الإقتصاد العراقي بين فايروس يكتسح ونفط ينتكس –  كوفند شيرواني

1232

 

 

 

 

الإقتصاد العراقي بين فايروس يكتسح ونفط ينتكس –  كوفند شيرواني

افة البلدان في أرجاء المعمورة عرضة للازمات الاقتصادية التي قد تحل في أي زمان ومكان، فهي كالكوارث الطبيعية لايمكن التنبوء بحدوثها، وهي حتمية لاتستثني بلدًا مهما علا شأنه أو صغر. تتسم الازمات في الاقتصاد العالمي بانها متكررة و دورية، وتحصل لأسباب متباينة، منها ما حصل في السنوات 1987 و1997 2008 وغيرها.

وفي كل مرة تحل فيها الأزمة، سيردد الجميع الاسئلة ذاتها، لماذا تحصل؟ ومتى تحصل؟ ومن المتضرر منها؟

تصيب الازمة الأقتصادية بلدا ما عندما يطرأ تباطؤ مفاجئ في الاقتصاد بسبب انخفاض في الناتج المحلي الاجمالي، نقص السيولة النقدية، ارتفاع الاسعار وغيرها. وقد يكون من اسبابها الكوارث الطبيعية كالزلازل والبراكين والفيضانات والاعاصير وانتشار الحشرات. ألامر المثير للأهتمام في الازمة الاقتصادية العالمية الحالية ان أبطالها فايروس كورونا القادم من وراء سور الصين العظيم، وبرميل النفط الذي هبطت اسعاره بشكل جنوني يصعب تبريره.

الازمة الحالية هي ثاني أزمة يلعب فيها النفط دوراً (اضافة الى فايروس كورونا)، والمرة الاولى كانت في سنة 1973 حين قررت الدول العربية الاعضاء في الاوبك مقاطعة الولايات المتحدة ودولا أخرى نفطيا لأنها أرسلت السلاح الى اسرائيل ابان حرب تشرين في العام ذاته.

كارثة أم أزمة ؟

الكثيرون لا يفرقون (ولهم العذر) بين المصطلحين (أزمة) و (كارثة) ، والصواب ان الاول، يشير الى الاقتصاد وتباطؤه، والثاني يوظف للأشارة الى الاحداث الطبيعية القاهرة كالزلازل والبراكين وغيرها، وقد تكون المبالغة في تصوير اثار الازمة دافعاً للبعض لتفضيل مفردة الكارثة لوصف أزمة اقتصادية بالغة التأثير ألمت ببلد ما، والعكس غير صحيح، فليس مألوفا أن توصف ظاهرة طبيعية بأنها أزمة عوضا عن كارثة.

الازمة سببها النفط

القصة المتداولة بتكرار في وسائل الاعلام، ان انتشار فايروس كورونا في الصين في بدايات شهر ديسمبر 2019  والانكماش الاقتصادي الناجم عنه والمتمثل باغلاق العديد من المصانع ومرافق الانتاج الصناعي مما ادى الى انحسار الطلب الصيني على النفط بمقدار 3 ملايين برميل من طلب سابق وصل الى 11 مليون برميل يومياً. أدى ذلك الى زيادة المعروض من الخام في سوق متخمة  أصلاً بمعروض فائض من النفط هبطت بالاسعار بمقدار 9 بالمئة الى بداية شـــــهر آذار الحالي. وفي اجتماع مجمــــوعة الاوبك بلس، الذي عقد في 2020/3/6  لذي عقد لحماية اسعار النفط من المزيد من الهبوط، تقدمت السعودية بمقترح لتخفيض الانتاج بقدر 1.5  مليون برميل ، يضاف الى تخفيض سابق معمول به وقدره 2.1  مليون برميل ، ليصبح اجمالي التخفيض في انتاج الاوبك وعدد من المنتجين المستقلين من خارج الاوبك وفي مقدمتهم روسيا، 3.6 مليون برميل في اليوم الواحد. غير ان روسيا اعترضت على المقترح السعودي بذريعة ان تأثير الكورونا غير مؤكد على أسواق النفط وان التخفيضات السابقة وارتفاع الاسعار لم تكن في مصلحة الاقتصاد الروسي، وان الشركات الامريكية المنتجة للنفط الصخري (تحقق ارباحا مقيدة باسعار مرتفعة للنفط لاتقل عن الـ 50  دولارا للبرميل) تحركت بسرعة واستحوذت على الكميات المخفضة من حصص دول الاوبك و روسيا. ولهذه المبررات، انسحبت روسيا من الاتفاق السابق برمته. وكان اتفاق مجموعة الاوبك بلس قد ابرم في نهاية 2016  وكان له فضل الابقاء على مستويات تخطت الـ 50  دولار للأعوام 2019-2017، لتصل الى عتبة الـ  60  دولار في أواسط 2019  لينتهي أمد الاتفاق في نهاية آذار 2020 . وفي ختام الاجتماع اعلنت منظمة الاوبك اطلاق سقف الانتاج لكافة الاعضاء وايقاف العمل بنظام الحصص الذي يعد أهم انجاز للمنظمة منذ العام  1983 بعدها أعلنت السعودية خطتها لرفع انتاجها الى 12.3 مليون برميل لشهر ابريل   2020  بعدما كان 9.7  مليون برميل لشهري يناير و فبراير للعام ذاته. بعدها بايام وفي يوم الاثنين3/9 ( الذي وصف بالاثنين الاسود) هبطت الاسعار الى 33 دولار لخام برينت و 30  دولار لخام تكساس وأستمر التدهور الى 30 دولار يوم 3/16  لتستقر عند 25 دولار يوم 3/19 وهو أدنى معدل منذ العام 1991  ويصبح بذلك اجمالي الهبوط، قرابة 70بالمئة من الاسعار خلال أقل من ستة أشهر. وربما يستمر النفط في الانحدار بعد وقت كتابة هذه السطور. بذلك تكون دول الاوبك ومعها المنتجين المستقلين قد دخلت أزمة اقتصادية غير مسبوقة لاتعرف تداعياتها في مقبل الايام. الامر الذي عمق هذه الازمة انها حلت متزامنة مع تفشي فايروس كورونا الذي اطلق الازمة منذ بداياتها ليصبح بعد ثلاث أشهر من ظهوره وباءاً عالمياً .

آثار الازمة على دول الاوبك

لاريب ان انهيار اسعار النفط سيؤثر على اقتصاديات دول الاوبك، وان كان بنسب متفاوتة اعتماداً على نسبة ارتباط اقتصادياتها على عائدات النفط وعلى وجود موارد أخرى غير نفطية. بعض الدول سيعاني استمرار العجز المالي الذي أمتد لسنوات في موازناتها. غير أن دولاً كالسعودية والامارات العربية سيكون بمقدورها ان تعوض جزء من خسائر ايراداتها عن طريق زيادة الانتاج، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر اغراق السوق بوفرة تقود الى زيادة الهبوط في الاسعار، الا ان احتياطاتها النقدية ستكون ذات فائدة جمة في المطاولة وتخطي الازمة. غير أن دولاً كالعراق وانغولا ونيجيريا التي لا تمتلك احتياطات نقدية كبيرة، ستواجه ضغوطاً مالية حادة تلحقها ضغوطاً اجتماعية.

 العراق اكبر المتضررين

يتوافق الكثير من خبراء الاقتصاد والطاقة بأن أزمة النفط الحالية هي أزمة عالمية، ليس لأنها تصيب النفط عصب الصناعة والتجارة وحسب بل وستخلق ركودا في الاقتصاد العالمي و خسائر فادحة تتوالى في البورصات وأزمات مالية تستشري في سائر بلدان العالم المنتجة  للنفط والمستوردة له على حد سواء. العراق سيخسر من انهيار أسعار النفط ما يزيد عن 32  مليار دولار من عوائده النفطية (عند اعتبار سعر 30  دولار وهو سعر متفائل لبرميل النفط)، هذا بدون احتساب كلف التصدير واجور شركات النفط الأجنبية. وعند اضافة هذا الرقم الى العجز المحتسب في موازنة العام 2019 ( والبالغ 19  مليار دولار) سيصبح العجز المتوقع للعام 2020  لايقل عن 51  مليار دولار، تمثل قرابة  50 بالمئة من الموازنة. ومع عجز بهذا الحجم، سيتعين على الحكومة العراقية الجديدة اعادة صياغة موازنة العام 2020 وفق الاسعار المستجدة للنفط العراقي، والارجح ان تقلص الحكومة أغلب (وربما كل) الموازنة الاستثمارية. أما الجزء التشغيلي للموازنة والذي يضم الرواتب والاجور (تمثل  67 بالمئة من الموازنة حسب تصريح وزير المالية العراقي) ونفقات الخدمات الأساسية وتشغيل المؤسسات والمصالح العامة ستكون هي الاخرى عرضة لبعض الاقتطاعات المحتومة.

وثمة اسباب عدة تجعل العراق الاكثر تضرراً (من بين دول الاوبك) من الازمة الاقتصادية الحالية :

1-العراق هي الدولة الاكثر اعتماداً على النفط مقارنة بدول اخرى منتجة للنفط، حيث تشكل الايرادات النفطية 90-93 بالمئة من الموازنة العامة، في حين تبلغ هذه النسبة في السعودية 65 بالمئة  وفي روسيا 37 بالمئة. كما ان سعر التوازن (سعر البرميل التي يوفر توازن النفقات والايرادات) يبلغ 60 دولار للبرميل وهو يزيد عن ضعف السعر الحالي للنفط، وهذا يفسر العجز الهائل المتوقع في موازنة العام الحالي 2020.

2-استمرار الازمة السياسية والفراغ الدستوري الناجم عن تأخر تشكيل حكومة جديدة تضطلع بمعالجة الاوضاع المتردية في قطاعات الدولة ونشاطاتها التي تراجعت بشدة مع استمرار التظاهرات (ثورة اكتوبر) لأكثر من ستة اشهر و سببت تعطيل شبه كامل للمؤسسات التعليمية والأقتصادية، والعديد من المصالح العامة والخاصة.

3- التحديات الامنية لاتزال قائمة بوجود خلايا وجيوب ارهابية لتنظيم داعش لاتزال نشطة وتشكل تهديداً في اماكن متعددة في وسط البلاد وشمالها، وكذلك المواجهات العسكرية وتبادل القصف بين فصائل مسلحة (مليشيات) تستهدف معسكرات للجيش العراقي تضم قوات للتحالف الدولي المساند للعراق في مواجهة الارهاب. هذه التحديات الأمنية تجعل من الصعوبة التفكير في تقليص النفقات الدفاعية والتسليحية التي تستنزف جزءاً كبيراً من الموازنة لسنوات طويلة. يضاف الى ذلك النفقات المستجدة للمؤسسات الصحية في الوقاية ومكافحة انتشار فايروس كورونا في العراق.

4- لايمتلك العراق، وبخلاف العديد من الدول المصدرة للنفط، صندوقاً سيادياً ـ يعين الدولة في تمويل مشاريع الاستثمار أو في مواجهة الازمات والطوارئ، وقد أنشأت الصناديق السيادية في العديد من الدول (روسيا، السعودية، الامارات، النرويج، الكويت) وتحت مسميات مختلفة، وكان العراق سباقاً في هذا المجال، فأول صندوق سيادي في المنطقة (وربما في العالم) تأسس في العام 1950 بأسم (صندوق مجلس الاعمار) وكان له الفضل في تمويل الكثير من المشاريع العملاقة كالسدود والجسور والمعامل وغيرها، وذلك ابان الحكم الملكي ، وقد اكتمل تنفيذ بعضها بعد قيام الجمهورية عام 1958

معالجات مقترحة

يتعيين على الحكومة الجديدة أن تعجل في تشكيل غرفة ادارة الازمة  أو (غرفة عمليات) (ان لم تكن قد تشكلت بالفعل) ترتبط برئاسة الوزراء وتتفرغ لمعالجة أزمتين في الوقت ذاته، أزمة تفشي الكورونا والازمة الاقتصادية. الشق الاقتصادي من الازمة يستوجب العمل على اعادة صياغة الموازنة العامة للعام 2020 وقانونها بشكل يعالج النفقات الهائلة لبعض الهيئات والمؤسسات الحكومية، مع تفعيل أجهزة الرقابة المالية لضمان حسن ادارة الموارد وتلافي الهدر والتلاعب فيها. قد تفلح القروض الخارجية لسد جزء من العجز الكبير، غير انها ستعمق المديونية العامة والتي تجاوزت 120 مليار دولار. قد ينصح البعض من الأفادة من الأحتياطي النقدي في البنك المركزي العراقي، لكن ذلك سيحرم البنك من الحماية التي يوفرها لسعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار ألأمريكي.

وعلى المدى البعيد، ومن المهم بمكان، العمل بجد على اعادة هيكلة (هندسة) الاقتصاد العراقي وفق فلسفة و رؤية جديدة تعمل على تجاوز النمط الريعي المرتكز على النفط بشكل شبه كامل، واعتماد سبل تنشيط القطاعات الاقتصادية الاخرى كالزراعة والصناعة والسياحة. هذه الحلول / المقترحات لم تبتدعها هذه المقالة البسيطة، فمضمونها متكرر في دراسات وتقارير عديدة رفعت سالفاً الى الحكومة العراقية و وزاراتها من قبل اكاديميين وخبراء في الاقتصاد والتخطيط، لكنها، وكما يبدو، لم تلق الاهتمام الكافي ولم تفعل في برامج الدولة وخططها.

وفي هذا السياق، يشتكي الكثير من الخبراء والاكاديميين العراقيين من الفجوة الكبيرة القائمة، ومنذ العام 2003  بينهم و بين جهات اصدار القرار في رئاسة الحكومة و وزاراتها، الامر الذي جعل أغلب (ان لم يكن كل) الحكومات السابقة تفشل في معالجة المعضلات السياسية والادارية والاقتصادية في البلاد، معضلات حلولها بديهيات وأبجديات تزخر بها كتب علوم الاقتصاد والمالية وادارة الاعمال. وقد وصف رجل أعمال عربي ذائع الصيت الوضع الراهن للمنطقة بغير المطمأن، وقد يقود العالم الى حرب كونية ثالثة بدأت ملامحها على شكل أزمات اقتصادية ومواجهات عسكرية صغيرة هنا وهناك، وأضاف أن أزمتي فايروس كورونا و حرب أسعار النفط اللتان تهددان حياة الانسان وقوته وأمنه هما قبل كل شيء أزمة انسانية. نتفق مع أقوال هذا الرجل التي تنم عن الحكمة ورجاحة العقل ونعتقد ان الرجوع الى انسانيتنا والى الحوارالمتحضر بيننا كافراد ودول، بعيدا عن أطماع السلطة والمال، كفيل بحلحلة كافة معضلاتنا التي خلقناها بايدينا.

مشاركة