الإنسان.. مكرم

515

عبدالكريم البليخ

مطلوب أن يصغي الإنسان جيداً، إلى أصواته الداخلية التي تتجمع، وأن يكون هذا الاصغاء من أجل تحسين أسلوب التربية في السلوك الاجتماعي وللتصرف الأخلاقي مع الآخرين، وحتى مع نفسه أيضاً.

وهذا المطلوب يأتي اليوم بعد مرور سنوات طويلة على انتشار نظرية «داروين» التي زعم فيها أن الإنسان والقرد من سلالة واحدة، وأن هناك حلقة مفقودة أو غير معروفة وجعل علماء الإنسان يكتشفون الأسئلة المدببة ضد الإنسان. هذا الإنسان الذي كرمه الله بنعمة العقل، والمنطق والفهم!.

وبعد الأعمال الحفرية التي استمر لأكثر من 28 عاماً وقام بها الدكتور «ليكي»، حسب ما ذكرت الصحف البريطانية إلى أن شكل الجمجمة والأسنان وعظام الساق يشير إشارة واضحة إلى ملامحه وكيفية سيره.. لأن زاوية ارتباط العمود الفقري بقاع الجمجمة يؤكد أنّه كان قادراً على المشي مثلنا. وأهم من ذلك أنه لا يوجد أي دليل على أن هذا المخلوق «الحيوان» كانت له صفات الوحش المعتدي مما يثبت خطأ النظريات الاجتماعية التي بنيت على آراء داروين من أن الصفات العدائية في الإنسان ترجع إلى أجداده القرود!!.

هذه محاولات ومناورات العلماء مع الإنسان، وأصله وحقيقته .

وهذا الخبر بمثابة جرس يعلن انتهاء «حصّة» دراسية، أو بدء أخرى، وأن أربط هذا الخبر بالآراء والشواهد التي سبق للكاتب والصحافي أنيس منصور ، أن تناوله في مقدمة كتابه «الخبز والقبلات»، حيث قال:

«هذا الكتاب يغريك بأن تنظر باحترام إلى كثير من الحيوانات فليست هذه الحيوانات الّا بشراً بلا حياء، وبلا كذب، ولذلك يخجل الإنسان أن يراها أو يحنّ إلى رؤيتها، ولكنه لا يستطيع أن يُغمض عينيه عنها، وكلنا حيوانات عند الخبز والقبلات»!!

فالإنسان تارة ينتقد تصرفاته، وتارة أخرى يمتدح سلوك الحيوانات ليجعل هذا المديح لها صدمة كهربائية لسلوكه.. فأنت تسمع حكايات الوفاء عن الكلب، وحكايات «الجنتلمان»عن الأسد، وحكايات الغدر والمقت عن الذئب!

وأنيس منصور يشير في كتابه: «بعض العلماء يرى أنه لا داعي لأن نبحث عن أصل الإنسان، وإنما أن نتجه إليه هو، فهو عقدة العقد، وأن نستعين بالحيوانات الأخرى على فهمه، ففي داخل الإنسان كل ما حوله من حيوانات أخرى, فهو ثعلب عند اللزوم، وهو ذئب، وهو ثعبان، وهو حمام سلام»!.

لم يكن هذا هو كل الإنسان فهناك عبر التاريخ: المبادئ والقيم، والكفاح، والموت في سبيل العقيدة، والهدف، والشرف، والكرامة.. بمعنى أنَّ الإنسان قد وعى حقيقته في الوجود، وأن الله سبحانه وتعالى قد اختصّه بميزات فريدة تشرّفه، وتعلو به عن مستوى الحيوانية، وأنّ النظريات التي جاءت بعد ذلك، والتي تربط الإنسان بالقرد، أو بالحيوان لا تقوى على الصمود، وعلى اثبات نفسها.

وفي كتابه «الذين هبطوا من السماء» لأنيس منصور، فقد أثبت فيه أصالة الإنسان: «أما الإنسان أصله قرد، وأما أن الإنسان ما زال أصله، ونشوءه من الحقائق المجهولة، والتي يجري وراءها العلماء والباحثون، فكل ذلك ينطوي تحت معنى التشكيك، والضياع التاريخي والنفسي، والروحي».

ولو عاد الباحثون، والعلماء إلى القرآن الكريم لوجدوا المعرفة الكاملة عن قصة الإنسان، وخلقه، وأصله، ومعدنه.. توضيحاً وتفسيراً، وعلماً لا يتعارض مطلقاً مع العلم الحديث، وإنما هو يحسنه ويضيف إليه رؤية صادقة تزرع الايمان في النفس الإنسانية.

يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم «سورة المؤمنون»:

«ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين».

في هذه الآية.. استعراض للمراحل التي يبدأ منها الإنسان، ويتكون ويتجسد وينشأ على هذه الصورة الآدمية، وهذه المراحل لا تتعارض مع العلم، وتدحض كل تخريف!.

النمسا

مشاركة