الإنتماء لدى بطلة رواية الحفيدة الأمريكية – نجاح هادي كبة

423

الإنتماء لدى بطلة رواية الحفيدة الأمريكية – نجاح هادي كبة

الرواية صادرة عن دار الجديد – لبنان ،ط4 ،2016  م بحدود (190)  صفحة من القطع المتوسط والرواية بانوراما (( سير – سردية)) إذ توظف الروائية إنعام كجه جي اسلوب اللقطات السينمائية القصيرة Flish Back  بحدود 36 فصلا (( لقطة …)) بأسلوب شاعري أخّاذ يعكس الصراع النفسي والأنقسام العقلي الذي أصاب العراقيين جراء الشرخ الذي احدثه الاحتلال الامريكي للعراق العام 2003 م ،وقد اتخذت الروائية من شخصية زينة صباح بهنام بطلة للرواية أو تستعين بمهمة الروي على لسان روائية لتسوق الأحداث ،كما اتخذت شخصية ثانوية رحمة شماس الساعور جدة البطلة لتعكس الاختلاف في الرؤى والتفكير حتى بين من تجمعم رابطة الدم لاختلاف ثقافتهما والعمر الزمني وتسوغ الروائية انخراطها كمترجمة في جيش الاحتلال بعوامل سيا – اجتماعية إذ مزقت الهجرة أفراد عائلتها بسبب زلة لسان قد تكون غير مقصودة صادرة من والدها وهو يلقي نشرة الاخبار فتعرض الى الاعتقال والتعذيب فهاجرت الاسرة الى الاردن وتفرقت وانفصل الاب عن الام حتى (( زين)) أخوها صار يطلق عليه جايزن والروائية بذلك تسوغ شخصية البطلة في انخراطها كمترجمة في الجيش الامريكي المحتل على الرغم من الشروخ التي تشعر بها بين حياتها الخاصة والتخوين الذي بدأ يلاحقها ولم تجد غير الهوية والانتماء لوطنها العراق طريقاً تحل به مشكلتها وتخفف من أعباء الصراع النفسي والانقسام العقلي الذي أخذ يعتصرها.

اشارة أخرى عن انتماء شخصية البطلة

من الدوافع النفسية لدى الانسان دافع الانتماء الذي يتشكل عند الانسان نتيجة احساسات بيولوجية من المتعة والألم ومثيرات البيئة واستجاباتها (والواقع انه يتنازع الانسان في أي تجمع بشري جهات انتمائية متنوعة ومتعددة منها ما تتسع دائرته ويتطبع بطابع الكل ومنها ما تضيق دائرته ويأخذ شكل الجزء ،ومقابل تنوع هذه الوحدة الانتمائية تتنوع دوافع الانتماء فقد يكون الدافع الى الانتماء هو الدين والمعتقد وقد يكون الدافع هو الدم او العرق ،وهناك دافع التوافق اللغوي والفكري والثقافي او المهني الوظيفي وثمة دافع الاقليمية والقطرية وغير ذلك من عوامل التجانس والتألف التي تجمع بين الناس للانتماء بين الدوافع الدافعة والمعايير الجامعة ،سلامة بن هذال بن سعيدان ،صحيفة الجزيرة ،على الانترنت،صفحة الرأي . وشخصية بطلة الرواية يتنازعها جهات انتمائية متنوعة ومتعددة تضيق وتتسع في الانتماء المديني والديني والوطني وحتى الأسري.

وحدات الانتماء الضيق لدى شخصية البطلة:

1- وحدة الانتماء الأسري :

البطلة يحركها الاحساس بوحدة الدم مع ذويها ويتمدد هذا الاحساس طبولوجيا ويعمم للانتماء المديني ،ففي سفرة تمتعت بها في بلدتها الموصل تربط جماليات المكان بجمال ذويها ولغتهم ( كان منظر شقائق النعمان مدهشاً في شقوق الصخور. حمراء مثل خدود بنات خالي حين يخرجن من الحمام والماء ينقط من شعورهن الطويلة ،كيف كان لي الا أحب الموصل …… وكل من فيها يتحدث بلهجة جّدتي) ص:12. ثم يتمدد الانتماء باللغة المشتركة الى وحدات أوسع تربطها مع ذويها ( عند الكلام تخرج من أفواه أقاربي كلمات تتدافع وتطقطق بحروف القاف والغين وبالألف الممدودة في النهايات مثل قفلات المواويل ” عمّاه”… “خالاه”… وكآنهم خارجون للتو من مسلسل تاريخي بالفحص عن مروءات سيف الدولة) ص:13.

2- وحدة الانتماء الديني:

لاشك في أن الذاكرة تولّد الرغبة أو النفور فيما تخزن من أفكار وشخصية البطلة تختزن ذكريات دينية بل هي تمارسها كطقوس وتشدها للانتماء الديني وتنعكس مثيرات البيئة الدينية عليها من خلال التربية البيتية التي تمارس الطقوس الدينية فتتأثر بها وتصبح جزء من شخصيتها. (جلسنا إلى طاولة مع عدد من المجندين والمجندات الذين وصلوا حديثاً… غبت عن المكان ،تذكرت عمتي جوزة يوم قطعت شارع الجمهورية زحفاً على ركبتيها. كان شلل الأطفال قد أصاب ابنها ونذرت ان تزحف من ساحة الخلاني الى كنيسة مسكلتا. قرب ساحة الميدان. لعلّ العذراء تشفق عليها وتشفع لابنها الوحيد . وصلت بساقين مسلوختين لكنّها كانت مستبشرة وهي تترك نفسها لمانوش ،حارسة الكنيسة العجوز ،تكمل الطقس كانت مانوش عجوز قصيرة وسمينة،تحمل عدة الشغل معها حيثما تنقلت والعدة… تأتي النساء الى مانوش متوسلات دامعات من التهيب والخشوع تهدّىء من روعهنّ وتضع السلسلة حول رقابهنّ…) ص:116-117. وتكون البطلة وجهاً لوجه أمام الذاكرة الدينية فالروائية توظف اسلوب تداخل الامكنة والأزمنة في القص ( كل شيء تغيرّ في بغداد الا مصاطب الكنيسة ،حتى رائحة البخور لم تتزحزح من مكانها،كأن العود الذي أحرقته بيدي قبل خمسة عشر عاماً ما زال متقداً ،ام أنه العود الذي اشعلته أمي قبل خمسة وثلاثين عاماً؟ الراهبة تخلط بيني وبينها تسميني بتول. بتول انتظريني هنا بتول اركعي هناك ،حاذري العتبة الناتئة يا بتول …) ص:163.  فالعلامات السيمائية الدينية في السرد تشير الى انتماء البطلة للامكنة والازمنة والشخوص بل يصل الانتماء حدّ الذوبان. (لما فرغت من تلاوة كل الصفحات تجاهلت إخبار الام المديرة،بدأت اؤلف ،كل مساء ،نصوصا تشابه في اسلوبها الآيادي الضارعة لكي أقرأها في صلاة الصبح. ليس من السهل التنازل عن السلطة….) ص:165

وحدات الانتماء المتسع لدى شخصية البطلة:

1- وحدة الانتماء الوطني: الروائية تعمق الاحساس بالانتماء الوطني – العراقي لبطلة الرواية من خلال الاحساس بالصراع النفسي والانشطار الذهني فهي مترجمة في جيش محتل لبلدها وهذا الاحساس تعكسه البطلة من خلال الراوي العليم أو بتوظيف اسلوب تيار الوعي على لسان البطلة (لكني أحب،شجني هذا واستعذب نعومه حصاه وأنا أخوض بروحي العارية في ساقيته ،ولا أرغب أن أطرح عبأه عن كاهلي ،شجني الجميل الذي يشعرني بأنني لم أعد امرأة اميركية بل انسانة من منبع آخر،بعيد وموغل في القدم،تطوي اليد على جمرة حكاية تندر مثيلاتها) ص:11  وتصرح البطلة بأنها مع مجتمع الرافضين للاحتلال ((… مررنا برجال ذوي شوارب كثيفة ولباس أبيض يعتمرون كوفيّات ناصعة ،ظهروا من وراء أشجار السرو وراحوا يرمقون رتلنا بنظرات من نار…)ص:14 ،ثم تشير أنها تود لو تلتحم بهم لأنها كما ترى – جزء من انتمائها ( كنت أريد ان أتباهى أمامهم ،سليلة منطقتهم أتكلم لغتهم بلهجتهم وبأن جدي … لكن كل ذلك مخالفاً للتعليمات … والتعليمات تريدني خرساء ،لذلك تضايقت من بزّتي العسكرية التي تعزلني عن الناس ،كأني في خندق وهم في آخر مثل الممثلين … على أن اكون ابنتهم وعدوّتهم في آن واحد …) ص:15. وتلتصق البطلة بأرض العراق ومياهه دجلة والفرات : (أناس يشجعون ويصفقون ويزينون الترجمة ،واناس يديرون الوجوه ويبصقون ويحذرون من خيانة الأرض التي شربنا من دجلتها وفراتها ) ص :17 والبطلة تعمق الصراع النفسي الذي ينتابها بدءً من تقديمها طلب العمل كمترجمة : (قرأت الاعلان وشعرت بمزيج من الهشاشة والحماسة ،ماذا في امكاني أن أقدم لمساعدة بلدي في هذه المحنة بأي وسيلة تخدم مهاجرة مثلي ،لا حول لها ولا قوة دولة أمريكا العظمى) ص:20 ،وتتوغل البطلة بعيداً في الذوبان الصوفي بعراقيتها من خلال اللغة والأسرة ( لم اسمع والدتي تتحدث بغير اللهجة العراقية في البيت رغم ان أبي كان يريدنا ان نتعلم أيضاً الآشورية ،لغته الأم أما الانكليزية فظلت لغة الشارع… آه من أمنيات السيدة بتول وعنادها ومشاحناتها مع أبي ،أليس هو صاحب الفضل في لغتي … هذه الجوهرة التي أتباهى بها معلقة حول رقبتي؟) ص:21-22. لكن الانتماء الوطني – العراقي يولد لدى البطلة الصراع النفسي فترى نفسها وقد تلبست شخصيتين ،شخصية وطنية –  عراقية وشخصية امريكية تحاول ان تنتقض وتخلع تشبتها بها (رغم حماستي للحرب اكتشفت أنني أتالم ألماً من نوع غريب يصعب تعريفه ،هل أنا منافقة أمريكية بوجهين؟ أم عراقية في سبات مؤجل مثل الجواسيس النائمين المزروعين في أرض العدو من سنوات) ص :23 وتحاول البطلة ان تخفف من ثقل تأنيب ضميرها باللجوء الى الانتماء الديني مكللاً بالانتماء الوطني – العراقي (لماذا أشعر بالاشفاق على الضحايا وكأنني تأثرت بالام تيريزا شريكتي في اسم القديسة شفيعتي؟ كنت أنكمش وأنا أشاهد بغداد تقصف وترتفع فيها أعمدة الدخان بعد الغارات الامريكية ،كأني أرى نفسي وكأني احرق شعري بولاعة سجائر أمي ،أو أخز جلدي بمقص اظافري أو أصفع خدي الايسر بكفي اليمنى) ص:23-24.

ولا بد من أن أشير الى ان الروائية على لسان البطلة قد عمقت الاحساس باللحمة الوطنية من خلال علاقات اختلاط دم الاعراق بين الطوائف الدينية والأثنية فمهيمن أحد شخصيات الرواية ابن طاووس الخادمة كان أخوها بالرضاعة ،من مدينة الصدر ينتمي الى احدى التنظيمات الدينية (( جيش المهدي)) أما هي فآشورية وأمها كلدانية (كيف كان جدي قومياً وهو المسيحي الكلداني؟) ص:86 وجدها لامها عربي (هذا أشوري أش جابو على العرب ؟- آشوري – بلوشي ،برتكيشي… أريده ولن اتزوج غيره ) ص:128 ،كما عمقت الروائية على لسان البطلة الانتماء الوطني العراقي من خلال توظيفها سيل من الامثال والاغاني والعبارات والتراكيب والمفردات الشعبية العراقية من امثلة وازمنة مختلفة.

2- وحدة الانتماء الانساني:

يقول أمين معلوف: (ودون التمادي في التعميم ،أرى أنني اتقاسم مع كل كائن بشري بعض الانتماءات المشتركة ،ولكن لا انسان في العالم يشاطرني انتماءاتي كافة) الهويات القاتلة،ترجمة نهلة بيضون ،دار الفارابي ،لبنان – بيروت ،ط 4 ,2016 ،ص:31 وعود على بدء ،قال الامام علي (ع) الناس صنفان أما أخ لك في الدين او نظير لك في الخلق).

تعكس بطلة الرواية الروح الانسانية تجاه الارواح التي زهقت سواء آكانت عراقية ام غير عراقية ،فالموت يوحد البشر ويقرّب  بينهم على الرغم من اختلاف ولاءات الانتماء ،جاء على لسان بطلة الرواية (ريجينا كما ينادونها ،تأتي نهار كل أحد الى هذا المكان تفرش وشاحاً على الحشائش وتتربع عليه لتكتب رسائل الى إريك هيرزبيرع ولدها المدفون تحت الشاهدة ،واحدة من آلاف الشواهد البيض المتشابهة المصفوفة على مد النظر في القطاع الرقم (60) من المقبرة ،تحت كل منها يرقد مجنّد قتل في حرب العراق) ص:136 ،هذا المنظر استفز البطلة وجعلها تشعر بألم تجاه الأخر وليتوحد الرأي المحز للألم تجاه القتلى من العراقيين وغيرهم (لم تجد جينا ما تقول لمحرر الجريدة الذي تطفل على هدوء لوعتها ،كانت دمعتها قطرة في بحر المقبرة ،لعل الزائرات الأخريات أكثر منها فصاحة) لكنه أصر على سماع رأيها هي ،اخبرته أنها تتعاطف مع أحزان الأمهات العراقيات ،ترى صورهن في نشرات الأخبار يرتدين العباءات السود ويبكين أبناء قتلوا في شوارع بغداد) ص:136.

ولابد من أن أشير الى آن الروائية انعام كجه جي استطاعت ان تحافظ على الوحدة العضوية للرواية من خلال تسلسل الضمني لأثر البيئة في خلق انتماءات البطلة ،البيئة الاسرية ،البيئة الدينية ،البيئة الوطنية العراقية ،البيئة الانسانية التي ولدت الرواية.

{ اكاديمي وناقد

مشاركة