الإعلام والأمن السيبراني – عبد الحسين شعبان

468

الإعلام والأمن السيبراني – عبد الحسين شعبان

يعد مهرجان القرين الثقافي (الكويتي) الذي ينظمه المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، أحد المهرجانات الثقافية العربية المعمّرة، مثل مهرجان المربد (العراقي) وموسم أصيلة (المغربي) ومهرجان الجنادرية (السعودي)، وقد التأم هذا العام في دورته الخامسة والعشرين، وكان موضوع ندوته الأساسية “الإعلام الجديد والأزمات الثقافية”، التي خُصّصت لأبحاث ودراسات وحوارات معمّقة شملت “تأثير الثورة التقنية في الاتصالات”. وأسهمت هذه الثورة جذرياً في التأثير على حياة الناس أفراداً وجماعات وشعوباً وبلداناً، حيث لم تترك مجالاً من مجالات الحياة الا وتغلغلت فيه، لدرجة جعلت العالم مختلفاً، بفعل هيمنة وسائل الاتصال وتكنولوجيا الإعلام والمواصلات، وبقدر ما زادت من درجة التواصل بين الناس، فإنها في الوقت نفسه وضعت حواجز بينهم، إذْ تقلّص التفاعل المباشر وحلّ محلّه العالم الإفتراضي في الكثير من الأحيان.  وانتقل الإنسان من عالم المعرفة إلى عالم المعلومات، وهذه الأخيرة تصل إليه دون خبرة إنسانية، حتى أن “الإعلام الجديد” أصبح منتجاً للمعرفة وليس ناقلاً للمعلومات فحسب، بل مؤثراً في كل شيء تقريباً من العلم إلى الشائعة، ومن الرأي إلى الخبر، سواء كان صحيحاً أم كاذباً، ومن هتك الأسرار الشخصية إلى الاختراقات وتهديد الأمن الوطني، مما يدفع الحكومات والمجتمعات إلى التفكير في إيجاد معالجات وحلول لمنع التأثير السلبي للظواهر الجديدة، وهو ما نعني به الأمن السيبراني. وهناك رأيان متعارضان بشأن التعامل مع الظواهر الجديدة في الإعلام، الأول – يريد منع أو تحريم أو وضع رقابة شديدة على وسائل الاتصال الحديث، تحت عنوان “الأضرار” التي يمكن أن تلحقها بالفرد أو الجماعة أو الدولة، تلك التي قد تؤدي إلى جرائم، والثاني – لا يريد أي نوع من الرقابة كي لا تستغلها الحكومات لحجب الآراء والمعلومات والأخبار بعنوان “حريّة التعبير” التي ينبغي  أن تكون مصانة حسب الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. وبين هذا وذاك هناك رأي ثالث ينحاز إلى حريّة التعبير ولا يريد الحدّ منها، لكنه يفرّق بين حريّة التعبير و”حريّة” التشهير وإلحاق أضرار بالفرد أو المجتمع أو الدولة، لذلك يقتضي إيجاد توازن بين حريّة التعبير والحق في حماية الخصوصية والحفاظ على الأسرار الشخصية والعامة من الأضرار المحتملة أو الناجمة عن الاستخدام غير الشرعي أو غير القانوني لحريّة التعبير بما يؤدي إلى التجاوز على أسسها. وقد ناقشت الندوة “الشعبوية الاتصالية” التي دأب على اعتمادها بعض الأشخاص أو الجهات التي تشتغل على تشكيل الرأي العام، مع قياس درجة المناعة الشخصية أو المجتمعية إزاء تلك الظاهرة، من خلال فهم ودراسة التقنيات وربطها بالقيم الجديدة التي يروّج لها الإعلام الرقمي “الجديد”، ناهيك عن علاقتها بالاقتصاد الوطني أو الإقليمي أو الدولي، وعناصر الحماية تلك هي ما نقصده بالأمن السيبراني الذي هو مجموعة من الوسائل التقنية والتنظيمية والإدارية التي يتم اتباعها لمنع الاستخدام غير المصرّح به  أو سوء استغلاله، وذلك لضمان استمرارية عمل نظم المعلومات وحق الحصول عليها من جهة وتعزيز حماية وسرّية الخصوصيات الشخصية أو العامة المتعلّقة بالأمن الوطني من جهة أخرى، واتخاذ التدابير الضرورية لعدم التجاوز عليها. وإذا كان الإعلام القديم منحصراً بمن يقوم بالوظيفة الإعلامية ليؤرخ اللحظة حسب توصيف البير كامو للصحافي، فإن أي فرد بإمكانه أن يقوم بهذا الدور في الإعلام الجديد  من خلال الإيميل والهاتف النقال وجميع الوسائل التي يطلق عليها الذكية للاتصال smart  بحيث يمكن إرسال خبر وصورة وصوت وبالتفاصيل المحيطة خلال لحظات ليصل إلى العالم أجمع ويتلقّاه مئات الآلاف من الناس، بل ملايين الناس بلمح البصر. وإذا كان التحكّم بوسائل الإعلام ما قبل الجديد: الصحيفة والراديو والتلفزيون والكتاب وغيرها، ممكناً ويسيراً، فإن من الصعوبة بمكان التحكّم بوسائل الإعلام الجديدة، تلك التي لها وجهاً إيجابياً يتعلّق بعولمة الثقافة والعلوم والتكنولوجيا ووسائل الاتصال والحقوق والمعلومات والجمال، ووجهاً آخر سلبي قد يكون خطراً وهو ما يدفع العالم ثمنه باهظاً، وتلك إحدى مفارقات ثمن الذكاء الإنساني، حيث تتم عولمة الكراهية والتعصّب ووليده التطرّف وحين يتحوّل الأخير إلى سلوك يصبح عنفاً بالتحريض عليه، وهكذا يمكن أن يتحوّل إلى إرهاب إذا ما ضرب عشوائياً، فالأول يعرف الضحية ويقوم بمواجهتها لأسباب عنصرية أو طائفية أو دينية أو آيديولوجية، أما الثاني فهو لا يعرف الضحايا، بل يريد إحداث رعب في المجتمع لتحقيق أهدافه خارج أي اعتبار إنساني. ومثل هذا الإشكال يطرح المسألة من زاويتها الإنسانية، ما السبيل لتنظيم استخدام المنجزات العلمية- التقنية بحيث لا يؤدي إلى إلحاق ضرر بالإنسان دون حجب حقه في إبداء الرأي والتعبير والحصول على المعلومات وغير ذلك من الحقوق المتعلقة بالثقافة والعلم والتكنولوجيا والتعليم والآداب والفنون؟ ولعلّ ذلك يحتاج إلى وسائل ذكية لمواكبة الذكاء الإنساني بتعظيم الفوائد وتقليص الأضرار، بوضع تشريعات جديدة لمنع الجرائم التي تحرّض على التعصب والتطرف والعنف والإرهاب والعنصرية وإفشاء الأسرار بهدف حماية الخصوصيات الشخصية والعامة.

{ باحث ومفكر عربي

مشاركة