
كلام أبيض
الإستسلام للأقدار – جليل وادي
أكاد أجزم من دون تردد بأننا لم نعلم أجيالنا حب الوطن، وما يظهر لنا، ذلك الراسخ في الوجدان بالفطرة، فقد اكتفينا بالشعارات، وكنا نظنها تجعل الناس يضعون الوطن في حدقات العيون، لكنه ظن مخلوط بالوهم، فحب الوطن ليس كلاما يُقال، بل مشاعر تُجسد بالأفعال، وفيه من المكتسب بقدر ما فيه من الفطرة، تسألوني كيف ؟، اقول لكم : ان الذي يسرق وطنه ويعُد ذلك شطارة، أين هو من حب الوطن، وماذا نسمي الذي يتقاعس عن أداء واجباته باخلاص مع انه يتقاضى عنها أجرا ؟، والذي يعتني بنظافة بيته ويرمي النفايات في الزقاق او من نوافذ السيارة او يتركها تحت مقاعد الدراسة، ماذا أصف من فرهد مؤسسات الدولة عند سقوط النظام السابق، وكله قناعة بأنها ملك للحكومة، وليس ملكا للشعب، والذين سموا أنفسهم قادة سياسيين علق الناس عليهم الآمال العراض، لكنهم لزموا الصمت حيال تدمير قوات الاحتلال أكداس العتاد والصواريخ والطائرات والمعسكرات وغيرها من التي خلفها الجيش المنحل، وكأن البلاد لن تتعرض مستقبلا لتهديدات او حروب، وها نحن اليوم ليس بوسعنا سوى التنديد والاستنكار ودفن العيون بالرمال حيال عدو يوغل في اغتيال الأشخاص وتدمير الممتلكات، وليس ببعيد ذلك اليوم الذي يُفرض علينا التطبيع بالقوة اذا لم نلتفت لأنفسنا بضمير حي، وبغيره لن يكون حالنا بأحسن مما يمر به لبنان .
هل من وطنية لسياسي يعمل لحساب الغرباء وليس لأبناء وطنه، او مَنْ لا يجد نفسه مسؤولا عما يجري مع انه يعتلي أرفع المناصب، ويجهد في تبرئة نفسه وانتقاد غيره، واقع يشعرك ان بلادنا لا مسؤول فيها، وان سفينتنا تسير بقدرة قادر، مجموعة تذهب وأخرى تأتي، وليس فيها ذلك النموذج البارز الذي يصلح للاحتذاء في الاخلاص والنزاهة وتحمل المسؤولية، لا في زماننا المنتظر منه انتاج عراق جديد، ولا في ما مضى من زمن اختصر الوطن برجل، فما أن سقط الرجل حتى عدنا الى نقطة الصفر .
أين حب الوطن عند المعتاشين على الأزمات، والمتاجرين بمآسي الناس، ونحن نراوغ الأزمات السياسية والخدمية طول عمرنا بحسرة واحباط، وأينما تولي وجهك ثمة من يستغلك، لدرجة ان الاستغلال صار علنيا دون حياء، وعندما يكون الحال هكذا، فلا ترتجي للخراب اصلاحا، ولا للوطن تقدما، ولا للمعارك انتصارا .
أين الشعور بحب الوطن الذي يحثك للتضحية بالنفس دون أن يشعر أهلك بالندم، بينما صارت عوائل الشهداء أكثر الناس فقرا، وعوائل المتقاعدين الأكثر حرمانا، اين الوفاء لمن أفنى عمره في خدمة الوطن، وللدماء التي سالت من أجلنا، أين الوجدان الذي يفترض أن تعيش عوائل الشهداء حياة أفضل من الجميع. هل من الوطنية أن يتحول المجتمع الى غابة، القوي فيها يأكل الضعيف، والمتنفذ يتجاوز القانون، وما بقي منه لا يطبق الا على الذين لا حول لهم ولا قوة ، بينما يمرح الفاسدون عرضا وطولا بأعمال عبثية من دون رادع .
هل من الوطنية أن يتحول التعليم الى بنايات بلا علم، ومؤسساته الى كوفيات بلا أخلاق، ولا أحد يقف متأملا التجربة ؟، الحقيقة التي لابد من قولها: اننا فشلنا في التأهيل، فعندما يتحول التعليم والتربية الى تجارة رابحة للمستثمرين اقرأ على الوطن الفاتحة، وعندما تمنح الشهادات بالمجان أقرأ على العلم السلام، وعندما يكون القبول بالجامعات لكل من يشاء فانتظر المزيد من الخراب، وكل من ظن ان التوسع في القبول انجازا فهو واهم، فلا تنوير سيحصل ولا ابداع سيُجنى، من قال ان الأوطان تبنى بالكم وليس بالنوع .
أن تفتح أبواب الوطن على مصاريعها للاستثمار غير المنضبط بقيود، يعني انك فتحت أبوابك للفساد، بل قل للتخريب، وهكذا خرب التعليم، رجاء، أعرف ما سيقوله البعض، ولكن الحقيقة ان مؤسساتنا فشلت في التأهيل التربوي قبل العلمي، فالأعمال الناجحة تُقاس بنتائجها، والنتائج ترونها أمام أنظاركم .
وما كان لهذه المظاهر وغيرها أن تحدث لو عملنا بمسؤولية على غرس حب الوطن في النفوس فكرا وسلوكا ونماذج، ولوجدنا الناس متكافلين عند الملمات، وساترا صلبا أمام الخطوب، وجهدا مخلصا للمبادرات، وعقلا نيرا لمواجهة التشرذم ، ولما أصبحنا مستسلمين لأقدارنا .
jwhj1963@yahoo.com
















