الإغتراب – قاسم المعمار

580

قصة قصيرة

الإغتراب – قاسم المعمار

  • على مدى ثلاثة عقود امضاها تائها في ظلمات الحياة تعتصره صراعات نفسية لشضف العيش ماكانت في حسبانه ان يغادرها يوما الا ان هوس هجرة ابناء جلدته  الايرانيين الى العراق حباً وتقرباً للسكن جوار مرقدي سيدنا الامام الحسين واخيه العباس عليهما افضل السلام في كربلاء المقدسة … حينها حمل طفله برفقة زوجته راحلاً الى اقرب بقعة فكانت مدينة الهندية موطأً لقدمه الثابت معتاشاً لقوته اليومي حمالاً في اسيافها وعلاوي تمورها آبان الاربعينات من القرن المنصرم والتي احتضنت بعد الحرب العالمية الثانية وقبلها سنوات ما بعد الاولى موجات بشرية من الديانات الاسلامية والمسيحية واليهودية في تألف اجتماعي جيد …
  • فلقد خانته ملكة العمل حينما كان في طهران صانعاً لدى احد معاونيه (الاسكافي) الذي بخل عليه تعليمه اسرار مهنته ولكن هنا وبمرور الزمن ورغم قلة معرفته البائسة ركز اهتمامه ومجازفته الاشتغال بهذه المهنة وبتشجيع من احد وجهاء المدينة الميسورين المحبين له اشترى صندوقاً محمولاً يضم مستلزمات عمله في الترقيع والصباغة .. وهذا العمل واتقانه قد اخذ منه وقتاً وجهداً طويلاً .. خاصة وهو المعروف بضعف البنية وغور العينين وقصر القامة… متلعثم الحديث عربيته مفعمة بجذور فارسية اللكنة له ولداً اسمه رشيد تلميذ في الابتدائية في اواخر الخمسينات كان من اصدقاء الطفولة المقربين لأحمد .
  • وهذا الاسكافي فيما قد تحسنت اوضاعه المعيشية مما اتخذ ركناً منزوياً في جادة السوق الكبير لهذه المدينة واشتهر اقتران اسمه بكنيته المهنية وهكذا بدء يألف الحياة وطباع وتقاليد واعراف اهلها واصبح محبوباً ومحترماً يتودده الجميع المهنئين للافراح منصباً على عمله لايتدخل في شؤون الناس بعيداً عن البسبسة والذميمة مستقيماً حتى في تربية عائلته .
  • احمد تلميذ صديق رشيد لديه خصلة طريفة وغريبة حيث كان يتردد السوق ظهيرة كل يوم لمشاهدة هذا الرجل الاسكافي بكل شغف ورغبة جامحة وهو يراه يفتح (السفرطاس) بطبقاته المعدنية الثلاث لحفظ طعام الغذاء مع ملحقات التمرد واللبن وهو يأكل بشكل ملفت للنظر لا يصدق دقائق لا تحسب وينتهي كل شيء وهو الواقف الهوينا  بالقرب من محله مستأنساً بهذا المنظر وحينما يقع بصر الاسكافي عليه ينطق بوتوتة . أخرتك يابني هات ماعندك لاصلاحه الا ان صاحبنا يستدرك الموقف بالاعتذار والانسحاب كي يعود الى البيت ليكرر ذلك في اليوم التالي .
  • كانت هنالك روزنامة للتقويم اليومي في محله حافلة بالمناسبات الدينية والرسمية اعتاد هذا الرجل عصر كل يوم خميس ان يؤشرها لزيارة كربلاء المقدسة وتأدية مناسك هذه الشعيرة الدينية والعودة منها بعد صلاة الفجر وهو مرتاح النفس ومطمئن البال لحلمة المتحقق … حتى هذه الملاحظة لم تغيب عن ذاكرة احمد وهو يرويها لصديقه رشيد اثناء لقائهما بعد فراق سنوات طوال … كما استهوته قدرة الاسكافي في وضع كمية من المسامير الصغيرة في فمه ثم يسحب واحدا بعد الاخر للترقيع دون سهو في ابتلاعها وهو متواصل الحديث والمعاملة مع الزبائن ..
  • لحظات وجوم _
  • لم يكن في خلد الشعوب المسالمة موضوعية التهجير والترحيل من ارض الله الواسعة سوى همجية الساسة فيها رغم عوامل الاستقرار والتزاوج والتجنس واداء خدمة العلم والدفاع عن وحدة وسيادة الوطن المشتركة بين الفئات حيث صدر قرار الترحيل المستهجن في اعادة العوائل الايرانية الى بلدهم رغم تأدية كل التبعات القانونية الحقوقية عليها اسوة بالمواطنين العراقيين حيث طبق هذا الاجراء ولم تسلم منه سوى مجاميع من العوائل والافراد الايرانيين المقيمين في العراق ومنها عائلة هذا الاسكافي التي باتت تحيطه مخاوف مفاجئة في عدمية بقائه فكيف … وهو الذي استقر وزوجته واولاده وبناته اللاتي تزوجن من ابناء البلدة مما آلم به المرض والخوف الذي رافقه منذ قيام ثورة14تموز 1958 على النظام الملكي ومجيء نظام جمهوري الذي صار اكثر توجساً ويتعاقب الحكام وهم يلوحون بدق ناقوس الحرب واسترجاع الحقوق رغم ما تخللت سياستهما نوعاً من التجاذب والصفاء المصلحي المتذبذب حتى اصبح صاحبنا طريح الفراش والموت السريري البطيء ابان السبعينات …
  • في هذا الوقت أسرت حياة هذا الرجل هواجس وآهات مخيفة لما سيسلم به جراء شمولهم بقرار الترحيل بعد ان امضى سنوات طوال في العراق … ملامح هذا الهوس ارتسمت على سلوكيته لا يدري ماذا يفعل بعد ان تضاربت وتصاعدت الشائعات والحقائق لهول هذا الاجراء وتبعاته كان يصرخ اثناء عمله رحماك يارب نرجو فيض عطفك ورحمتك وكرمك واطفاء نارك بنورك العظيم ..
  • هنا يطل فجأة احمد حاملا شربة لبن بارد … شكرا ياولدي بارك الله فيك… يالك من صبي يافع العمر وقبل ان يستدر احمد استدرك اهانة هذا التعبير غير المقصود لشخصيته قائلا لا يا عمي انا رجل ارى على ملامحك اكتئاب الديك مشكلة استطيع حلها .. فتبسم الاسكافي مردفاً ياولدي مشكلتنا نحن اليوم مهددون بالترحيل الى ايران وهنا يقاطعه احمد ببراءة لا تخف .. اطمأن لدي فكرة اتصور الان قد اختمرت بعدان تدارستها … فلدينا قريب احبه ويحبني يشغل منصب مهم في الدولة سوف يزورنا الخميس المقبل مع والدته ولعله يجد منفذا وحلا لمشكلتكم وفعـــــــــــلا كان له ما اراد من قريبه بحكم وظيـــــــــفته وعلاقاته ائنذاك .. حتى وفاة هذا الاسكافي المسكين ..
  • اما ولده رشيد فلم يمكث البقاء الا زمنا قليلا ثم غادرها الى بغداد وافتقدت اخباره والمفاجئة السارة حصلت حينما اكمل احمد دراسته الجامعية وعين موظفاً كان مدعواً لحفل غذائي في المدينة السياحية لمناسبة اختتام اعمال المؤتمر  السنوي لوزارته … اذ بشخص جميل الطلعة يتقدم الحضور للاعتذار عن تأخر وجبة الطعام حتى يكتمل نصاب الوفود لهذه الدعوة . هنا أشرأبت ملامح احمد واخذ يحدق في شخصية هذا الرجل واحساس فضولي غريب انتابه لمعرفته اذ استثمر وجود عامل خدمة بالقرب منه ..
  • استاذ هذا شيف الطباخين اسمه رشيد يعمل في مطاعم المدينة السياحية له منزلة محترمة ومرموقة لعمله يحبه الجميع ..
  • مرة اخرى تطفل احمد كي يستزيد منه معلومة اضافية للتأكد قائلا .. اظنه من العمال العرب العاملين هنا .
  • كلا استاذ اصله ايراني يسكن بغداد والده اسكافي متوفي وهنا قاطعه احمد شكراً اخي فقد نال مبتغاه وازدادت وتعمقت رغبته للانطلاق نحو هذا الشيف وبدون تردد ترك صحبته معتـــــــــــذرا منهم مناديا يا استاذ رشيد ..

استاذ رشيد .. مما جعل هذا الرجل مستدركا لتلك المناداة المفاجئة وواصل احمد التعريف بنفسه وطفولته ايام التلمذة الابتدائية ولم يستعيدها بلهفة متفرساً كل واحد منهما للاخر وهكذا بدأ مشوار العناق والدموع وتجاذب الذكريات حتى قاطعهما شخص بأدب جم استاذ رشيد خذ راحتك مع صديقك وانا سأقوم نيابة عنك بالخدمة والاشراف ..

  • رشيد… عزيزي احمد لا اريد ان اطيل عليك خذ رقم هاتفي المنزلي وسوف نلتقي ان شاءالله … فلقد حصلت على استثناء رسمي من عدم شمولي واسرتي بالترحيل الى طهران لكوني فزت بمسابقة امهر الطهاة في العاصمة بغداد لخبرتي وكرمت وانا اشكر الله تعالى على ذلك …
  • احمد …نعم اما انا فموظف حكومي واحضر دعوتكم مع وفود مؤتمرنا السنوي هذا …

كادت الدموع تتغرغر في مقلتيهما لهذا اللقاء ..

  • رشيد.. لا يا عزيزي احمد انت ابن حلال منذ صغرك تحب والدي ومهنته وتتطلع دائما اليه لا اعرف سر ذلك ثم انتبه احمد لسردية رشيد مبتسماً ومستذكرا صورة الوالد الاسكافي المحببة لنفسه وسرعته المأهولة في الاكل ودوره في بقائهم استثناءا من التهجير …
  • احمد … لقد تعلمت ومازلت احفظ العديد من الكلمات والجمل الفارسية من والدك مثل برو . اذهب وبياانجا .. تعال هنا واحوال حبتوري.. كيف الاحوال وخوبه.. زين جيد ولفظ الضاد..زاء مثل كاظم..كازم. والارقام من يك الى الدوشيش ثم انتهينا بقهقهة طويلة..صديق رشيد كنت نحيفا وضعيفا اجدك في سمنة مفرطة …
  • رشيد… نعم احمد صدقت انا احب الاكل لي وجبات اضافية ما اعرف عليمن طالع ؟.
  • وهنا احس احمد بالجوع قد اغاظه وقال انا اجد الحضور على وشك الانتهاء والتوجه نحو الفاكــــهة والشاي …
  • رشيد…عذراً صديقي احمد انذهب سوية في ذلك البهو ونأكل معاً واتصور انها الاكلة الثالثة … عسى ان لا اكون قد اطلت عليك حديثي واشتياقي لك .
  • وهنا اسدل الستار حينما امتدت امامها سفرة كريمة شهية متنوعة الاصناف اذ اعتصرت احمد شهقة لرؤيتها ..
  • وبمرور الزمن عادت دائرة الاغتراب تحل في طريقها حيث سنوات طوال من الافتراق المجهول واذا بصدفة مصدمة تواجه احمد حينما علم عن مغادرة رشيد واسرته الى طهران في ظل مرض مزمن احاطه تاركا خلفه مطعما مشهورا بأكلاته العراقية ..

ولسان حال شاعرنا يشدوا…

سلوا قلبي اين كنا وكانا

        طال شدوي وشوقي هيامــا

لاحت سنون تأكل فينـــا

        غمساً وغرس نبال وسهاما

اذرفيها ياعين من دمعة

        فما خالَ خلٌ لخليلٍ لزامـــــا

يا بعدنا عنكم الف ميـــلٍ

        سُقينا كأس ملؤه سقامــــــا .

مشاركة