الاحداث عصفت بالموصل والأمل في تماسك ابنائها- نصار النعيمي

1271

 

نصار النعيمي

نصار النعيمي

تُعد العوائل الموصلية كما هي العوائل العراقية جميعها،  الأكثر  تماسكا وارتباطاً ببعضها البعض عبر التأريخ ، ويذكر لنا التاريخ الحديث ان العديد من العوائل الموصلية كانت تسكن في دار واحدة، وخير شاهد على ذلك ما ذكر في الحكايات الموصلية، وجود الجد والجدة والعم او العمة والخال او الخالة يسكنون مع اقربائهم في نفس الدار. وكان الترابط الاسري في اوج عظمته، حيث تسود فيه روح المحبة والالفة.

وشهدت عوائل الموصل انتقالا تدريجيا للفروع عن الاصول، حيث كان الانتقال اولا، لفرع او احد ابناء العائلة الكبيرة بعائلته الصغيرة بأن يشتري او يؤجر دار قريبة من دار ابيه في نفس المنطقة او المنطقة المجاورة لسكن العائلة الاصلية، ليكون قريبا منهم، تلا ذلك الانفتاح الاقتصادي في سبعينات وبداية ثمانينات القرن الماضي، وحصل العديد من الموظفين والعسكريين على قطع اراضٍ من الدولة العراقية مما حدى بهم الى بنائها والانتقال للسكن فيها، فبدأ الانتقال ما بين جانبي مدينة الموصل.

ومثل التماسك الأسري للعوائل الموصلية في العيش قوةً وترابطاً، لعقود مضت، وبدأ ينفك ببطيء بفعل عوامل قسرية خارجية حتى عام 2014 ونستطيع ان نصفه بعام انفراط عقد الأسرة الموصلية، حيث نزحت العديد من العوائل الفرعية من اصولها، لأسباب أمنية أو طلبا للرزق، أو للهجرة خارج البلاد.

والقت مرحلة ما بعد حلول جائحة فايروس كورونا عالميا بظلالها على الموصل بجوانبها الايجابية والسلبية، ورغم مرارتها عالميا ، لكنها اعادت جمع العائلة الموصلية خلال ايام حظر التجول،  تحت سقف واحد مرة اخرى ومنحتهم فرصة جديدة للتالف والترابط ولو مؤقتاً ، حيث لا خروج للعمل ولا خروج لقضاء الحاجات الكمالية او للترفيه او التنزه.

واليوم ورغم بطيء الاعمار وارتفاع نسبة البطالة إلا أن الموصل تشهد عودة طوعية لعدد كبير من العوائل الموصلية من أرض المهجر أو النزوح الى مناطقهم الاصلية في المدينة، فبعد تجربة استمرت لسنوات أيقن غالبية الشباب المهاجر أن لا جدوى من الهجرة الفردية ولاسيما انه من الصعوبة الحصول على لم الشمل للمتزوجين او باقي افراد العائلة في اغلب الدول الاوربية، فعاد عدد لابأس به من الشباب وبدأ صفحة جديدة في مدينته ساعيا لطلب الرزق وتكوين اسرة جديدة. ويوميا نسمع عن مشروع رائد وجديد في عالم الاعمال يبنيه عدد من الشباب العائدين لعموم نينوى.

أما من أستوطن مدن عراقية غير الموصل، فبعد تحريرها زارها لمرات عديدة ويعيش اليوم نصف الاسبوع في مدينته ويكمل ما تبقى في المدن المجاورة مثل محافظات اقليم كردستان. وفقاً لما تحكمه ظروف عمله الجديد أو ظروف سكنه وخاصة العوائل التي تدمرت منازلها، من موظفين ورجال اعمال وتجار وغير ذلك.

أما العوائل التي استوطنت أرض المهجر، فتحاول زيارة المدينة كلما سمحت لهم الظروف، ونسمع من الناس ومن وسائل الاعلام أن بعضهم رغم قرار عدم العودة إلا أنه يساهم في دعم مدينته بالخبرة والمشورة والكثير منهم يجمع المساعدات المالية ويرسلها الى الاقارب، أو الاصدقاء لكي توزع على فقراء المدينة وايتامها، والبعض منهم يساهم في اعادة بناء بعض دور المتضررين الفقراء من اهالي المنطقة القديمة ممن لا يملكون القدرة على بناء وترميم دورهم المدمرة، والامثلة في ذلك كثير.

للموصل عشق في قلوب مواطنيها لا ينتهي ولا ينضب ، ويبقى يسري في عروقهم وتسير الايام وتمضي السنون على أمل ان تنهض من الدمار والخراب، والأمل الوحيد في ذلك هو ابناؤها جميعاً، إذ لا صناديق الاعمار الدولية ولا خطط التنمية الحكومية ولا مساعدات خليجية تعيدها الى الشموخ من جديد من دون أبنائها.

 

 

–اذار- 2021

 

 

 

 

 

 

 

 

مشاركة