭ ‬بتربيتي‭ ‬وكان‭ ‬اباً‭ ‬لثلاثة‭ ‬أطفال‭ ‬وكان‭ ‬يوزع‭ ‬حنانه‭ ‬علينا‭ ‬إلاّ‭ ‬انه‭ ‬كان‭ ‬يوليني‭ ‬رعاية‭ ‬خاصّة‭ ‬ويعطف‭ ‬علي‭ ‬كثيراً‭ , ‬ومرات‭ ‬عدة‭ ‬أسمعه‭ ‬يتجادل‭ ‬مع‭ ‬زوجته‭ ‬ويقول‭ ‬لها‭: ‬هذا‭ ‬يتيم‭. ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬تعصر‭ ‬قلبي‭ ‬وتجعلني‭ ‬ابكي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬اخر‭ ‬لذا‭ ‬كرهت‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬ولا‭ ‬أتمنى‭ ‬لأحد‭  ‬ان‭ ‬يضعها‭ ‬عنواناً‭ ‬له‭ ‬رغم‭ ‬أنّي‭ ‬أعلم‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬أريده‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬امنيات‭ .‬

‭ ‬زوجة‭ ‬عمي‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تطيقني‭ ‬حيث‭ ‬كنت‭ ‬دائماً‭ ‬أسمعها‭ ‬تردد‭ ‬كلاماً‭ ‬سيئاً‭ ‬بحقي‭ ‬وتتهمني‭ ‬أمام‭ ‬عمي‭ ‬اتهامات‭ ‬لا‭ ‬أساس‭ ‬لها‭ ‬وكانت‭ ‬دائماً‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تؤلب‭ ‬عمي‭ ‬علي‭ , ‬وعندما‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬البيت‭ ‬لأي‭ ‬سبب‭ ‬ترهقني‭ ‬بالرعي‭ ‬وتكلفني‭ ‬بأعمال‭ ‬لا‭ ‬أقوى‭ ‬أن‭ ‬أقوم‭ ‬بها‭ ‬وكنت‭ ‬لا‭ ‬ازال‭ ‬طفلاً‭ ‬صغيراً‭ ‬،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كبرت‭ ‬كنت‭ ‬امارس‭ ‬عملي‭ ‬اليومي‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬الصغير‭ ‬الذي‭ ‬يملكه‭ ‬عمي‭ ‬بعد‭ ‬إكمالي‭ ‬الدراسة‭ ‬الابتدائية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬قريتنا‭ ‬مدرسة‭ ‬ثأنوية‭ ‬وكنت‭ ‬أصحو‭ ‬مبكراً‭ ‬والفجر‭ ‬لايزال‭ ‬في‭ ‬أوله‭ ‬وأسلك‭ ‬طريقاً‭ ‬ترابياً‭ ‬أسير‭ ‬فيه‭ ‬حوالي‭ ‬الساعة‭ ‬لكي‭ ‬أصل‭ ‬إلى‭ ‬طريق‭ ‬معبد‭ ‬تمرّ‭ ‬به‭ ‬سيارات‭ ‬المزارعين‭ ‬وناقلي‭ ‬المواشي‭ ‬إلى‭ ‬محلات‭ ‬بيع‭ ‬الخضار‭ ‬أو‭ ‬المواشي‭ , ‬ويكون‭ ‬متفضلاً‭ ‬علينا‭ ‬من‭ ‬يقف‭ ‬ليحملنا‭ ‬مع‭ ‬أحماله‭ ‬من‭ ‬خضرة‭ ‬أو‭ ‬مواشٍ‭ ‬وبعضهم‭ ‬يرفض‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬خطر‭ ‬علينا‭ ‬أو‭ ‬أننا‭ ‬سوف‭ ‬نفسد‭ ‬الزرع‭ ‬ونبقى‭ ‬تحت‭ ‬رحمة‭ ‬القدر‭ ‬الذي‭ ‬يهدينا‭ ‬رؤوفاً‭ ‬يرحم‭ ‬بنا‭ ‬ويقلنا‭ ‬إلى‭ ‬المدينة‭ ‬،‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬كنّا‭ ‬نسير‭ ‬صباحاً‭ ‬وعندما‭ ‬تفرّ‭ ‬الطيور‭ ‬من‭ ‬وكناتها‭ ‬كانت‭ ‬تفرفح‭ ‬قلوبنا‭ ‬معها‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ , ‬استمرت‭ ‬هذه‭ ‬الحال‭ ‬ست‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬صباحات‭ ‬الشتاء‭ ‬الباردة‭ ‬والممطرة‭ ‬وكثيراً‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬كنت‭ ‬أقفز‭ ‬من‭ ‬حوض‭ ‬سيارة‭ ‬الحمل‭ ‬الخلفي‭ ‬لحظة‭ ‬وصولي‭ ‬المدينة‭, ‬كانت‭ ‬يداي‭ ‬متجمدتين‭ ‬ولا‭ ‬أقوى‭ ‬على‭ ‬المشي‭ ‬من‭ ‬البرد‭ ‬وأتوقف‭ ‬فاركاً‭ ‬يدي‭ ‬ورجلي‭ ‬لأعيد‭ ‬سريان‭ ‬الدم‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬وأقوى‭ ‬على‭ ‬المشي‭ ‬بعدها‭ .. ‬كانت‭ ‬حياة‭ ‬طفولية‭ ‬صعبة‭ ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أقضي‭ ‬طفولتي‭ ‬كما‭ ‬باقي‭ ‬الأطفال‭ ‬كنت‭ ‬أواجه‭ ‬صعوبات‭ ‬الحياة‭ ‬باكراً‭ ‬واصارعها‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ .. ‬من‭ ‬قريتي‭ ‬أنتقلت‭ ‬إلى‭ ‬الجامعة‭ ‬المكتظة‭ ‬هذه‭ ‬،‭ ‬كنت‭ ‬وحيداً‭ ‬بلا‭ ‬رفيق‭ ‬تقصر‭ ‬أحاديثه‭ ‬ساعات‭ ‬ليل‭ ‬الشتاء‭ ‬الطويل‭ ‬هذه‭ ,  ‬أظنني‭ ‬لم‭ ‬أذق‭ ‬طعم‭ ‬السعادة‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬ولم‭ ‬أحمل‭ ‬منها‭ ‬سوى‭ ‬الأسم‭ ‬فأنا‭ ‬لست‭ ‬استثناء‭ ‬فالكثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬والاماكن‭ ‬والفنادق‭ ‬والمطاعم‭ ‬يحملون‭ ‬أسماءً‭ ‬هي‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬يوحيه‭ ‬الأسم‭ ‬تماماً‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬إسمي‭ ‬غلطة‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬قاموس‭ ‬التذكر‭, ‬تصوّري‭ ‬إسمي‭ ‬سعيد‭ ‬ولم‭ ‬أتذوق‭ ‬نكهة‭ ‬السعادة‭ ‬ونادراً‭ ‬ما‭ ‬أحسست‭ ‬بالفرح‭  . ‬كتبت‭ ‬عليّ‭ ‬الأحزان‭, ‬أو‭ ‬هو‭ ‬قدري‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬قلبي‭ ‬لا‭ ‬يدق‭ ‬ويعرف‭ ‬الفرح‭ ‬الحقيقي‭ ‬إلاّ‭ ‬عندما‭ ‬رأيتك‭ ‬واستبشرت‭ ‬أساريري‭ ‬بك‭ ‬وكنتِ‭ ‬أملي‭ ‬وملتقاي‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ . ‬هل‭ ‬أنتِ‭ ‬ملاذي‭ ‬؟‭ ‬وهل‭ ‬أنتِ‭ ‬نافذة‭ ‬الخلاص‭ ‬التي‭ ‬أرتني‭ ‬بهجة‭ ‬الدنيا‭ ‬وأوقفتني‭ ‬في‭ ‬نور‭ ‬الأمل‭ , ‬وفتحت‭ ‬أبواب‭ ‬الرجاء‭ ‬لامتلك‭ ‬نفسي‭ ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬؟

  ‬بدت‭ ‬منها‭ ‬نظرة‭ ‬استغراب‭ ‬وألم‭ ‬وقالت‭: ‬

‭- ‬يااه‭ ‬لقد‭ ‬تعذبت‭ ‬كثيراً‭ ‬وقاسيت‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬حياتك‭. ‬إذن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬السبب‭ ‬الذي‭ ‬يجعلك‭ ‬دائماً‭ ‬تجلس‭ ‬وحيداً‭ ‬ولا‭ ‬تتكلم‭ ‬أبداً؟‭ ‬

أجبت‭: ‬

‭- ‬ليس‭ ‬بالضبط‭ ..‬

‭ ‬ردت‭: ‬

‭- ‬كيف‭ ‬؟‭ ‬

أجبت‭:‬

‭-  ‬منذ‭ ‬صغري‭ ‬وأنا‭ ‬أحرص‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أكون‭ ‬كالعوام‭ ‬ليس‭ ‬تكبّراً‭ ‬بل‭ ‬لأنّي‭ ‬أمقت‭ ‬تصرفهم‭ ‬لذلك‭ ‬تركت‭ ‬الكلام‭ ‬للمتملقين‭ ‬والباحثين‭ ‬عن‭ ‬المصالح‭, ‬يثرثرون‭ ‬وكنت‭ ‬أتدخل‭ ‬عندما‭ ‬يستوجب‭ ‬ذلك‭ .. ‬كنت‭ ‬صغيراً‭ ‬وأنا‭ ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬أختط‭ ‬لنفسي‭ ‬خطاً‭ ‬آخر‭ ‬مختلفاً‭ , ‬عندما‭ ‬كنّا‭ ‬نلعب‭ ‬ونحن‭ ‬صغار‭ ‬وحصل‭ ‬أن‭ ‬تأخرت‭ ‬عن‭ ‬البدء‭ ‬كنت‭ ‬أقف‭ ‬في‭ ‬المنتصف‭ ‬وأقول‭: ‬

‭- ‬من‭ ‬معي‭ ‬ولا‭ ‬أقول‭ ‬أنا‭ ‬مع‭ ‬من؟‭ ‬

كل‭ ‬ألعاب‭ ‬الأطفال‭ ‬والصبا‭ ‬هي‭ ‬بين‭ ‬فريقي‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬الحق‭ ‬والباطل‭, ‬بين‭ ‬الخير‭ ‬والشر‭, ‬بين‭ ‬الصالحين‭ ‬والطالحين‭, ‬أو‭ ‬بين‭ ‬جهتين‭ ‬متنافستين‭ ‬هكذا‭ ‬كنّا‭ ‬نمثّل‭ ‬ونحن‭ ‬صغار‭,  ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬تدريباً‭ ‬ليس‭ ‬جيداً‭ ‬وفأل‭ ‬شؤم‭ ‬عندما‭ ‬كبرنا‭ ‬فقد‭ ‬اصطدمنا‭ ‬بالحياة‭ ‬وكانت‭ ‬مع‭ ‬الأسف‭ ‬هكذا‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬قوتين‭ ‬خفيتين‭ ‬الخير‭ ‬والشر‭ ..‬

وهكذا‭ ‬كان‭ ‬يعاد‭ ‬ترتيب‭ ‬لعبتنا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرّة‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حضرت‭, ‬هكذا‭ ‬تعودوا‭ ‬علي‭  , ‬وهكذا‭ ‬تعلمت‭ , ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أكون‭ ‬إنساناً‭ ‬هامشياً‭ ‬مر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬كعابر‭ ‬سبيل‭ ‬فأنا‭ ‬أشعر‭ ‬أنني‭ ‬خلقت‭ ‬لأكون‭ ‬استثنائياً‭ ‬ربّما‭ ‬غرور‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬أشعر‭ ‬به‭ ‬فأنا‭ ‬كنت‭ ‬ولازلت‭ ‬أمسك‭ ‬بالنور‭ ‬ساعة‭ ‬انبثاقه‭ ‬وأسكن‭ ‬أعالي‭ ‬القباب‭ ‬البيض‭ . ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬الطويل‭ ‬الموحش‭ ‬إلى‭ ‬مدرسته‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الصبي‭ ‬يصادف‭ ‬الذئاب‭ ‬والكلاب‭ ‬السائبة‭ ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تشد‭ ‬على‭ ‬يده‭ ‬الصغيرة‭ ‬يد‭ ‬أخرى‭ ‬،‭ ‬حمل‭  ‬فيها‭ ‬عصا‭ ‬ليدافع‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭! ‬والآن‭ ‬أنا‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬حياتي‭ ‬ولازالت‭ ‬تصادفني‭  ‬الذئاب‭ ‬لكنها‭ ‬أكثر‭ ‬شراسة‭ ‬ولؤماً‭ ‬،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّي‭ ‬لم‭ ‬أعد‭ ‬أحمل‭ ‬العصا‭ ‬دفاعاً‭ ‬عن‭ ‬نفسي‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬اتسلح‭ ‬بإنسانيتي‭.. ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬أنا‭ ‬فيه‭ ‬أنّي‭ ‬سأحتفظ‭ ‬بآدميتي‭ ‬مهما‭ ‬كثرت‭ ‬الذئاب‭ .‬صمت‭ ‬الكلام‭ ‬في‭ ‬حنجرتي‭ ‬وكأنّي‭ ‬اتأمل‭ ‬شيئاً‭ ‬أو‭ ‬أنتظرها‭ ‬لتقول‭ ‬شيئاً‭ ‬ردت‭ ‬مباغتة‭:‬

‭-  ‬رجل‭ ‬وإنسان‭ ‬وشغوف‭ ‬ومحب‭ ‬صفات‭ ‬ما‭ ‬اجتمعت‭ ‬إلاّ‭ ‬في‭ ‬إنسان‭ ‬سوي‭ .. ‬دع‭ ‬لي‭ ‬فرصة‭ ‬أخرى‭ ‬ليوم‭ ‬واحد‭, ‬دعني‭ ‬أبحر‭ ‬عباب‭ ‬هياج‭ ‬أمواجك‭ ‬واحتويها‭ ‬فما‭ ‬سمعته‭ ‬كان‭ ‬مثيراً‭ ‬جداً‭ ‬واحتاج‭ ‬إلى‭ ‬لحظات‭ ‬صفاء‭ ‬وانعزال‭ ‬لكي‭ ‬أعيد‭ ‬تقييم‭ ‬الأحداث‭ ‬وأتمنى‭ ‬أن‭ ‬أستطيع‭ ‬تصوّرها‭ ‬بعد‭ ‬محاولة‭ ‬إعادتي‭ ‬تخيل‭ ‬الظروف‭ ‬وصعوبتها‭  

قلت‭ : ‬

‭- ‬كما‭ ‬تحبين‭ .. 

قالت‭ : ‬

‭-  ‬لن‭ ‬اتأخر‭ ‬غداً‭ ‬سوف‭ ‬أوافيك‭ ‬بالجواب‭ .. ‬

قلت‭ : ‬

‭- ‬حسناً‭ ‬أنا‭ ‬انتظرك‭ ‬

قالت‭ : ‬

‭- ‬حان‭ ‬موعد‭ ‬الانصراف‭ ‬فبعد‭ ‬دقائق‭ ‬يأتي‭ ‬الباص‭ ‬وأنا‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أتأخر‭ ‬عن‭ ‬البيت‭ ‬وأنت‭ ‬تعرف‭ ‬وضعنا‭ ‬وتعرف‭ ‬تقاليدنا‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬

قلت‭ : ‬

‭- ‬اتفهم‭ ‬ذلك‭ ‬إذهبي‭ ‬وأشكرك‭ ‬على‭ ‬منحي‭ ‬هذه‭ ‬الفرصة‭ ‬للحديث‭ ‬معك‭ ‬

ردّت‭ ‬علي‭ ‬وكأنّها‭ ‬تعرفني‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭:‬

‭-  ‬لا‭ ‬داعي‭ ‬لشكري‭ ‬،‭ ‬نلتقي‭ ‬غداً‭ ..‬

‭ ‬ذهبت‭ ‬وسار‭ ‬تفكيري‭ ‬يتبعها‭ ‬يرافقها‭ ‬مرافقة‭ ‬الظل‭ ‬للجسد‭, ‬لممت‭ ‬أطرافي‭, ‬وحملت‭ ‬كتبي‭ ‬في‭ ‬يدي‭ ‬وعدت‭ ‬إلى‭ ‬مسكني‭ ‬وقد‭ ‬استقبلني‭ ‬علي‭ ‬كعادته‭ ‬بالصياح‭ ‬والهرج‭ ‬والمرج‭ ‬ورفع‭ ‬صوت‭ ‬المذياع‭ ‬وهو‭ ‬يرقص‭ ‬قائلاً‭:‬

‭-  ‬ها‭ ‬أبو‭ ‬الشباب‭ ‬ماذا‭ ‬حصل؟‭ ‬

قلت‭ :‬

‭- ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬تحدثنا‭ ‬كلً‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬وصارحتها‭ ‬وأنتظر‭ ‬أجابتها‭ ‬غداً‭. ‬

قال‭: ‬

‭- ‬يا‭ ‬أخي‭  ‬لا‭ ‬تشغل‭ ‬بالك‭ ‬أنا‭ ‬خبير‭ ‬بالفتيات‭ ‬سوف‭ ‬تأتي‭ ‬غداً‭ ‬وتقول‭ ‬لك‭ ‬موافقة‭ ‬لكن‭ ‬بشروط‭ ‬خاصّة‭ ‬وهي‭ ‬مصلأوية‭ ‬أعرف‭ ‬كيف‭ ‬تفكّر‭ . ‬

قاطعته‭:‬

‭-  ‬وكيف‭ ‬تفكر‭ ‬؟

‭ ‬قال‭:  – ‬حالها‭ ‬حال‭ ‬أغلب‭ ‬نساء‭ ‬الشرق‭ ‬متكلفة‭ ‬سوف‭ ‬تفكّر‭ ‬بالمستقبل‭ ‬وتريد‭ ‬ضماناً‭ ‬للمستقبل‭ ‬ولن‭ ‬تفكّر‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬معك‭ ‬اللحظة‭ ‬الجميلة‭ ‬التي‭ ‬أنتما‭ ‬فيها‭. ‬كل‭ ‬نساء‭ ‬الشرق‭ ‬لازلن‭ ‬يعشن‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬ولم‭ ‬تتحرر‭ ‬عقدتهن‭ ‬من‭ ‬الخلاص‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬بعدها‭ ‬ستجدها‭ ‬تتطلع‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل‭ ‬وكأن‭ ‬الحاضر‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬فيه‭ ‬اصبح‭ ‬تافهاً‭ ‬لا‭ ‬يساوي‭ ‬شيئاً‭ , ‬هن‭ ‬في‭ ‬ترقّب‭ ‬وخوف‭ ‬وقلق‭ ‬لأن‭ ‬هاجس‭ ‬المستقبل‭ ‬يطاردهن‭ ‬دوماً‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬توقف‭,  ‬لاحظ‭ ‬درست‭ ‬السنة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الكلية‭ ‬في‭ ‬بريطأنّيا‭ ‬وبعد‭ ‬المشاكل‭ ‬السياسية‭ ‬والحصار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬تم‭  ‬طردنا‭ ‬جميعاً‭ ‬نحن‭ ‬الطلبة‭ ‬العراقيين‭ ‬وقد‭ ‬عدت‭ ‬إلى‭ ‬هنا‭ ‬لإكمال‭ ‬دراستي‭, ‬تعرف‭ ‬ماهي‭ ‬الفتاة‭ ‬الغربية‭ ‬وبماذا‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬الشرقية‭ ‬؟‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينتظر‭ ‬تعليقي‭ ‬أجاب‭ ‬هو‭ ‬قائلا‭ …  – ‬أنّها‭ ‬تختلف‭ ‬عنها‭ ‬فالمرأة‭ ‬الغربية‭ ‬تعيش‭ ‬الحاضر‭, ‬تتذكر‭ ‬أحياناً‭ ‬الماضي‭ ‬غير‭ ‬مهتمة‭ ‬بالمستقبل‭ ‬اطلاقاً‭ ‬فتجدها‭ ‬عقلاً‭ ‬يفكّر‭ ‬وقلباً‭ ‬يغفر‭ ‬وجسداً‭ ‬يعطي‭ ‬وتجدها‭ ‬بوجه‭ ‬واحد‭ ‬غير‭ ‬متكلف‭, ‬بسيطة‭, ‬أنا‭ ‬شعرت‭ ‬أن‭ ‬نساء‭ ‬الغرب‭ ‬يلائمن‭ ‬سلوكياتي‭ ‬وما‭ ‬أريده‭ ‬في‭ ‬المرأة‭ . ‬لكن‭ ‬ماذا‭ ‬أقول‭ ‬وما‭ ‬عساني‭ ‬ان‭ ‬أقول‭ ‬فقد‭ ‬تمّ‭ ‬طردي‭ ‬من‭ ‬بريطانيا‭ ‬ولم‭ ‬أنعم‭ ‬بنساء‭ ‬الغرب‭ ‬وأصبحت‭ ‬كأنّي‭ ‬آدم‭ ‬الذي‭ ‬أخذ‭ ‬التفاحة‭ ‬لتخرجه‭ ‬من‭ ‬الجنة‭ ‬لكن‭ ‬فرقي‭ ‬عن‭ ‬آدم‭ ‬أنّي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬بدون‭ ‬حواء‭ … ‬قالها‭ ‬ضاحكا‭ …‬وها‭ ‬أنا‭ ‬مضطر‭ ‬أن‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬نساء‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬أجساد‭ ‬الشرق‭ .. ‬

قاطعته‭:‬

‭ – ‬كفى‭ ‬ثرثرة‭ ‬ودعنا‭ ‬نأكل‭ ‬فأنا‭ ‬جائع‭.. ‬كنت‭ ‬كذلك‭ ‬لكني‭ ‬كنت‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أقاطعه‭ ‬لأن‭ ‬خزعبلاته‭ ‬لم‭ ‬تعجبني‭ ‬اطلاقاً‭ ‬وخشيت‭ ‬أن‭ ‬يوغل‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬ويصل‭ ‬بحديثه‭ ‬السيء‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬مملكة‭ ‬حبيبتي‭ ‬سماح‭ ‬وأخاصمه‭ ‬وأنا‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬خصامه‭ ‬ولا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أخسره‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬رفضي‭ ‬لبعض‭ ‬سلوكياته‭ ‬فأنّي‭ ‬أحب‭ ‬روحه‭ ‬المرحة‭ .‬

في‭ ‬صباح‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬ذهبت‭ ‬مبكراً‭ ‬إلى‭ ‬الدوام‭ ‬وإذا‭ ‬بي‭ ‬التقي‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬الممر‭ ‬وبدرت‭ ‬منها‭ ‬ابتسامة‭ ‬خفيفة‭ ‬تنم‭ ‬عن‭ ‬حياء‭ ‬وحرج‭ ‬عندها‭ ‬عرفت‭ ‬الإجابة‭ ‬وحللتها‭ .. ‬

قلت‭ : ‬

‭-  ‬صباح‭ ‬الخير‭ ‬

فقالت‭ :‬

‭-  ‬اهلاً‭ ‬ماذا‭ ‬بك؟‭ ‬متلهف‭ ‬وصوت‭ ‬أنفاسك‭ ‬يكاد‭ ‬يسمع‭ ‬من‭ ‬الطرف‭ ‬الاخر؟‭ ‬وضحكت‭ ‬برقة‭ ‬أهلكتني

قلت‭ :-  ‬لا‭ ….‬لا‭ ‬لقد‭ ‬صعدت‭ ‬السلالم‭ ‬بسرعة‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جعلني‭ ‬هكذا‭ .. ‬وقطعت‭ ‬الكلام‭ ‬وقلت‭ ‬لها‭:‬

‭-  ‬ما‭ ‬هو‭ ‬رأيك‭ ‬بما‭ ‬تحدثنا‭ ‬به‭ ‬يوم‭ ‬أمس‭ ‬؟‭ ‬انزلت‭ ‬رأسها‭ ‬مع‭ ‬احمرار‭ ‬وجهها‭ ‬ولم‭ ‬تجب‭ .. ‬وأجبت‭ ‬عنها‭ ‬فقلت‭: ‬

‭- ‬هذا‭ ‬السكوت‭ ‬يعني‭ ‬الرضا؟‭ .. ‬

أجابت‭ : ‬

‭- ‬نعم‭ ‬لكن‭ ‬بشروط‭ ‬

قلت‭:    ‬موافق‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الشروط‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنّي‭ ‬أعلم‭ ‬أن‭ ‬الحب‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬فيه‭ ‬شروط‭ ‬

علقت‭ : ‬

‭-  ‬ليست‭ ‬شروطاً‭ ‬للحب‭ ‬بل‭ ‬شروط‭ ‬للمستقبل‭ .‬

هنا‭ ‬تذكرت‭ ‬علي‭ ‬وحاولت‭ ‬إخراجه‭ ‬من‭ ‬ذهني‭ ‬بسرعة‭ … ‬انصرفت‭ ‬مسرعة‭ ‬ومحرجة‭ , ‬تملكني‭ ‬شعور‭ ‬بالصياح‭ ‬بأعلى‭ ‬صوتي‭ ‬لكي‭ ‬أنادي‭ ‬على‭ ‬أمي‭ … ‬لكني‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬عام‭ ‬،‭ ‬شعرت‭ ‬بفرح‭ ‬عظيم‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لكل‭ ‬الدنيا‭ ‬أن‭ ‬تسعه‭ ‬وبدت‭ ‬لي‭ ‬السماء‭ ‬بلون‭ ‬ازرق‭ ‬زاه‭ , ‬والأرض‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬اصفرارها‭ ‬بدت‭ ‬بلون‭ ‬اخضر‭ ‬يوحي‭ ‬بالأمل‭, ‬شعرت‭ ‬أنّي‭ ‬أطير‭ ‬فرحاً‭ ‬وأحلق‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬صادحاً‭ ‬بالحب‭, ‬تركت‭ ‬الدوام‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬هارباً‭ ‬وكأنّي‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬جوهرة‭ ‬ثمينة‭ ‬أخشى‭ ‬ان‭ ‬يأخذها‭ ‬من‭ ‬يدي‭ ‬أحد‭ .. ‬توجهت‭ ‬إلى‭ ‬علي‭, ‬انتظرته‭ ‬لكي‭ ‬يكمل‭ ‬محاضرته‭ ‬الأولى‭.. ‬

سألني‭ : ‬

‭-  ‬ها‭ ‬طمني‭ ‬ماهي‭ ‬الأخبار‭ ‬؟‭ ‬

قلت‭ : ‬

‭-  ‬سعيدة‭ ‬ومبهجة‭ …‬

قال‭ ‬يمزح‭ :‬

‭-   ‬طبعاً‭ ‬والآن‭ ‬دعنا‭ ‬نذهب‭ ‬فأنا‭ ‬أدعوك‭ ‬على‭ ‬حسابك‭ ‬في‭ ‬المطعم‭ ‬الطلابي

قلت‭ : ‬

‭-  ‬حسناً‭ ‬دعنا‭ ‬نذهب‭ ‬

قال‭ ‬

‭-  ‬وسوف‭ ‬تعزمني‭ ‬على‭ ‬الغداء‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬مطعم‭ ‬ديانا‭ , ‬

فقلت‭: ‬

‭-  ‬حاضر‭ ‬

وأكمل‭  ‬حديثه‭ :‬

  ‬بما‭ ‬أنك‭ ‬فرحان‭ ‬فسيكون‭ ‬شرابي‭ ‬الليلي‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬حسابك‭…‬

قلت‭ : ‬

‭-  ‬اعترض‭ ‬أنا‭  ‬لا‭ ‬اشتري‭ (‬الكحول‭) ‬لأحد‭  .‬

فقال‭ : ‬

‭- ‬أنت‭ ‬لا‭ ‬تشتري‭ ‬ليست‭ ‬مشكلة‭ , ‬آخذ‭ ‬الثمن‭ ‬منك‭ ‬وأنا‭ ‬اشتري‭ ‬يا‭ ‬حبيبي‭, ‬أنا‭ ‬اليوم‭ ‬منشور‭ ‬عليك‭ ‬في‭ ‬المأكل‭ ‬والمشرب‭ (‬فول‭ ‬كورس‭) 

وضحكنّا‭ ‬ضحكة‭ ‬قوية‭ ‬وبدأنا‭ ‬نسير‭ ‬لإكمال‭ ‬الجدول‭ ‬الذي‭ ‬رسمه‭ ‬علي‭. ‬

فجأة‭ ‬قال‭:‬

‭-   ‬دعني‭ ‬انصحك‭ ‬نصيحة‭ … ‬لا‭ ‬تقطع‭ ‬وعداً‭ ‬وأنت‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬نشوة‭ ‬ولا‭ ‬تقرّر‭ ‬وأنت‭ ‬غاضب‭ ‬ولا‭ ‬تثق‭ ‬بثلاث‭ ‬الجو‭ ‬والمرأة‭ ‬والعمل‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تصنه‭ .‬

سألت‭ : 

‭- ‬من‭ ‬أين‭ ‬لك‭ ‬هذه‭ ‬الفلسفة‭ ‬؟‭ ‬

فأجاب‭ : ‬

‭- ‬تعلمتها‭ ‬من‭ ‬الأسرة‭ ‬الإنكليزية‭ ‬التي‭ ‬سكنت‭ ‬معها‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬في‭ ‬كورس‭ ‬تعلمي‭ ‬اللغة‭ ‬الإنكليزية‭ ‬قبل‭ ‬طردي‭ .‬

  ‬استمر‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬مفعماً‭ ‬بالأمل‭ ‬وكان‭ ‬تصرفي‭ ‬محكوماً‭ ‬بحذر‭ ‬شديد‭ ‬ولا‭ ‬التقي‭ ‬بها‭ ‬منفرداً‭ ‬إلاّ‭ ‬نادراً‭ ‬خوفاً‭ ‬على‭ ‬سمعتها‭. ‬واتفقنا‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬وعلى‭ ‬ما‭ ‬تريد‭ ‬وما‭ ‬تخطط‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬بل‭ ‬بدأنا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬العائلة‭ ‬وشكل‭ ‬البيت‭. ‬كانت‭ ‬أمنياتنا‭ ‬لا‭ ‬تسعها‭ ‬أركان‭ ‬منزل‭ . ‬طرزنا‭ ‬حلمنا‭ ‬بأبهى‭ ‬الزينة‭ ‬وتعاهدنا‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬أبسط‭ ‬الأمور‭, ‬نتقاسم‭ ‬لذة‭ ‬الفرح‭ ‬والكفاح‭, ‬كانت‭ ‬تحمل‭ ‬قناعات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتنازل‭ ‬عنها‭ ‬بسهولة‭ , ‬كانت‭ ‬نوعاً‭ ‬فريداً‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬كنت‭ ‬لا‭ ‬أمل‭ ‬الحديث‭ ‬معها‭. ‬يأخذنا‭ ‬المكان‭, ‬ننتمي‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬ويتوقف‭ ‬الزمن‭ ‬أو‭  ‬يمرّ‭ ‬مسرعاً‭ ‬لا‭ ‬يعنينا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يطرق‭ ‬عامود‭ ‬زوال‭ ‬الشمس‭, ‬عندها‭ ‬تعلن‭:‬

‭-  ‬إنّ‭ ‬حكم‭ ‬الوقت‭ ‬أزف‭ ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬أرحل

‭ ‬حتّى‭ ‬أنّي‭ ‬بت‭ ‬أكره‭ ‬موعد‭ ‬الباص‭ ‬الذي‭ ‬يقلها‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬فكرنا‭ ‬بإعداد‭ ‬العدّة‭ ‬لكي‭ ‬أخطبها‭ ‬من‭ ‬أهلها‭ ‬ونتوج‭ ‬ذلك‭ ‬بالزواج‭ ‬بعد‭ ‬أنتهاء‭ ‬الدراسة‭ . ‬أنتهت‭ ‬السنة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬الدراسة‭ ‬ولم‭ ‬يعرف‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬الطلبة‭ ‬عن‭ ‬الموضوع‭ ‬شيئاً‭ ‬سوى‭ ‬تغريد‭ ‬أمّا‭ ‬أنا‭ ‬فلم‭ ‬أخبر‭ ‬أحداً‭ ‬إلاّ‭ ‬صديقي‭ ‬علي‭ ‬إذ‭ ‬كنت‭ ‬أخبره‭ ‬بكل‭ ‬شيء‭ ‬كنت‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬محيّر‭ ‬أسرع‭ ‬اليه‭ ‬وأسأله‭ ‬ويجيب‭ ‬ضاحكاً‭: ‬

‭- ‬بسيطة‭, ‬تصرف‭ ‬هكذا‭ ‬أو‭ ‬هكذا‭. ‬طبعاً‭ ‬لم‭ ‬آخذ‭ ‬بكل‭ ‬نصائحه‭ ‬فهو‭ ‬فوضوي‭ ‬فج‭ ‬وطريقة‭ ‬تعامله‭ ‬مع‭ ‬النساء‭ ‬لا‭ ‬تعجبني‭ ‬حتّى‭ ‬أنّي‭ ‬أتساءل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬ماذا‭ ‬تجد‭ ‬فيه‭ ‬فتيات‭ ‬الجامعة‭ ‬لكي‭ ‬يقمن‭ ‬معه‭ ‬علاقة‭ ‬وماهي‭ ‬دوافع‭ ‬غيرتهن‭ ‬عليه‭ ‬وهو‭ ‬يتصرف‭ ‬هكذا؟‭ ‬أعود‭ ‬وأقول‭ ‬لابّد‭ ‬من‭ ‬سر‭ ‬في‭ ‬الموضوع‭ ‬لكن‭ ‬الذي‭ ‬أعرفه‭ ‬ان‭ ‬روحه‭ ‬تملأ‭ ‬المكان‭ ‬أينما‭ ‬حلّ‭ ‬ويضفي‭ ‬على‭ ‬المكان‭ ‬بهجة‭ ..‬

  ‬وفي‭ ‬السنة‭ ‬الثالثة‭ ‬ازداد‭ ‬أملنا‭ ‬وازداد‭ ‬تعلقنا‭ ‬ببعضنا‭ ‬وبدأت‭ ‬الأخبار‭ ‬تتسلل‭ ‬إلى‭ ‬الطلبة‭, ‬لم‭ ‬أخبر‭ ‬أحداً‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬تفيض‭ ‬وتشرق‭ ‬في‭ ‬عيني‭ ‬وأخفيها‭ ‬جيداً‭ ‬ويلمحونها‭ ‬في‭ ‬إشراقة‭ ‬بصري‭ . ‬بدأت‭ ‬حتّى‭ ‬في‭ ‬عطلة‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع‭ ‬لا‭ ‬أرغب‭ ‬بالسفر‭ ‬إلى‭ ‬أهلي‭ ‬وأفضّل‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنّي‭ ‬التقي‭ ‬بها‭ ‬ولكن‭ ‬أشعر‭ ‬بالاطمئنان‭ ‬أكثر‭ ‬وأنا‭ ‬وهي‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬المدينة‭ ‬نتقاسم‭ ‬نفس‭ ‬الهواء‭ ‬ونتشارك‭ ‬نفس‭ ‬الماء‭ ‬والسماء‭ ‬سلوك‭ ‬مربك‭ ‬لكنه‭ ‬مطمئن‭ .‬وتذكرت‭ ‬أن‭ ‬صوفياً‭ ‬سئل‭ ‬مرّة‭ ‬عن‭ ‬أحب‭ ‬المدن‭ ‬إلى‭ ‬قلبه‭ , ‬فقال‭ : ‬تلك‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬اختطف‭ ‬قلبي

‭ ‬أحدثها‭ ‬دائماً‭ ‬وأقول‭ ‬لها‭ ‬اجعلي‭ ‬بريق‭ ‬عينيك‭ ‬نداء‭ ‬حبي‭ ‬لك‭ .. ‬لكي‭ ‬يفزع‭ ‬الصمت‭ ‬الصاخب‭ ‬الذي‭ ‬قيدنا‭ ‬طوال‭ ‬الليالي‭ ‬التي‭ ‬مضت‭, ‬كنت‭ ‬أكتب‭ ‬لك‭ ‬دوماً‭ ‬ما‭ ‬يجول‭ ‬في‭ ‬خاطري‭ ‬وأحفظه‭ ‬ربما‭ ‬خانتني‭ ‬العبارة‭ ‬أحياناً‭ ‬وأحياناً‭ ‬أخرى‭ ‬وفت‭ , ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لي‭ ‬من‭ ‬سبيل‭ ‬يشعرك‭ ‬بدموع‭ ‬أحرقت‭ ‬وجنتي‭ ‬لحظة‭ ‬تشابك‭ ‬الليل‭ ‬مع‭ ‬الفجر‭ .. ‬

قالت‭ ‬بدلال‭ ‬وشفافية‭ : ‬

‭- ‬كلي‭ ‬بريق‭ ‬وعيناي‭ ‬نورٌ‭.. ‬هل‭ ‬تعلم‭ ‬أن‭ ‬الشمس‭ ‬عندي‭ ‬لا‭ ‬تشرق‭ ‬قبل‭ ‬ابتسامتك؟‭ ‬أنا‭ ‬أحبك‭ ‬وأخشى‭ ‬منك‭ .. ‬أخشى‭ ‬التعلق‭ ‬بك‭ ‬أكثر‭ ‬فأنا‭ ‬أسير‭ ‬نحوك‭ ‬وأتراجع‭, ‬اقاومك‭ ‬بطرق‭ ‬شتى‭ ‬أظنك‭ ‬ألفتها‭ ‬،‭ ‬وأنت‭ ‬أيضاً‭ ‬تخشى‭ ‬التعلق‭ ‬بي‭ ‬حد‭ ‬الشغف‭ ‬لأنك‭ ‬لا‭ ‬تحب‭ ‬الضعف‭ ‬،‭ ‬فتقاومني‭ ‬بطريقتك‭ ‬الهادئة‭ .. ‬وبذلك‭ ‬الصمت‭ ‬المريب‭ ‬أحياناً‭ …‬

قلت‭ : ‬

‭-  ‬لا‭ ‬تخشي‭ ‬من‭ ‬استبدادي‭ ‬فأنا‭ ‬من‭ ‬زرع‭ ‬فيك‭ ‬حب‭ ‬التمرد‭ . ‬

‭ ‬قالت‭ : –  ‬أعي‭ ‬ذلك‭, ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬تلقي‭ ‬السلاح‭ ‬أم‭ ‬نستمر‭ ‬بهذه‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬تقلّب‭ ‬القلب‭ ‬صعوداً‭ ‬وهبوطاً؟‭ .. ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬فيك‭ ‬هو‭ ‬أنك‭ ‬أنت،‭ ‬لم‭ ‬تسع‭ ‬لتكون‭ ‬شخصاً‭ ‬آخر‭ ‬صعب‭ ‬الفهم‭ ‬أحياناً‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬البساطة‭, ‬شجاع‭ ‬بقدر‭ ‬مروءتك‭ ‬ولعلّ‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬فيك‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬لايزال‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬داخلك‭ ‬ويشتاق‭ ‬إلى‭ ‬أمه‭ ‬والآن‭ ‬إلى‭ ‬حبيبته‭ .‬أدركت‭ ‬من‭ ‬أنت‭, ‬أدركت‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬الذئاب‭ ‬التي‭ ‬صادفتك‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّها‭ ‬لم‭ ‬تنل‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬عنفوانك‭ ‬وعزيمتك‭ ‬وإصرارك‭ ‬وهذا‭ ‬لحسن‭ ‬حظي‭ … ‬عزّة‭ ‬نفسك‭ ‬تضاهي‭ ‬حياة‭ ‬الملوك‭…‬

بدأنا‭ ‬نقترب‭ ‬من‭ ‬أنتهاء‭ ‬السنة‭ ‬الثالثة‭ ‬وكانت‭ ‬تردّد‭ ‬كلاماً‭ ‬مفزعاً‭ ‬يثير‭ ‬الأسئلة‭ ‬فقد‭ ‬قالت‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭: ‬

لقد‭ ‬تقدّم‭ ‬لي‭ ‬شخص‭ ‬لغرض‭ ‬الزواج‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أقربائي‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬تجارة‭ ‬العقارات‭ ‬ويملك‭ ‬معملاً‭ ‬للصناعات‭ ‬الغذائية‭ .‬

‭ ‬فقلت‭: –   ‬وأنت‭ ‬ماذا‭ ‬كان‭ ‬رأيك؟‭ ‬

أجابت‭:  ‬أنت‭ ‬تعرف‭ ‬رأيي‭ ‬لن‭ ‬أوافق‭ ‬أبداً‭ ‬ولن‭ ‬أتخلى‭ ‬عن‭ ‬حبيبي‭ ‬فأنا‭ ‬معك‭ ‬أشعر‭ ‬بالأمان‭ ‬والدفء‭ ‬تجاوزت‭ ‬حبك‭ ‬وبدأت‭ ‬أعشقك‭ ‬وأذوب‭ ‬فيك‭. ‬

تكررت‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬مرات‭ ‬وازداد‭ ‬عليها‭ ‬الضغط‭ ‬لكي‭ ‬توافق‭ ‬على‭ ‬الزواج‭ ‬،‭ ‬لسوء‭ ‬الحظ‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تقدّم‭ ‬لها‭ ‬كان‭ ‬ذا‭ ‬إمكانية‭ ‬مادية‭ ‬جيدة‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬ظرف‭ ‬اقتصادي‭ ‬صعب‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬العريس‭ ‬المتمكن‭ ‬مادياً‭ ‬فرصة‭ ‬لامرأة‭ ‬الشرق‭ ‬لأنّها‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬علي‭ ‬تفكّر‭ ‬بالمستقبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الحاضر‭ ‬لأنّها‭ ‬تخشاه‭ ‬وتتوقع‭ ‬الأسوأ‭..‬

  ‬لأول‭ ‬مرّة‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬بدأت‭ ‬علاقتنا‭ ‬تتطور‭,  ‬بدأت‭ ‬أتخوف‭ ‬من‭ ‬الذي‭ ‬يحصل‭ ‬معها‭ ‬كنت‭ ‬أحسب‭ ‬الوقت‭ ‬لكي‭ ‬انهي‭ ‬دراستي‭ ‬وأتقدم‭ ‬لها‭,  ‬وما‭ ‬أن‭ ‬أنتهت‭ ‬السنة‭ ‬الثالثة‭ ‬حتّى‭ ‬ودعتها‭ ‬وكانت‭ ‬اللوعة‭ ‬تطوي‭ ‬قلبي‭ ‬واعتصر‭ ‬قلبي‭ ‬ألم‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬مصدره‭, ‬شعرت‭ ‬بأن‭ ‬لقائي‭ ‬بها‭ ‬هذا‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬الأخير‭ , ‬لا‭ ‬أعلم‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬أتاني‭ ‬هذا‭ ‬الكابوس‭ ‬المزعج‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬صحوي‭ .‬

‭ ‬قالت‭:  ‬أتمنى‭ ‬أن‭ ‬أراك‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬استلام‭ ‬النتائج‭ ‬لا‭ ‬تتأخر‭ ‬سأكون‭ ‬في‭ ‬شوق‭ ‬كبير‭ ‬لك‭ ‬لأنّي‭ ‬من‭ ‬الآن‭ ‬بدأت‭ ‬اشتاق‭ ‬لك‭ . ‬

  ‬سار‭ ‬كل‭ ‬منّا‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬لقاء‭ ‬جديد‭ ‬بعد‭ ‬أسبوع‭ ‬،‭ ‬شققت‭ ‬طريقي‭ ‬وسط‭ ‬جموع‭ ‬الطلبة‭ ‬مودعاً‭ ‬ومازحاً‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬طريقي‭ ‬إذ‭ ‬تربطني‭ ‬بأغلبهم‭ ‬صداقات‭ ‬وعلاقات‭ ‬زمالة‭ ‬،‭ ‬توجهت‭ ‬باتجاه‭  ‬منزلي‭ ‬جهزت‭ ‬حقيبة‭ ‬سفري‭ ‬إلى‭ ‬أهلي‭ , ‬غادرت‭ ‬في‭ ‬صباح‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬أعود‭ ‬بعد‭ ‬أسبوع‭ , ‬لكن‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬المحدّد‭ ‬فجراً‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬أخرج‭ ‬مسرعاً‭ ‬وأسلك‭ ‬نفس‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬أسلكه‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬صباي‭ ‬وإذا‭ ‬بإبن‭ ‬عمي‭ ‬يركض‭ ‬خلفي‭ ‬مهرولاً‭ ‬وهو‭ ‬يلهث‭ ‬ويبكي‭ ‬ويقول‭: ‬

إن‭ ‬أبي‭ ‬قد‭ ‬وقع‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬مغمياً‭ ‬عليه‭ ‬لانعرف‭ ‬ماذا‭ ‬به‭ ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬نأخذه‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭. ‬رجعت‭ ‬راكضاً‭ ‬معه‭ ‬والصياح‭ ‬يملأ‭ ‬المنزل‭ ‬والعويل‭ ‬وكان‭ ‬حارث‭ ‬ابن‭ ‬عمي‭ ‬الكبير‭ ‬قد‭ ‬ركض‭ ‬مسرعاً‭ ‬للاستنجاد‭ ‬بجارنا‭ ‬أبي‭ ‬حسين‭ ‬لكي‭ ‬ينقله‭ ‬في‭ ‬السيارة‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭ ,‬حضرت‭ ‬السيارة‭ ‬ورافقنا‭ ‬عمي‭ ‬وذهبنا‭ ‬معه‭ ‬جميعاً‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭ ‬وأدخل‭ ‬إلى‭ ‬الطوارئ‭ ‬ثم‭ ‬العناية‭ ‬المركزة‭ .‬

وقال‭ ‬الطبيب‭ :‬

إنّ‭ ‬وضعه‭ ‬خطر‭ ‬ويحتاج‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيّام‭ ‬لكي‭ ‬نعبر‭ ‬مرحلة‭ ‬الخطر‭. ‬

      ‬بقينا‭ ‬أنا‭ ‬وحارث‭ ‬عنده‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬نراقبه‭ ‬عبر‭ ‬الزجاج‭ ‬بقلق‭ ‬شديد‭ ‬وكان‭ ‬فكري‭ ‬عند‭ ‬سماح‭ ‬ماذا‭ ‬جرى‭ ‬لها‭ ‬الآن‭ ‬وماذا‭ ‬ظنت‭ ‬بي؟‭.. ‬هل‭ ‬اعتقدت‭ ‬إني‭ ‬تخليت‭ ‬عنها‭ ‬أم‭ ‬ماذا؟‭ ‬،‭ ‬كنت‭ ‬مشغولاً‭ ‬بها‭ ‬كثيراً‭ ‬لكن‭ ‬كنت‭ ‬أجبر‭ ‬نفسي‭ ‬قائلاً‭: ‬

‭-  ‬لا‭ ‬سوف‭ ‬تقول‭ ‬الغايب‭ ‬عذره‭ ‬معه‭, ‬ربما‭ ‬مرّ‭ ‬بظرف‭ ‬وسوف‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬أقرب‭ ‬وقت‭ . ‬

    ‬بقيت‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيّام‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬بعدها‭ ‬أفاق‭ ‬عمي‭ ‬من‭ ‬غيبوبته‭ ‬وبدأ‭ ‬يتحسن‭ ‬وفي‭ ‬اليوم‭ ‬الرابع‭ ‬كنت‭ ‬اتحرق‭ ‬وكأنّ‭ ‬الشوق‭ ‬والقلق‭ ‬يطغيان‭ ‬على‭ ‬قلبي‭ ‬قرّرت‭ ‬أن‭ ‬أطلب‭ ‬من‭ ‬حارث‭ ‬ومن‭ ‬زوجة‭ ‬عمي‭ ‬بأنّي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬أذهب‭ ‬إلى‭ ‬الجامعة‭ ‬لآخذ‭ ‬نتيجتي‭ ‬وأن‭ ‬لدي‭ ‬أعمالاً‭ ‬أخرى‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬أحسمها‭ ‬والتزامات‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬أؤديها‭ ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬اسدّد‭ ‬إيجار‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭.‬

  ‬وقد‭ ‬ردت‭ ‬علي‭ ‬عمتي‭ ‬ولأول‭ ‬مرّة‭ ‬بطريقة‭ ‬شعرت‭ ‬فيها‭ ‬بحنان‭ ‬يتدفق‭ ‬قالت‭: ‬

  – ‬يا‭ ‬ابني‭ ‬كنت‭ ‬تسهر‭ ‬طوال‭ ‬الأيّام‭ ‬الماضية‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬ترتاح‭ ‬يوماً‭ ‬أو‭ ‬يومين‭ ‬وبعدها‭ ‬تذهب؟‭ ‬قلت‭ ‬لها‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬أذهب‭ ‬لكي‭ ‬أعود‭ ‬بسرعة‭ ‬لكي‭ ‬أخرج‭ ‬عمي‭ ‬بعدها‭ ‬من‭ ‬المستشفى‭ ‬وخرجت‭ ‬مسرعاً‭, ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬أخذت‭ ‬بعض‭ ‬الحاجيات‭ ‬والملابس‭ ‬وخرجت‭ ‬متوجهاً‭ ‬إلى‭ ‬الموصل‭ ‬،‭ ‬وصلتها‭ ‬عصراً‭, ‬وجدتها‭ ‬مدينة‭ ‬مقفرة‭ ‬لا‭ ‬أشعر‭ ‬بأحد‭ , ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬لها‭ ‬الرونق‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬أيّام‭ ‬الدراسة‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬طلاب‭ ‬الجامعة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أنحاء‭ ‬العراق‭ ‬والوطن‭ ‬العربي‭ ‬يمنحونها‭ ‬حيوية‭ ‬كبيرة‭ ‬وتكون‭ ‬مدينة‭ ‬حية‭ ‬مفعمة‭ ‬بالأمل‭ ‬وتضج‭ ‬بقصص‭ ‬العشق‭ ‬والحكايات‭ . ‬بت‭ ‬ليلتي‭ ‬في‭ ‬الشقة‭ ‬التي‭ ‬لازالت‭ ‬بعض‭ ‬أغراضي‭ ‬فيها‭ ‬كانت‭ ‬حارة‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬وكانت‭ ‬الكهرباء‭ ‬تنقطع‭ ‬لخلل‭ ‬فني‭ ‬لا‭ ‬أعرفه‭, ‬وكانت‭ ‬متسخة‭ ‬أيضاً‭ ‬وفوضى‭ ‬علي‭ ‬الذي‭ ‬تركها‭ ‬في‭ ‬الشقة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬غادر‭ ‬بعدي‭ ‬بيوم‭ ‬كبيرة‭, ‬مما‭ ‬اضطرني‭ ‬لتنظيفها‭ ‬لكي‭ ‬تكون‭ ‬ملائمة‭ ‬للنوم‭ . ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أني‭ ‬لم‭ ‬أنم‭ ‬جيداً‭ ‬طوال‭ ‬الأيّام‭ ‬الماضية‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّي‭ ‬لم‭ ‬أستطع‭ ‬النوم‭ ‬من‭ ‬شوقي‭ ‬وقلقي‭ ‬عليها‭ ‬ومن‭ ‬الحر‭ ‬الذي‭ ‬عانيت‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭. …‬الليل‭ ‬صديق‭ ‬أنّيس‭ ‬جيد‭ ‬يقربنا‭ ‬من‭ ‬نفوسنا‭ ‬لكنه‭ ‬يثرثر‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬وكثيراً‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬فينا‭ ‬الضغينة‭ ‬ونادراً‭ ‬ما‭ ‬يدفعنا‭ ‬للتسامح‭, ‬إنّه‭ ‬محرض‭ ‬ممتاز‭ ‬يعتريه‭ ‬الجنون‭ ‬أحياناً‭ ‬والشكوك‭ ‬والحيرة‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‭ .‬

  ‬نزعت‭ ‬نفسي‭ ‬من‭ ‬الفراش‭ ‬ووقفت‭ ‬تحت‭ ‬الماء‭ ‬البارد‭ ‬لكي‭ ‬أغسل‭ ‬ما‭ ‬علق‭ ‬بجسدي‭ ‬من‭ ‬أملاح‭ ‬نتيجة‭ ‬الليلة‭ ‬الحارة‭ ‬التي‭ ‬قضيتها‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬إلاّ‭ ‬دقائق‭ ‬حتّى‭ ‬أكملت‭ ‬حمامي‭ ‬وكنت‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬الجامعة‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬فطور‭ ‬اتجهت‭ ‬إلى‭ ‬الكلية‭ ‬أبحث‭ ‬عنها‭ ‬عبثاً‭ ‬لعلّي‭ ‬أجدها‭ ‬أو‭ ‬أجد‭ ‬من‭ ‬يستطيع‭ ‬ان‭ ‬يصلها‭ ‬بل‭ ‬حتّى‭ ‬تغريد‭ ‬المزعجة‭ ‬بكلامها‭ ‬ونظراتها‭ ‬تمنيت‭ ‬أن‭ ‬التقي‭ ‬بها‭ ‬لأعرف‭ ‬أخبار‭ ‬سماح‭ ‬منها‭ .. ‬

سرت‭ ‬باتجاه‭  ‬القسم‭ ‬لاستلام‭ ‬نتيجتي‭ , ‬ووصلت‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬أحد‭ ‬قد‭ ‬وصل‭, ‬انتظرت‭ ‬على‭ ‬الأريكة‭ ‬في‭ ‬الحديقة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بدأ‭ ‬بعض‭ ‬الأساتذة‭ ‬بالوصول‭ ‬واستلمت‭ ‬نتيجتي‭ ‬وكنت‭ ‬ناجحاً‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬أفرح‭ ‬كثيراً‭, ‬كان‭ ‬شعور‭ ‬عادي‭ ‬وسألت‭ ‬الدكتور‭ ‬عاصم‭ ‬عمن‭ ‬نجح‭ ‬ومن‭ ‬رسب‭ ‬ومن‭ ‬استلم‭ ‬نتيجته؟

‭ ‬قال‭:  – ‬أغلب‭ ‬طلبة‭ ‬الجنوب‭ ‬لم‭ ‬يأتوا‭ ‬بعد‭ ‬وكل‭ ‬طلبة‭ ‬الموصل‭ ‬وطلبة‭ ‬الشمال‭ ‬استلموا‭ ‬نتائجهم‭ ‬إلاّ‭ ‬ما‭ ‬ندر‭. ‬حاولت‭ ‬ان‭ ‬أعرف‭ ‬نتيجتها‭ ‬متحججاً‭ ‬بمعرفة‭ ‬نتائج‭ ‬شعبتي‭ ‬وجدت‭ ‬أنّها‭ ‬قد‭ ‬استلمت‭ ‬نتيجتها‭ ‬ولا‭ ‬يملك‭ ‬دكتور‭ ‬عاصم‭ ‬أي‭ ‬أوليات‭ ‬عن‭ ‬وضعها‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬أخذوا‭  ‬نتائجهم‭ ‬،‭ ‬نزلت‭ ‬أسير‭ ‬وعيوني‭ ‬تفتش‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دروب‭ ‬الجامعة‭ ‬تتلاطمني‭ ‬أفكار‭ ‬وهواجس‭ ‬ماذا‭ ‬أفعل‭ ‬وكيف‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أصل‭ ‬إليها؟‭ . ‬فكرت‭ ‬أن‭ ‬أذهب‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬بيتها‭ ‬لكني‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬أين‭ ‬هو‭ ‬بالضبط‭ .. ‬نعم‭ ‬أعرف‭ ‬المنطقة‭ ‬وأعرف‭ ‬أنّه‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬الساحل‭ ‬الأيمن‭ ‬لمدينة‭ ‬الموصل‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬قصر‭ ‬هكوري‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الفرع‭ ‬الثاني‭ ‬خلف‭ ‬القصر‭ .. ‬كانت‭ ‬فكرة‭ ‬مجنونة‭ ‬وجريئة‭ ‬بل‭ ‬طقس‭ ‬من‭ ‬طقوس‭ ‬المراهقة‭ ‬المبكرة‭ ‬لكن‭ ‬وجدت‭ ‬راحة‭ ‬بالاستسلام‭ ‬لها‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬لي‭ ‬أي‭ ‬خيار‭ ‬آخر‭ ‬وقرّرت‭ ‬البقاء‭ ‬ليوم‭ ‬آخر‭ ‬أو‭ ‬حتّى‭ ‬يومين‭ .‬

للرواية‭ ‬بقية‭…‬

مشاركة