الإصابة بكوفيد-19 والأجسام المضادة قد لا يمنحان المناعة

390

باريس‭- ‬الزمان‭ -(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭)‬

‭ ‬يأمل‭ ‬باحثون‭ ‬في‭ ‬إمكان‭ ‬تطوير‭ ‬مناعة‭ ‬على‭ ‬كوفيد‭-‬19‭ ‬بالاعتماد‭ ‬على‭ ‬آليات‭ ‬مختلفة‭ ‬لا‭ ‬تستلزم‭ ‬نتيجة‭ ‬سلبية‭ ‬في‭ ‬الاختبارات‭ ‬بالأجسام‭ ‬المضادة‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الإصابة‭ ‬بالمرض‭ ‬ممرا‭ ‬إجباريا،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الفرضية‭.‬

وأكد‭ ‬أستاذ‭ ‬طبّ‭ ‬الطوارئ‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬‮«‬بيتييه‭ ‬سالبيتريير‮»‬‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬يوناتان‭ ‬فروند‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬أن‭ ‬‮«‬من‭ ‬المحتمل‭ ‬جداً،‭ ‬أيّاً‭ ‬كانت‭ ‬الآليات،‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المناعة‭ ‬متوافرة‭ ‬لدى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اكتشاف‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاختبارات‭ ‬بالأجسام‭ ‬المضادة‮»‬‭.‬

وتقوم‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬على‭ ‬مرتكزين‭.‬

من‭ ‬جهة،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬لدى‭ ‬البعض‭ ‬مناعة‭ ‬متقاطعة،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنهم‭ ‬قد‭ ‬يكونون‭ ‬محصنين‭ ‬من‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬المستجد‭ ‬بسبب‭ ‬إصابتهم‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬بفيروسات‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬العائلة‭ ‬نفسها،‭ ‬تتسبب‭ ‬بأعراض‭ ‬زكام‭ ‬بسيطة‭.‬

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬للخلايا‭ ‬اللمفاوية‭ ‬التائية‭ ‬دور‭ ‬غير‭ ‬محدد‭ ‬بوضوح‭ ‬بعد،‭ ‬وهي‭ ‬كريات‭ ‬بيضاء‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬الشق‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬ردّ‭ ‬الفعل‭ ‬المناعي‭ (‬المناعة‭ ‬الخلوية‭)‬،‭ ‬علما‭ ‬أن‭ ‬الشق‭ ‬الأول‭ ‬يتأتى‭ ‬من‭ ‬الأجسام‭ ‬المضادة‭.‬

وقال‭ ‬الاختصاصي‭ ‬الألماني‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬المناعة‭ ‬أندرياس‭ ‬تييل‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ ‬‮«‬النظام‭ ‬المناعي‭ ‬معقّد‮»‬‭.‬

وشارك‭ ‬تييل،‭ ‬وهو‭ ‬باحث‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬مستشفيات‭ ‬برلين،‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬دراسة‭ ‬نشرت‭ ‬في‭ ‬29‭ ‬تموز‭/‬يوليو‭ ‬الفائت‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬نيتشر‮»‬‭ ‬الطبية‭.‬

وأوضح‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أهم‭ ‬نتائج‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬ثلث‭ ‬البالغين‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لديهم‭ ‬أتصال‭ ‬بفيروس‭ ‬سارس‭-‬كوف‭-‬2‭ (‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬كوفيد‭-‬19‭) ‬كانت‭ ‬لديهم‭ ‬خلايا‭ ‬لمفاوية‭ ‬تائية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الفيروس‭. ‬وهذه‭ ‬الخلايا‭ ‬متأتية‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬من‭ ‬التهابات‭ ‬سابقة‭ ‬لأنواع‭ ‬أخرى‭ ‬متوطنة‭ ‬من‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‮»‬‭. ‬وكانت‭ ‬أبحاث‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬سنغافورة‭ ‬نشرتها‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬نيتشر‮»‬‭ ‬في‭ ‬15‭ ‬تموز‭/‬يوليو‭ ‬الفائت،‭ ‬توصلت‭ ‬إلى‭ ‬النوع‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬الاستنتاجات‭.‬

‭ ‬حماية‭ ‬

كذلك‭ ‬أفادت‭ ‬دراسة‭ ‬أخرى،‭ ‬أميركية‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬نشرت‭ ‬الثلاثاء‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬ساينس‮»‬،‭ ‬بأن‭ ‬غدداً‭ ‬لمفاوية‭ ‬تائية‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬المستجد‭ ‬ومع‭ ‬أربعة‭ ‬فيروسات‭ ‬أخرى‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬أعراض‭ ‬زكام‭ ‬بسيطة،‭ ‬موجودة‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الأفراد‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتعرضوا‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬لفيروس‭ ‬سارس‭-‬كوف‭-‬2‭.‬

وشرحت‭ ‬دانييلا‭ ‬فيسكوبف‭ ‬من‭ ‬معهد‭ ‬لاجولا‭ ‬لعلم‭ ‬المناعة‭ ‬في‭ ‬كاليفورنيا،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬معدّي‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة،‭ ‬أن‭ ‬‮«‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفسّر‭ ‬سبب‭ ‬ظهور‭ ‬أعراض‭ ‬قليلة‭ ‬فحسب‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الأشخاص‭ ‬المصابين‭ ‬بكوفيد‭-‬19،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬المرض‭ ‬شديداً‭ ‬لدى‭ ‬آخرين‮»‬‭.‬

ووفرت‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬معطيات‭ ‬أكثر‭ ‬عمقاً‭ ‬من‭ ‬دراسات‭ ‬أخرى‭ ‬نشرها‭ ‬الباحثون‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬أيار‭/‬مايو‭ ‬الفائت‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬سيل‮»‬‭.‬

وأظهرت‭ ‬هذه‭ ‬الدراسات‭ ‬أن‭ ‬الخلايا‭ ‬اللمفاوية‭ ‬التائية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬سارس‭-‬كوف‭-‬2‭ ‬لدى‭ ‬40‭ ‬إلى‭ ‬60‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يتعرضوا‭ ‬يوماً‭ ‬لهذا‭ ‬الفيروس‭.‬

وقال‭ ‬تييل‭ ‬‮«‬ثمة‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬دراسات‭ ‬أوسع‭ ‬تشمل‭ ‬دولاً‭ ‬عدة‭ ‬للتأكد‭ ‬مما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الخلايا‭ ‬توفر‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬المناعة‭ ‬ضد‭ ‬سارس‭-‬كوف‭-‬2،‭ ‬أو‭ ‬حماية‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭ ‬الحادة‭ ‬من‭ ‬كوفيد‭-‬19‮»‬‭. ‬فسواء‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬التعرّض‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬التعرّض‭ ‬لفيروس‭ ‬كورونا‭ ‬المستجدّ،‭ ‬تركّز‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الدراسات‭ ‬على‭ ‬احتمال‭ ‬وجود‭ ‬دور‭ ‬مهمّ‭ ‬للخلايا‭ ‬اللمفاوية‭ ‬التائية‭ ‬في‭ ‬التفاعل‭ ‬المناعي‭ ‬ضد‭ ‬كوفيد‭-‬19،‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬التركيز‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬ينصبّ‭ ‬على‭ ‬الأجسام‭ ‬المضادة‭.‬

ووفق‭ ‬دراسة‭ ‬لمستشفى‭ ‬‮«‬كارولينسكا‮»‬‭ ‬السويدي‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬تموز‭/‬يوليو‭ ‬الجاري،‭ ‬فإن‭ ‬مرضى‭ ‬كوفيد‭-‬19‭ ‬الذين‭ ‬تظهر‭ ‬عليهم‭ ‬أعراض‭ ‬قليلة‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬يعانون‭ ‬أية‭ ‬أعراض‭ ‬إطلاقاً،‭ ‬يمكن‭ ‬أنم‭ ‬تتكون‭ ‬لديهم‭ ‬مناعة‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬بالخلايا‭ ‬اللمفاوية‭ ‬التائية‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬جاء‭ ‬اختبار‭ ‬الأجسام‭ ‬المضادة‭ ‬لديهم‭ ‬سلبياً‭. ‬من‭ ‬هنا،‭ ‬تركز‭ ‬الأبحاث‭ ‬الهادفة‭ ‬إلى‭ ‬إيجاد‭ ‬لقاحات‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬هذين‭ ‬النوعين‭ ‬من‭ ‬ردّ‭ ‬الفعل‭ ‬المناعي‭.‬

‭ ‬معدّل‭ ‬المناعة‭ ‬غير‭ ‬دقيق؟‭ ‬

وقال‭ ‬يوناتان‭ ‬فرويند‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬لدينا‭ ‬أجسام‭ ‬مضادة‭ ‬مبطلة‭ ‬للمفعول،‭ ‬تكون‭ ‬لدينا‭ ‬مناعة‭. ‬إنه‭ ‬الأساس‭. ‬ولكن‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬نعتبر‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬موجوداً‮»‬‭. ‬كذلك‭ ‬لاحظ‭ ‬أندرياس‭ ‬تييل‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الاختبارات‭ ‬بالأجسام‭ ‬المضادة‭ ‬لا‭ ‬تعطي‭ ‬الحقيقة‭ ‬كاملة،‭ ‬بل‭ ‬تعطيها‭ ‬لفترة‭ ‬معينة‭ ‬فحسب‮»‬‭.‬

وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬دراسات‭ ‬بالفعل‭ ‬أن‭ ‬معدل‭ ‬الأجسام‭ ‬المضادة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينخفض‭ ‬سريعاً،‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬أسابيع،‭ ‬لدى‭ ‬المرضى‭ ‬المصابين‭ ‬بكوفيد‭-‬19‭.‬

ويعلّق‭ ‬فرويند‭ ‬‮«‬قد‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أمرين‭: ‬الأول،‭ ‬وهو‭ ‬كارثي،‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬المناعة‭ ‬لا‭ ‬تدوم‭ ‬في‭ ‬كوفيد‭-‬19‭. ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬صحيح،‭ ‬فمن‭ ‬18‭ ‬مليون‭ ‬حالة،‭ ‬لم‭ ‬نسمع‭ ‬إطلاقاً‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬حالة‭ ‬أصيب‭ ‬فيها‭ ‬شخص‭ ‬بالمرض‭ ‬مجدداً‮»‬‭.‬

وأضاف‭ ‬‮«‬أما‭ ‬الأمر‭ ‬الثاني،‭ ‬فهو‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ثمة‭ ‬أشخاص‭ ‬يتمتعون‭ ‬بالمناعة،‭ ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬يظهر‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬اختبارات‭ ‬الأجسام‭ ‬المضادة‮»‬‭.‬

وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬معدّل‭ ‬المناعة‭ ‬لدى‭ ‬السكان،‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬قيس‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬وجود‭ ‬الأجسام‭ ‬المضادة‭ (‬الانتشار‭ ‬المَصلي‭)‬،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يعطي‭ ‬نتيجة‭ ‬دقيقة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬إذ‭ ‬يكون‭ ‬فعلياً‭ ‬أعلى‭. ‬وأشار‭ ‬البروفسور‭ ‬فرويند‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الدراسات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالانتشار‭ ‬المصلي‭ ‬تعطي‭ ‬أرقاماً‭ ‬تراوح‭ ‬بين‭ ‬15‭ ‬و20‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬تشهد‭ ‬تفشياً‭ ‬واسعاً‭ ‬للفيروس‭. ‬ولكن‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬معدلات‭ ‬الانتشار‭ ‬المصلي‭ ‬أعلى‭ ‬بكثير،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬مناعة‭ ‬كافية‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬تحصل‭ ‬فيها‭ ‬كارثة‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬اليوم‭.‬

ورأى‭ ‬معدّو‭ ‬الدراسة‭ ‬الألمانية‭ ‬أن‭ ‬‮«‬فهم‭ ‬أثر‭ ‬وجود‭ ‬الخلايا‭ ‬اللمفاوية‭ ‬التائية‭ ‬لدى‭ ‬السكان‭ ‬على‭ ‬الإصابة‭ ‬بسارس‭-‬كوف‭-‬2‭ ‬مهم‭ ‬جداً‭ ‬لإدارة‭ ‬الجائحة‮»‬‭.‬

لكنّ‭ ‬العلماء‭ ‬يقرّون‭ ‬بأن‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يعدو‭ ‬كونه‭ ‬فرضية‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭. ‬وقال‭ ‬فرويند‭ ‬‮«‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬موضع‭ ‬جدل‭. ‬إنها‭ ‬مجرّد‭ ‬فرضيات‭ ‬والجميع‭ ‬يمشي‭ ‬على‭ ‬بيض‮»‬‭.‬

مشاركة