الإنعتاق والتدفّق في بيدها تسقيني أكواب البابونج

540

الإنعتاق والتدفّق في بيدها تسقيني أكواب البابونج

علاء لازم عيسى

كتب أندريه موروا في كتابه ((أوجه السّيرة )) ما نصّه : ((العمل الفنّي بالنسبة إلى الفنّان ، قبل أيّ اعتبار آخر ، شيء من الانعتاق . إذ تتراكم لديه خلال مسار حياته عواطف لم يجد لها مخرجًا أو متنفّسًا في إطار الفعل أو الحركة . تنتفخ هذه العواطف في داخله فتملأ روحه حدّ الانفجار ، وعندما يحسّ بالحاجة الماسّة إلى تحرير نفسه يتدفّق العمل الفنّي منه تلقائيًّا ))  . وقد أحسستُ بهذا الانعتاق والتدفّق عند الأستاذ الشاعر كاظم اللايذ عند قراءتي لمجموعته الشعريّة الجديدة ((بيدها تسقيني أكواب البابونج )) ، التي صدرت طبعتها الأولى عن دار أمل الجديدة ، دمشق 2021 ، وقد ضمّت خمسة وعشرين قصيدة شعريّة .

   لغته الشّعريّة

   إنّ اللغة التي استخدمها شاعرنا اللايذ في أغلب ما كتب في هذه المجموعة يمكن أن نطلق عليها أنّها لغة ( تُقال وتقول ) ، حاول الشّاعر من خلالها أن يوصل رسائله ومفاهيمه بعيدًا عن الضّبابيّة والتعقيد والانغلاق قدر الإمكان ، وبالرغم من تركيبة بعض قصائده السّرديّة والاستطراديّة ، لكنه لم يقع في فخّ المباشرة الفجّة التي تحرم قارئ قصائده والمستمع لها من لذة الاندهاش ؛ نعم ربّما استخدم بعض الغموض الشّفاف لكسر حاجز الرتابة ، ولتحفيز ذهن القارئ على متابعة الدلالة ، وهذا ما وجدته في قصيدته ( لا أراه ) التي افتتح بها مجموعته الشعريّة المذكورة  عند استخدامه لجانب غير مرئي ومجهول في حياة الإنسان (( يعيشُ معي / كائنٌ غامضٌ / لا أراه / أُحسُّ بخفقةِ أقدامهِ حين يمشي / وألمحُ أشياءَه ، حين يتركها في الأرائك / يروح ويأتي / ولكنني لا أراه / وما كنتُ أدري  إذا كانت امرأةً / أو مَلاكًا تخلّف عن رهطهِ / أو سفيرًا من الجنّ )) . فهل كان هذا الاستخدام اشارة واعية بتشظّي الواقع ، أم هو رصد لمحاولة غير منظورة لتغييب المعرفة واللاعقلانيّة وحجب الرؤية التي ما بعدها إلّا الضلالة والعمى ، وربّما يوحي الاندماج بين عالم الشاعر المرئي وعالم الكائن المجهول وغير المرئي ، بالرغبة بالتحرّر والانعتاق من القيود القاهرة للعالم الواقعي الظاهري ، وما يحمله من تشوّهات .

  القلق الوجودي

    ومن الظواهر الأسلوبيّة اللافتة في شعريّة الأستاذ اللايذ ، هي هيمنة القلق بمعناه الوجودي الذي ينتاب كلّ الواعين الذين يتحمّلون مسؤوليّات وجودهم الإنسانيّ والمعرفيّ ، والذي يتمظهر بغربة المثقّف الواعي عن واقعه الفاسد ويأسه من المثال والتغيير ، وليس القلق بمعناه اللغويّ الذي يدلّ على الانزعاج وعدم الاستقرار النفسي والمكاني ، أو القلق العصابي الذي يدلّ على اضطراب الشخص النفسي والانفعالي . وهذا ما وضح في قصيدته ( دنانيري الملكيّة ) في قوله (( تذكّرتُ الآن / أنّ الأدويةَ / التي أشتريها من الصيدليّات / وأدفع لقاءَها ماءَ قلبي ، لا تنفع / توجّهتُ إلى سوق العطّارين / حيث البابونج وورد لسان الثور / والقرنفل ودهن العود وثوم الجبل / وحيث التوابل القادمة من الهند / تحقنُ عضلة الهواء بالمورفين / سألتُ عن عبدالجليل العطّار / قال لي رجلٌ معفّر بالكاري : يبدو أنّ ساعة يدك أيّها العمّ / متوقّفةٌ منذ العهد العصملي / لأنّك تسألُ عن رجل / مات قبل خمسين عامًا )). فمجيء الفعل ( أشتريها ) بصيغة المضارع ، وليست بصيغة الماضي ، تدلّ على فساد الحاضر واحتمال بقاء الحال على ما هو عليه بلا تغيير .

 استدعاء الرموز

   وبقيام شاعرنا اللايذ باستدعاء الرّموز الدينيّة والشعبيّة والتأريخيّة والأسطوريّة العربيّة والمحليّة والعالميّة ، مثل : ( صالح عبدالقدّوس ، وواصل بن عطاء ، وعبدالجليل العطّار ، والسّدارة الفيصليّة ، وهند آكلة الأكباد ، وحميد الخيّاط ، وناصر خسرو ، وراسبوتين ، وخرائب إرم ذات العماد ، والحشّاشون وحسن الصّباح ) ، فقد دلّل على ثقافته الموسوعيّة والمتنوّعة ، كما استطاع أن يتحرّك بالقارئ بحريّةٍ بين الماضي والحاضر والمستقبل ، وأن يبعث الحياة ببعض الرموز المحليّة الهامشيّة مثل عبدالجليل العطّار وحميد الخيّاط   وهذا ممّا يحسب له مستقبلًا ، وأن يضع القارئ أمام حشد من المواقف والصّور والتساؤلات تتقابل في علاقات جدليّة فتعمّق مناخ ودلالات القصيدة . ففي قصيدة ( صالح بن عبدالقدّوس في محنته ) استفزّ الشاعر ذهن القارئ حينما اتّخذ من اسم ابن عبدالقدّوس الحكيم المتكلّم والمتصوّف الزاهد ، الذي كان يعظ الناس في البصرة ثمّ أعدمه المهدي العبّاسي سنة 167 هـ بتهمة الزّندقة ، رمزًا من رموزه ، ليشكّل ادانة فاضحة لاستبداد الحاكم وديكتاتوريّته ، والقمع ومصادرة الرأي الآخر والقتل على الشبهة ، وإدانة فاضحة للساكتين من المحكومين أيضًا (( فلماذا لا يأتيني أحدٌ / في ليلي الأكحلِ إلّا أنت ؟ / ألأنّكَ كنتَ وحيدًا / تتلفّتُ / حينَ حُملت إلى بغدادَ بأمرِ السلطان ؟ / ولأنّك كنتَ غريبًا / مرعوبًا / حين ذُبحتَ وعُلّقتَ على الجسر ؟ / لم ينفعْك مقالُك للسلطانِ / بأنّ الحدّ على المسلم يُدرأُ بالشبهاتِ / فلا تقتلني بالشــــــبهة يا مولاي )) ص19.

   الانسجام مع الطبيعة

    وكما أنسنَ شعراء العربيّة القدماء الفضاء والأشياء المحيطة بهم ، فجعلوها تتكلّم وتغضب وتختال ضاحكة كما جاء على لسان شاعرنا البحتريّ ، أنسنَ الأستاذ اللايذ الأشياء والموجودات المجسمة والمجرّدة من الأبعاد ، المحيطة بنا كوسيلة من وسائل الحث للتذكير بقيمة التفكير والنظر والانسجام والإلفة مع الطبيعة وعالم الأشياء . فجعل الطيور المهاجرة (تتفرّج علينا من عَنان السماء ) ص110 ، والسلحفاة ( تراقبُ النهر / وتحسبُ مواقيتَ المدّ والجزر ) ص111   ،   وعندما تساوم الفرنسيّة مدام ديولافوا رجال الكمارك العثمانيين وتحاول رشوتهم لتتجنّب المبيت بالكرنتينة فالسلحفاة (( من تحت ترسها على الطين / ترصد هذه المعصيّة / وتحفظ ما رواه البخاري / في مذمّة الراشي والمرتشي )) ص112 . وبفلسفة رائعة جدًّا استطاع شاعرنا أن يعقد مقارنة بين الضعف الذي جُبل عليه الإنسان ، وبين الحكمة الغريزيّة للحيوان التي يمكن أن يتعلّم الإنسان منها أشياء كثيرة ، فيقول في واحدة من قصائده (( خلقني ربّي من طين / ولكنه منحني مزاجَ الآلهة / إذا أرادوا شيئًا / أن يقولوا له كن فيكون / لم يمنحني صبرَ الجملِ / ولا حكمةَ النملةِ / ولا دأبَ دودة القزّ / ولا هدوءَ مالك الحزين )) ص68 . وقد تضمّنت صيغة الجمع في ( إذا أرادوا شيئًا ) إشارات ودلالات ، لا تخفى على اللبيب ، تشير إلى الآلهة بمعناها العام وليس الله بالمعنى الخاص .

   المدينة البعيدة

   وبعد دعوته للتصالح مع الطبيعة وموجوداتها ، يبقى شاعرنا كاظم اللايذ يحلم بمدينة فاضلة يتصالح فيها الناس مع أنفسهم ومع الآخر ، تعمل بقانون الحبّ والإنسانيّة والمساواة والعدالة الاجتماعيّة وتكافؤ الفرص     (( الناس هنالك بلا أسماءٍ ولا ألقاب / ينامون في الحدائق / ويأكلون سويّةً على فراش واحد / الذئاب فيها تنام مع الغزلان / والصّقور تلعبُ مع الحمائم )) ص101 . فهل يا ترى يتحقّق هذا الحلم ؟ .

   اللايذ والنقّاد

   أخيرًا ، ولد الأستاذ كاظم اللايذ في البصرة في سنة 1946 ، ابتدأ النشر في ستّينيّات القرن الماضي ، عضو اتحاد الأدباء في البصرة ، أصدر ثمان مجموعات شعريّة . كتب عن شعره الناقد جمان حلّاوي فوصفه بقوله : ((  إنّ الشاعر كاظم اللايذ الإنسان هو شاعر المدن وساحر الكلمات ، بل هو شاعر فحل يسحبك للقراءة والتأمّل )) .

 وكتب عنه الناقد مقداد مسعود واخترع لقصائده لقب  (القصيدة السياحيّة ) متمنيًّا عليه أن يجمع قصائد المدن المتناثرة في مجموعاته الشعريّة في ديوان واحد ، أمّا الناقد كاظم صبر البياتي فقد عدّ شاعرنا اللايـــــــــذ من السائرين في ركاب مدرسة السـيّاب الشعريّة .

مشاركة