الاستبداد تاريخ أم بنية؟ ـ د. حسن حنفي

223

الاستبداد تاريخ أم بنية؟ ـ د. حسن حنفي
عُرف تاريخ العرب والمسلمين بتاريخ الاستبداد الطويل منذ نشأتهم بفضل الدين ككيانات سياسية. صحيح أن لفظ الدولة ورد فى كتب التاريخ منذ الأمويين، الدولة الأموية، الدولة العباسية، الدولة الفاطمية، الدولة الاخشيدية، الدولة الأيوبية، الدولة العثمانية أو دولة الخلافة حتى تبقى أطول مدة ممكنة. فالدولة تأتى وتزول، ولكن الخلافة تبقى الى آخر الزمان. ثم ضعفت الخلافة وقضى عليها كمال أتاتورك عام 1923 لتنشأ الدولة الوطنية على نسق الدول الأوربية بعد انتهاء عصر الامبراطوريات، وانشاء الدول القائمة على العرق أو اللغة. فانتهت الخلافة وبدأ استعمار ممتلكات الرجل المريض بين الدول الغربية، فرنسا المغرب العربى والشام، سوريا ولبنان. وانجلترا مصر والسودان والأردن واليمن والخليج فى صورة احتلال مباشر للأراضى أو زرع قواعد عسكرية فى المناطق الاستراتيجية مثل التل الكبير حفاظا على قناة السويس وعدن والخليج كممرات الى طريق الهند والصين، هونج كونج.
ونشأت كلها دول مستبدة بصرف النظر عن اسمها وشكلها ونوع استبدادها فى نفس الوقت الذى تحررت فيه الدول الغربية من كل أشكال الاستبداد. وكانت المقارنة بيننا وبين الغرب مقارنة فى صالح الغرب. وهى مقارنة ظالمة لأننا نعيش فى مرحلتين تاريخيتين مختلفتين. الغرب فى العصر الحديث، ونحن فى نهاية العصر الوسيط وبداية العصر الحديث. فالفارق بيننا حوالى خمسة قرون. الغرب يعيش عصر ما بعد الحداثة والتفكيك ونحن نعيش عصر الاصلاح الدينى والنزعة الانسانية، لوثر واراسموس. فتاريخنا السياسية هو تاريخ الاستبداد، منذ الفتنة الكبرى مرورا بالسلطان العثمانى حتى الدول الحديثة، من الحجاج بن يوسف الثقفى انى رأيت رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وهو مازال ساريا حتى الآن. وكان الفقهاء، وهم العلماء بلغة اليوم، اما فقهاء السلطان يبررون له ما يشاء، ويشرعون له ما يريد باسم الدين فيأخذوا الخلعة قديما والمنصب حديثا، أو فقهاء الحيض والنفاس الذين لا يتحدثون فيما ينفع الناس بعيدا عن الفقه السياسى، واما فقهاء المصالح العامة الذين يدافعون عن مصالح الناس، ويبينون أخطاء السلطات فيدخلون السجون والمعتقلات وينالون أشد ألوان التعذيب. وقد طرح الكواكبى فى آخر القرن التاسع عشر بطريقة غير مباشرة سؤالا هل الاستبداد تاريخ أم بنية؟ هل هو مجرد تاريخ عرضى أم أنه بنية تتكرر فى التاريخ؟ وهل هى بنية راجعة الى الدين أو الى المجتمع أو الى الذهن؟ ولم يكن العسكر قد ظهروا بعد كقوة سياسية تستولى على الحكم. وقيل أن الكواكبى قد أخذ طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد من المفكر الايطالى الفييرى لما أصبح الغرب رافدا ثقافيا ثانيا للثقافة الاسلامية. وسواء كان مأخوذا من الغرب، وافدا من الآخر، أو نابعا من التراث فان أثره لم يكن كبيرا فى المساهمة فى حركات التغير الاجتماعى أو فى الثورات العربية الأخيرة. أصبح جزءا من التراث الفكرى المعاصر أكثر منه جزءا من حركات التغير الاجتماعى أو الثورات العربية المعاصرة، عسكرية كانت أم شعبية، كما حدث فى منتصف القرن العشرين أو فى العقد الثانى من القرن الواحد والعشرين.
ومع ذلك طرح الكواكبى عدة افتراضات قد يرجع الاستبداد الى فهم خاص للدين. وهو ما يشهد به التاريخ وتكوين المجتمعات الاسلامية. فحتى الآن يسمى بعض الملوك أنفسهم أمير المؤمنين . وتسمى بعض الدول نفسها الهاشمية انتسابا الى بنى هاشم. فالواحد الأحد سرعان ما ينتقل من مجال الدين الى مجال السياسة بحيث يبدو لا فرق بين الله والسلطان فى الصفات فكلاهما فعال لما يريد ، قادر على كل شىء . وينتج عن ذلك تصور رأسي للعالم يضعه بين الأعلى والأدنى وهى بنية المجتمع التسلطى.
وقد يرجع الاستبداد الى الاستبداد القبلى القائم على الطاعة لشيخ القبيلة. وقد ترتبط القبيلة بالدين وتأخذ الدول أسماءها اما من القبيلة مثل آل سعود أو من الدين مثل بنى هاشم. ولا تعنى القبيلة رابطة الدم والنسب والقرابة فقط بل تعنى أيضا القبيلة بالمعنى المعاصر أى الشلة وجماعة المصالج التى تتحول أحيانا الى الحاكم الفعلى وراء الحاكم الظاهرى. وقد يكون الاستبداد اجتماعيا فى مجتمع يقوم على الرئاسة. وهو المجتمع البطريركى أو الأبوى عند علماء الاجتماع ومجتمع سى السيد عند الأدباء. ومظاهره فى تقبيل اليد والانحناء، وتقبيل الوجنتين أو الأنف أو الرأس. كما يظهر فى كثير من الألقاب مثل فخامة، وعظمة، وسيادة، وجلالة، وعطوفة… الخ. يصعب تغييره لتأصل العادات فيه. وكل خروج عليها خروج على المجتمع ذاته. وعندما تتكرر العادات تصبح سلوكا تاريخيا وجزءا من سلوك المجتمع نفسه.
وظهر نوع من الاستبداد هو الاستبداد العسكرى الذى ظهر فى النصف الثانى من القرن الماضى لاستكمال التحرر الوطنى أو التحرر الاجتماعى. فتحولت الدولة الوطنية المستقلة الى دولة استبدادية تعتمد على سلطة الحيش. وتصطدم بباقى القوى السياسية المدنية كالليبراليين والشيوعيين والاسلاميين بالرغم من أن من قاموا بانقلابات الجيوش هم أفراد منهم مثل الضباط الأحرار. وبعد التصفيات فيما بينهم وتركيز السلطة فى يد فريق منهم تحول الفريق الحاكم الى فريق استبدادى خوفا من ضياع السلطة واستلامها من فريق آخر. واستمر الاستبداد العسكرى حوالى نصف قرن أو أكثر حتى قامت الشعوب بثورات تطالب بالحرية والخبز والعدالة والكرامة الانسانية فى تونس ومصر وليبيا وسوريا. وهى مازالت قائمة فى البحرين والأردن والمغرب والسودان على درجات متفاوتة. والنتيجة أن الاستبداد بنية دينية واجتماعية يصعب القضاء عليه الا بتغيير الذهن الذى يرثها ويولدها من جديد. فالله الأوحد فى الدين يولد السلطان وبنيه، الأوحد فى السياسة. فلا فرق فى الحاكمية بين الحاكمية لله فى الدين، والحاكمية للسلطان فى السياسة. فالدين مقدمة للسياسة وتمهيد لها. لا تتغير النتائج اذن الا بتغيير المقدمات. ولا تتغير الأوراق والفروع الا بتغيير الجذور. فهناك تصورات عديدة لله. وكلها لها سند فى النص. فالله كسند للتغير سنده النصى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ . وهو التصور العرضى وليس الطولى، الأفقى وليس الرأسى. هنا يصبح هذا التصور سندا للتقدم كما فعل هردر ولسنج ومعظم فلاسفة التقدم فى العصر الحديث فى الغرب. وفى نفس الوقت تتغير الجذور فى السياسة، من المُخلِّص أو النبى أو الزعيم أى الفرد الى الشعب أى الجماعة. فلا ينتظر الشعب المُخلِّص بل يخلص نفسه بنفسه. كما أن المطلوب هو فك الارتباط بين الدين والسياسة. فكلا منهما يغذى الآخر. وفى مجتمعات متدينة مثل مجتمعاتنا، الدين هو الأساس. وما لم يتغير مفهوم الدين فلن يتغير النظام السياسى. ليس المطلوب القضاء على الدين كما يطلب بعض البلهاء أو جعله علاقة خاصة بين الانسان وربه كما يطلب بعض العلمانيين بل وضع تصور جديد له أو تفسير جديد للنص، وتنشئة رجل دين جديد فى خدمة الناس كما حدث فى المسيحية فى فرنسا فى حركة الآباء العمال . هم رجال دين يعملون وينتجون. فالدين ليس له رجال الا العمال والفلاحين. من يزرع الأرض ومن ينتج فى المصنع. والسياسة ليست مهنة أو وظيفة. لا يوجد سياسيون وظيفتهم السياسة بل هناك من يحقق مطالب الشعب، ومن يساهم فى تكوين قوى الشعب، ومن يعمل على حكم الشعب للشعب. هنا تتفكك البنية وتعود الى التاريخ وحركته. ويُقضى على تكلسها. وهنا يكون للتفكيكية معنى، ليس تفكيك الخطاب بل تفكيك الصور الذهنية والعادات السلوكية. وهذا ما يدفع الشباب لتبنى الماركسية بدرجة أكبر أو الاشتراكية بدرجة أقل أو الوطنية النشطة التى تجعل الوطن هو بؤرة العمل السياسى وليس الأيديولوجيات السياسية.
AZP07