الإطنابية والإشخاصية

258

الإطنابية والإشخاصية
حسين سرمك حسن
خلال الأشهر الثلاثة الماضية، اتيحت لي فرصة متابعة الصفحات الثقافية للكثير من الصحف العراقية، فقرأت أحاديث وحوارات ومقالات.. وكالعادة ــ وهذه سمة من سمات الكلام في الشخصية العراقية ــ جاء الحديث متسما بما نسمّيه في الطب النفسي بـ الإطناب ــ circumstantiality” الذي لا نقصد به المعنى البلاغي حيث يكرر المتكلم معلومة لغرض الفائدة، ولكن نقصد بها المعنى الطبنفسي المرضي المتمثل بالعمومية والدوران الكلامي حول الهدف، حيث يأخذك المتحدّث في جولة طويلة عريضة تدور حول دائرة الموضوع وتلامس محيطها دون الدخول المباشر الى جوهر المشكلة والامساك بمركز دائرتها الساخن المقصود. وحتى في العيادة النفسية فإن المريض عندما تسأله مم يشكو يقول لك خرجت من البيت قبل يومين صباحا كي أوصل ابن عمتي الى الكراج.. بات عندنا ليلتين.. وفي الطريق التقينا بابن خالتي ومعه المختار ومفوض شرطة رواية بوليسية شائكة يقول في ختامها وصار أسبوع ما أنام أو ظهري يوجعني.. إلخ. لا يختلف عندنا الحديث الثقافي ــ كتابة او شفاها ــ عن حديث المقاهي في الكثيرمن الحالات. وحاول أن تجلس في مقهى للمثقفين وتسترق السمع إلى حديث يجري بين مجموعة من الكتّاب على المنضدة المجاورة، أو تجلس خلف كاتبين يتحدثان في سيارة كيّا . أما المنفذ الفظيع لاطلاق المخزون اللائب ــ وعلى طريقة للسر نافذتان السكر والغضبُ ــ فهي الخمرة التي تذيب الأنا الأعلى وتخدر عين الرقيب الداخلي فينفلت المكبوت والمقموع بصورة كاسحة فلا يترك محرما إلا ويهتكه، وقيمة إلا ويسحقها. وفي إحدى المرات كدنا نشهد جريمة قتل رهيبة عندما نقل أحد الصحفيين الحاضرين الحديث الجميل من ساحة الشعر إلى تعيير أحد الشعراء بعرضه ووصل الأمر إلى سحب المسدسات. تصوّروا مثقفين مسلحين وعلى ذكر المثقفين المسلحين أشاهد على شاشة التلفاز صحفيا يصول ويجول في الحديث عن الديمقراطية وحقوق الانسان ونتذكر جميعا كيف كان في العهد السابق يجلس مع أصدقائه ليشربوا ويضع مسدسه على المائدة أمام أنظار زملائه الكتاب والأدباء والصحفيين وأغلبهم أحياء يرزقون لكن قسما منهم صم بكم يجاملون ويتلونون.
وفي سلسلة من المقالات عنوانها أويلاخ رأسي نشرها العلامة الراحل الدكتور علي الوردي في جريدة القادسية في الثمانينيات أو بداية التسعينيات تحدّث فيها عن الشتائم التي تجري بين المثقفين العراقيين في مقاهيهم أو في منتدياتهم، ودعا القراء إلى أن يزوروا منتدى اتحاد الادباء ليلا ليستمعوا كيف يقوم الكاتب الفلاني بتعيير خصمه بأمه ابن الـ.. وأخته أخ الـ.. أو شتم ابيه أو عشيرته كتعبير عن امتداد روح البداوة بصورة مستترة تحت أردية الاستثقاف البراقة الخادعة. في العراق نحمل شهادات الماجستير والدكتوراه في جيوبنا ولكننا نحمل معها عقلنا» عُـ ُلنه وحين يشتد الخصام نسحب العـُ ُل لا الشهادات.. فـ تعلـ ” والله يستر وسمعت مؤخرا أن معركة يدوية دموية قد جرت مؤخرا بين شاعر وقاص سبقها قصف كلامي يتعفف عنه أشد الناس إيغالا في البداوة.
والمعضلة تتسع وتصبح أكثر ضررا عندما ينتقل هذا السلوك الى المجال الكتابي على صفحات الصحف عموما والصفحات الثقافية خصوصا. ينشر الكاتب الفلاني مقالة ما في صحيفة عن نتاج لكاتب آخر فيرد عليه الكاتب موضوع المقالة بمقالة مقابلة يجرّح فيها بشخصه ويستهين بثقافته.. فيُستفز الأول ويشمر عن ساعديه ويرد بمقالة مدوّية يكشف فيها المستور من ماضي الثاني وتاريخه السياسي وشؤونه العاطفية.. إلخ وكلها أمور لا علاقة لها أبدا بالشأن الثقافي من جانب ولا بالنتاج المطروح للمناقشة والنقد من جانب آخر
وقبل أيام أخبرني أحد الأصدقاء بأنه قال لأحد الممارسين للكتابة النقدية إن الشاعر الفلاني شاعر مهم وهو فعلا شاعر مهم.. فأجابه متذمرا يمعوّد.. يا شاعر مهم.. أخته دايحه بالشوارع
وفي العام الماضي قرأت مقالة لشاب مبتديء في مجال النقد يشعر بأنه أهم من علي جواد الطاهر وعناد غزوان وعبد الإله احمد ومهدي العبيدي وطلال الحديثي وباقر جاسم وناجح المعموري.. ختم المقالة بإشارة عن كاتبة لا علاقة لها ــ للإشارة ــ على الإطلاق بما تكتبه وتخدش جانبها الشخصي.
وفي الموقع الذي أشرف عليه ــ موقع الناقد العراقي ــ أرسل أحد الكتاب تعليقا على مقالة عن كاتبة يقول في ختامها انها معروفة بميولها الشاذة.. رفضنا نشر التعليق حسب القاعدة التي نسير عليها والتي تتصل بلب المعضلة التي تحدثنا عنها هنا في النصف الثاني من المقالة وتعاني منها الممارسات الثقافية في بلدنا وتتعلق بعدم القدرة على فصل ما هو شخصي عما هو عام وما هو سلوكي فردي عما هو ثقافي جماعي.
/4/2012 Issue 4175 – Date 16 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4175 التاريخ 16»4»2012
AZP09