الاخفاء القسري أحياء يعودون جثثاً

197

الاخفاء القسري أحياء يعودون جثثاً
أكرم عبد الرزاق المشهداني
التصريحات الخطيرة التي أدلى بها رئيس البرلمان العراقي السابق، أياد السامرائي، لجريدة الزمان عدد 25 سبتمبر الجاري والتي كشف فيها أن هناك عراقيون أعيدوا الى عوائلهم جثثاً بعد ساعات من اعتقالهم ، تستدعي فتح التحقيق المحلي والدولي بشأن انتهاكات حقوق الانسان في العراق وحالات الاختفاء القسري التي تمارس في العراق بحق الأبرياء بقصد الأبتزاز أو بقصد الانتقام أو التطهير العرقي والطائفي ومن قبل رجال السلطة أو منتحليها، وفي كلتا الحالتين سواء كان الفاعل من الأجهزة الأمنية أو من منتحلي صفتها من المليشيات المختلفة، تبقى مسؤولية الدولة قائمة لأن من أول مهمات أي دولة تحترم نفسها أن تبسط الأمن والنظام وتقمع الاجرام، وتعاقب من يرتكبون الجرائم بحق المواطنين. ولا أعتقد أن المسؤول الأول عن وزارة الداخلية أو عن الأجهزة الأمنية الأخرى يرتضي أن تحصل مثل هذه الانتهاكات أو تمر من دون معاقبة ولا حساب.
الدكتور السامرائي في حديثه الخطير للزمان، أعرب عن قلقه بشأن ما يجري داخل السجون في بلاده من عمليات تعذيب تصل حد الوفاة. وقال السامرائي لـ الزمان ان تعذيب المعتقلين في السجون العراقية اصبح ممارسة يومية شائعة وأن عددا من المطلوبين الذين اعتقلتهم الاجهزة الامنية سلمتهم الى عوائلهم جثثا بعد الاعتقال بساعات من دون ان يذكر مزيدا من التفاصيل. وانتقد السامرائي في تصريحاته موقف البرلمان وقال ان مجلس النواب لم يستدع اي مسؤول امني حول التعذيب والانتهاكات في السجون او مسؤولين في وزارة حقوق الانسان رغم الشكاوى المتكررة من التعذيب في السجون. وشدد السامرائي على ان الاعتقالات تجري لأهداف سياسية ولا يجري التعامل مع ملفات المعتقلين وفق الاطار القانوني.
وقال رئيس مجلس النواب السابق وهو مسؤول عن كلامه بأن سلوك الاجهزة الامنية اصبح أسوأ مما كان عليه قبل 3 سنوات.
وأضاف ان انتزاع الاعترافات تحت التعذيب من المعتقلين انتهاك للدستور العراقي الذي يحرم هذه الممارسات. ودعا البرلمان الى محاسبة المسؤولين الامنيين المسؤولين عن التعذيب في السجون والمعتقلات. وردا على سؤال لـ الزمان حول اعادة معتقلين جثثا الى عوائلهم بعد ساعات من اعتقالهم قال السامرائي ان المسؤولين عن مثل هذه الانتهاكات يجب ان توجه تهمة القتل اليهم. واضاف ان هناك معتقلين آخرين توفوا في المعتقلات بسبب تردي اوضاع السجون وانعدام الشروط الصحية فيها خاصة ان معتقلين يعانون من امراض خطيرة يجري اعتقالهم لفترات طويلة من دون ان توجه أية تهمة اليهم مع غياب الرعاية الصحية.
وحذر السامرائي من أن عمليات الاعتقال ستخلق ردة فعل كبيرة من قبل الاهالي، حين يتفاجأ أهل المعتقل بوفاة ولدهم بعد ساعات من الاعتقال، مما يولد ردود فعل الانتقام تجاه الاجهزة الامنية، وهذا ماكنا نحذر منه. واضاف انه بعد ان تم القضاء على الحواضن التي كان يلجأ اليها الارهاب نلاحظ أن أجهزة الدولة بدأت تعتقل من أسهم في القضاء على الارهاب في بعض المناطق، جراء اعتماد الدولة على عناصر غير موثوق بها، لذا لابد من اعادة النظر تجاه هذه الممارسات الضارة ضد المواطنين. وقال ان من اهم ركائز الاستقرار وجود حسن علاقة بين الاجهزة الامنية والمواطن، فاذا فقدت هذه العلاقة سيلجأ المواطن الى ان يحتمي بالارهاب بدلا من الاجهزة الامنية، وهذا خطأ كبير لذا لابد من تحسين العلاقة بين الاجهزة الامنية والمواطن للقضاء على الارهاب.
وكانت الايام القليلة الماضية قد شهدت وفاة معتقلين داخل السجون العراقية جراء عمليات التعذيب، الذي يبدو أنه قد أصبح ممنهجاً وأسلوباً ثابتاً في التحقيقات التي تجرى في المعتقلات ومراكز الاحتجاز الحكومية المعلنة وغير المعلنة .
ان كلاماً خطيراً صادراً عن رئيس مجلس النواب العراقي السابق، وهو رجل مطلع ومسؤول ويقدّر نتائج تصريحاته، لا يمكن أن يمر دون تحقيق، ويفترض بمجلس النواب، وبالمجلس الأعلى للقضاء، أن يتخذ اجراءات فاعلة بأسرع وقت ودون أي تسويف أو اطالة. فالبرلمان يجب أن يستضيف المسؤولين عن الملف الأمني في البلاد لمناقشة الظاهرة الخطيرة التي أشار لها رئيس البرلمان العراقي. وبذات الوقت يجب أن يفتح القضاء العراقي ملفات التحقيق والتحري في هذه الوقائع التي لا أعتقد أن رجلا حصيفا ومسؤولا مثل أياد السامرائي رئيس البرلمان السابق، وأمين عام الحزب الاسلامي العراقي المشارك في العملية السياسية، لا يمكن أن يطلق الاتهامات جزافاً مالم يكن متيقناً ومطلعاً على التفاصيل.
ان السكوت والتستر من قبل الحكومة، أديا الى استمرار تطاول أبطال التعذيب وتفننهم في أنواع التعذيب الوحشي ضد المعتقلين، لغايات لا صلة لها باتهامات قانونية واقعية، بل بوقائع مفبركة أو بقصد الابتزاز أو بهدف الانتقام الطائفي ليس الا..
كما أن عمليات الاحتجاز العشوائي التعسفي للمواطنين الابرياء وعدم اطلاق سراحهم الا بعد دفع المبالغ الطائلة، لمحتجزيهم، مازالت تشكل حالة موصوفة ومستمرة، وكل يوم نسمع من أصدقائنا وأقاربنا، روايات عن أشخاص دفعوا مبالغ طائلة لقاء اطلاق سراحهم من الاحتجاز التعسفي، كما أن فناني الابتزاز والتعذيب باتوا يتفننون في أساليب الابتزاز وصاروا يستخدمون اسلوب الاستعانة بمحامين لا يمثلون شرف المهنة ولا يصلحون لأداء دور المحامي الشريف في جعلهم وسطاء مع عوائل المحتجزين من أجل دفع المبالغ التي يطلبها أبطال الابتزاز والتعذيب، ويحتفظ الشارع العراقي بالكثير من القصص المأساوية عن مثل هذه الحالات، التي تسئ الى سمعة الأجهزة الأمنية والقضائية والمحاماة التي يفترض بها أنها تشكل مثلث العدالة في البلاد.
الاحتجاز التعسفي، خارج نطاق القضاء، هو جريمة في عداد الاختفاء القسري الذي تجرمه الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي الانساني، ويشكل جريمة ضد الانسانية توجب معاقبة مرتكبيها دوليا وهي جريمة لا تسقط بالتقادم. ويحدث الاخفاء القسري اذا ما قُبض على شخص أو احتُجز أو اختُطف على أيدي عناصر تابعة للدولة أو تعمل لحساب الدولة، ثم تنفي الدولة بعد ذلك أن الشخص محتجز لديها أو لا تفصح عن مكانه، مما يجعله خارج نطاق الحماية التي يوفرها القانون وكثيراً ما يختفي أشخاص ولا يُطلق سراحهم على الاطلاق، ومن ثم يظل مصيرهم في طي المجهول، وقد لا يعرف الأقارب والأصدقاء ما حدث لهؤلاء الأشخاص.
الا ان الأشخاص المختفين لا يتلاشون تماماً، فهناك بالتأكيد في مكان ما من يعرف حقيقة ما حدث لهم، وهناك بالتالي من يتحمل المسؤولية. ويُعد الاخفاء القسري جريمةً بموجب القانون الدولي، الا ان الجناة لا يُقدمون الى ساحة العدالة في كثير من الأحيان.
وتمثل كل حالة من حالات الاخفاء القسري انتهاكاً لعدد من حقوق الانسان، بما في ذلك
الحق في أمن الشخص وكرامته. الحق في عدم التعرض للتعذيب أو غيره من صنوف المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاانسانية أو المهينة. الحق في الاحتجاز في ظروف انسانية.
الحق في احترام الشخصية القانونية والاعتراف بها.الحق في محاكمة عادلة.
الحق في حياة عائلية. الحق في الحياة، اذا ما تعرض الشخص المختفي للقتل.
ويُعتبر الاخفاء القسري انتهاكاً قاسياً لحقوق الانسان على وجه الخصوص، اذ لا يقتصر أثره على الشخص المختفي بل يمتد ليطول أفراد عائلته. وفي كثير من الأحيان يتعرض الشخص المختفي للتعذيب ويظل في خوف دائم على حياته، ويُستبعد من نطاق حماية القانون، ويُحرم من كل الحقوق ويصبح تحت رحمة سجانيه. ويُعد هذا انتهاكاً متواصلاً قد يستمر لسنوات عدة بعد اختطاف الشخص أو اعتقاله. واذا قُدر للشخص المختفي أن يظل على قيد الحياة وأن يُطلق سراحه في نهاية المطاف، فقد يظل يعاني بقية حياته من العواقب الجسدية والنفسية لهذا الشكل من أشكال التجرد من الانسانية وكذلك مما يصاحبه في أحيان كثيرة من وحشية وتعذيب. أما أهل الشخص المختفي، الذين لا يدرون شيئاً عن مصيره، فيظلون في انتظار أية أخبار عنه، وقد لا تأتي هذه الأخبار على الاطلاق، وقد يستمر انتظارهم سنوات وسنوات. ولا يعرف هؤلاء الأهل ان كان قريبهم المختفي سوف يعود يوماً، ومن ثم لا يمكنهم أن يتأكدوا من موته فينعونه ويواصلون حياتهم استناداً الى هذه الحقيقة المرة. وكثيراً ما تتفاقم محنتهم ومعاناتهم من جراء الحرمان المادي، اذا كان الشخص المفقود هو العائل الأساسي للأسرة. وفي بعض الأحيان لا يستطيع الأهل أن يحصلوا على معاش أو أي شكل آخر من أشكال الدعم نظراً لعدم وجود شهادة وفاة للشخص المختفي.
لقد توصل المجتمع الدولي الى اتفاقية دولية بهذا الشأن تدعى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري والتي اعتمدت ونشرت على الملأ وفتحت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 61»177 المؤرخ في 20 كانون الأول 2006، وهي تجرم وتمنع أي تعريض لشخص للاختفاء القسري مهما كانت الاسباب، ولايجوز التذرع بأي ظرف استثنائي أو حالة طوارئ أو مكافحة ارهاب وما اليها من ذرائع للتحجج باستخدام هذا الاسلوب الوحشي من التعامل.
ولأغراض هذه الاتفاقية، يقصد بـ الاختفاء القسري الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون باذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو اخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون.
قد يظن مرتكبو الجرائم ضد الانسانية من تعذيب واخفاء قسري وقتل خارج نطاق القضاء، أنهم في حل من المسائلة، أو أن من يدفعوهم لإرتكاب تلك الجرائم يمكن أن يوفروا لهم مظلة دائمية للحماية والتهرب من المسائلة والعقاب، فليفهموا جيدا ان قواعد القانون الدولي الانساني، سوف تظل تطاردهم ولن تسقط تلك الجرائم بالتقادم ولا بمضي المدة ولا يمكن ان يسقطها عفو حكومي معلن او غير معلن.. فدماء الابرياء لن تذهب سدى.
AZP07

مشاركة