الإسلام في فرنسا

310

الإسلام في فرنسا
د. عبد السلام حفيظي
في فرنسا يمثل عدد المسلمين حسب التقديرات الرسمية ما لا يقل عن 10 ملايين بنسبة 15 في المائة من السكان وفي أوربا الغربية وحدها تصل التقديرات إلى حوالي 30 مليون مسلم. كما بلغ عدد المساجد في فرنسا أكثر من 2400 مسجد بعد مرور ثلاثين سنة على إنشاء المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة إيسيسكو وفق خطة مدروسة وأهداف محددة استطاعت أن تحقق الكثير من الإنجازات والمشاريع استفاد منها المسلمون المقيمون في البلدان الأوربية خصوصا وخارج العالم الإسلامي عموما وذلك في مجالات ثلاثة التربية والعلوم والثقافة.
وقد قامت الايسيسكو بوضع خطة إستراتيجية للعمل الثقافي الإسلامي في هذه البلدان منذ سنوات، حيث كان لها السبق في وضع أول تصور للوضع الثقافي والتعليمي للمسلمين خارج العالم الإسلامي.
لقد أحببت أن أعطي وجهة نظري كمسلم يعيش في أوربا منذ حوالي 26 سنة، وقسمت هذه الدراسة إلى أبواب ثلاثة
1 ــ الباب الأول الانجازات والمكتسبات.
2 ــ الباب الثاني الواقع والصعوبات.
3 ــ الباب الثالث الآفاق المستقبلية.
الباب الأول الانجازات والمكتسبات.
لقد وضعت الايسيسكو مجموعة من الأهداف في خطتها الإستراتيجية للعمل الثقافي الإسلامي للمسلمين في الغرب ومنها
ــ تحصين الجاليات من الذوبان الثقافي وفقد الهوية الإسلامية.
ــ وضع إطار مرجعي للعمل الثقافي خارج العالم الإسلامي.
ــ توفير الخبرة والمشورة والتأهيل وعقد الدورات التدريبية.
ــ إصدار الكتب والدراسات لمعالجة القضايا المختلفة.
ــ تنظيم اجتماعات لرؤساء المراكز الثقافية الإسلامية منذ 1993.
ــ إصدار وثيقة العمل الإسلامي المشترك في الغرب.
ــ إنشاء المجلس الأعلى للتربية والعلوم والثقافة للمسلمين خارج العالم الإسلامي هذه مجموعة من الأهداف التي حرصت الايسيسكو على تحقيقها خلال هذه السنوات منذ إنشاء المنظمة وقد تمثلت في مجموعة من المنجزات على الصعيد الأوربي
1 ــ المشاركة في تنظيم الواقع الإسلامي في الغرب.
2 ــ تنظيم الندوات والمشاركة في الفعاليات الثقافية المختلفة لتحسين صورة الإسلام في الغرب.
3 ــ الاهتمام بالوضع الثقافي والاجتماعي للمسلمين بالغرب.
ومن بين العوامل والمبادئ التي ساهمت في إصدار هذه الإستراتيجية نذكر على سبيل المثال لا الحصر
ــ مبدأ التميز الحضاري والتأكيد على دور الثقافة في حماية الهوية الحضارية الإسلامية للمسلمين في الغرب.
ــ تأكيد مبدأ التعاون والتنسيق بين العاملين في الحقل الإسلامي في الغرب وتقريب الرؤى وتوحيد مناهج العمل.
ــ ترسيخ الوعي بالبعد الروحي والأخلاقي للإسلام.
ــ مواجهة التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية.
ــ أهمية العمل الاستراتيجي والتخطيط.
ــ السعي لتصحيح المفاهيم وتحديد المصطلحات واستشراف آفاق العمل.
ــ السعي لإيجاد المرجعية في القيم الإسلامية التوجيهية.
وكانت الانطلاقة لهذا التصور من خلال القواعد الكبرى لهذا الدين والتي أكدت عليها مصادر التشريع الإسلامي، وهي
ــ القاعدة الإيمانية أن نتعبّد الله عز وجل بأن نهتم بأمور بالمسلمين وأن نعمل على حفظ دينهم.
ــ القاعدة التوازنية أن هذا الدين جاء من عند الله مراعيا لاختلاف الأزمان والبيئات بحيث نجمع بين أصالته وقيمه الحضارية والمعاصرة للاستفادة من الحكمة أينما كانت.
رفع الحرج
ــ القاعدة الشمولية إن من شمول الدين الإسلامي أنه نهتم بكل جوانب الحياة فمنها الجانب التربوي والثقافي والاجتماعي فلم يدع جانب من الجوانب إلا وفصل فيه من الأحكام ما يرفع الحرج عن هذه الأمة.
ــ القاعدة الواقعية حيث راعى الإسلام واقع كل بيئة فمعرفة الواقع يعتبر شرطا أساسيا لتحقيق التنمية الشاملة.
الباب الثاني الواقع والصعوبات
لقد وضعت منظمة الايسيسكو هذا التصور للعمل في الغرب معتمدة في ذلك على دراسة بعض الخصوصيات التي يتميز بها الواقع الإسلامي في الغرب حيث يفرض الواقع نفسه. وهذا يعود إلى أسباب تاريخية واجتماعية. ويمكن تصنيفها إلى أسباب داخلية وأخرى خارجية
أما الأسباب الداخلية فمنها
1 ــ ظروف تكوين التجمعات الإسلامية في الغرب.
2 ــ نقص الكفاءات والمهارات.
3 ــ انعدام الوسائل المادية.
4 ــ ضعف التنسيق بين العاملين و بين المؤسسات العاملة.
1 ــ ظروف تكوين التجمعات الإسلامية واستقرار الجاليات الإسلامية في الغرب
يعتبر الإسلام من إحدى الديانات السماوية المعترف بها من طرف الغرب وربما صار الديانة الثانية في بعض البلدان الأوربية من حيث تعداد السكان. ففي فرنسا مثلا يمثل عدد المسلمين حسب التقديرات الرسمية ما لا يقل عن 10 ملايين بنسبة 15 في المائة من السكان وفي أوربا الغربية وحدها تصل التقديرات إلى حوالي 30 مليون مسلم.
فقد كان إنشاء المراكز المختلفة يختلف من مكان لآخر حسب تواجد أعداد المسلمين في المنطقة حيث بلغ عدد المساجد في فرنسا أكثر من 2400 مسجد إحصائية سنة 2011 وفي منطقة باريس وحدها يوجد ما لا يقل عن 500 مسجد لحوالي 2 مليون مسلم. وقد تضاعف عدد المساجد خلال عشر سنوات حيث كان عدد المساجد سنة 2000 حوالي 1600 مسجد المصدر المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية .
2 ــ نقص الكفاءات والمهارات ويعود سبب ذلك لضعف المستوى الثقافي للمسؤولين على الجمعيات للتذكير فأن الهجرة الاولى كانت تتكون من اليد العاملة ذوي الثقافة المحدودة.
3 ــ انعدام الوسائل المادية إذ أن أغلب المسلمين هم من الطبقة العاملة الفقيرة التي تعيش على المساعدات الاجتماعية.
انعدام التنظيم
4 ــ ضعف التنسيق بين العاملين أو انعدام التنظيم في العمل الجماعي وانعدام التنسيق والتواصل بين المراكز الثقافية الإسلامية.
كان من نتائج الازدياد الكبير لعدد المسلمين الذين يرتادون المساجد ارتفاعا في تشييد العدد من المساجد والمراكز الإسلامية ولكن مع الأسف لم يكن هناك أي تنسيق بين الجمعيات القائمة على هذه المشاريع، فربما تجد أكثر من ثلاث مساجد في المنطقة السكنية الواحدة ولا تجد أي مسجد في المنطقة الأخرى.
كما يعود هذا الأمر إلى تنوع واختلاف البلدان الأصلية للمسلمين في كل مسجد فهناك مساجد للجزائريين وأخرى للأتراك… فكل يركز على انتمائه للبلد الأصلي ولا يدرك أنه بذلك يُضعِف التواجد الإسلامي في بلد الإقامة.
ونلاحظ أن هذه التوجهات بدأت تتلاشى مع مرور الزمن بظهور نخبة من شباب الجيل الثاني لا همّ لها سوى تحسين وضع المسلمين كيفما كانت جنسياتهم، لأنهم يؤمنون بأهمية دورهم في بلدان منشئهم فهم مستقرون في هذه البلدان ولا يفكرون في العودة يوما ما إلى أوطان آبائهم.
أما الأسباب الخارجية فمنها
ــ التحدي الإعلامي الغربي وانعدام وسائل الإعلام لدى المسلمين.
ــ تنامي المد العنصري.
ــ سياسة التهميش لأبناء المسلمين في كل مجالات الحياة.
ــ الاتجاه العلماني للمجتمعات الغربية.
ــ التغريب ومسح الهوية الإسلامية لأبناء المسلمين.
ــ زحف العولمة وتداعيات الأزمة العالمية الاقتصادية.
5 ــ التحدي الإعلامي الغربي وانعدام وسائل الإعلام لدى المسلمين إن دور الإعلام الغربي في تشويه صورة الإسلام والمسلمين يعتبر من أخطر الوسائل التي تقوم بالتخويف من المسلمين وتزيد من الحقد والكراهية تجاههم. وفي هذا الحالة فمن الصعب أن تمد الجسور وتربط علاقات التعاون مع غير المسلمين. ونجد آخر مثال لهذه الهجمة الإعلامية الشرسة ما قام به الاسرائيلي الأمريكي سام بسيل من نشر لأحد الأفلام الذي يسيء فيه إلى الرسول بنعته بأسوأ الأوصاف وأقبحها. وهذا مما أغضب المسلمين في كل أنحاء العالم. وهذا من الاستفزاز الذي لا يراد منه سوى الإساءة للإسلام وللمسلمين وتأجيج مشاعر الحقد نحوهم.
6 ــ تنامي المد العنصري يقوم المرصد الوطني لمناهضة العنصرية والاسلاموفوبيا باحصاء كل الاعمال العنصرية التي يتعرض لها المسلمون في فرنسا من اعتداء على الاشخاص أو على الممتلكات كالمساجد والمراكز. ومن الملاحظ أن معدل الاعتداءات ارتفع ب 15 في المائة للسنة الماضية 2011 وبالخصوص في فترة الانتخابات الرئاسية وكثرة الجدل حول الهوية الوطنية الفرنسية Identit Nationale
7 ــ سياسة التهميش لأبناء المسلمين في كل مجالات الحياة والتعامل معهم كمواطنين من الدرجة الثانية فلا تعطى لهم كل الحقوق التي يمنحها لهم القانون السكن، العمل، الدراسة… .
8 ــ الاتجاه العلماني للمجتمعات الغربية أي الفهم المتشدد للعلمانية وهو من الاسباب التي تجعل الغرب يقصي مظاهر الدين من المساحات العامة ومنها منع الحجاب في المدارس وأخرها منع النقاب في الأماكن العامة.
9 ــ التغريب ومسح الهوية الإسلامية لأبناء المسلمين من خلال البرامج الثقافية في المدارس وفي الإعلام باظهار الاسلام ووصفه بشتى الأوصاف البشعة كالدموية والإرهاب.
10 ــ زحف العولمة وتداعيات الأزمة العالمية الاقتصادية لقد أثرت الأزمة الاقتصادية على وضعية المهاجرين بشكل عام والمسلمين بشكل خاص كما أثرت على وضع المسلمين وعلاقتهم بالمجتمع حيث ارتفعت موجة الاعتداءات على المسلمين في البلدان التي تعاني من الازمة كاليونان وايطاليا واسبانيا وفرنسا. وهذا مما جعلها تقوم بتوحيد السياسات تجاه الهجرة الإسلامية للحد منها بل صارت شعارات بعض الاحزاب المتطرفة التخويف من ازدياد عدد المسلمين في الغرب كما في سويسرا حيث منعت المآذن.
الباب الثالث الآفاق المستقبلية
إن الوضع الحالي للعمل الثقافي للمسلمين في بلاد الغرب يستوجب الأخذ بكل الاسباب للرفع من مستواه بكل الوسائل الممكنة وذلك ومن خلال المحاور التالية
1 ــ تكثيف التعاون والاهتمام بالمؤسسات التربوية التعليمية لتطوير عملها وذلك من خلال دعم المؤسسات التربوية والتعليمية الفاعلة في أرض الواقع الغربي لما لها من دور أساسي في تحقيق أهداف المنظمة وتنشئة الجيل الجديد على المفاهيم الوسطية للاسلام ومعاني التسامح والتعاون بين الشعوب.
2 ــ تنمية مهارات العمل المنظم لمديري المراكز والجمعيات بتنظيم الدورات المتخصصة في إدارة الجمعيات ودعوة مديري المؤسسات للاستفادة منها.
3 ــ وضع آليات للتواصل بين المؤسسات ذات الاهتمام المشترك. كتنظيم الدورات العلمية المتخصصة ودعوة المؤسسات للمشاركة فيها والخروج بالتوصيات التي تصب في توحيد الجهود والعمل المشترك.
4 ــ إيجاد قنوات فضائية من وسائل الإعلام والصحافة . وهناك بعض المحاولات التي يقوم بها بعض الشباب وتحتاج إلى مساندة.
5 ــ الاهتمام بقضايا المسلمين في الغرب والدفاع عنهم.
التعاون والتنسيق مع المؤسسات الحقوقية الأوربية التي تعمل في هذا المجال.
خاتمة
إن منظمة الايسيسكو منذ أن أنشئت قبل 30 سنة قامت ببرامج متنوعة وشاملة للعمل الثقافي للمسلمين في الغرب وقد لاقت إقبالا ونجاحا كبيرا في الاوساط الاسلامية والغربية على السواء، وفي هذه الفترة الحرجة التي يمر بها المسلمون في الغرب فإن الايسيسكو تلعب دورا رياديا يسجله لها التاريخ في التخفيف من حدة التوثر بين المسلمين مع غيرهم، من خلال برامج علمية وندوات حول تعايش الحضارات والعيش في أمن وطمأنينة وسلام دائمين. فالمنظمة لا تسعى لإسعاد العالم الاسلامي فقط بل لإسعاد الانسانية جمعاء.
AZP07