الإدارة البـريطانية فـي العراق
وليـد خالد أحمد
اكتسبـت عملية التنظيم الاداري أهمية خاصة فـي مجالات الحياة جميعـاً وذلك لصلتها المباشرة بالارشاد والتوجيه والرقابة فضـلاً عن صلة الادارة الوثيقة بالتطورات السياسية ومسؤوليتها المباشرة عن مجمل الأنشطة والترتيبات الادارية فـي مختلف الدول بغض النظر عن طبيعة أنظمتها السياسيـة.
وبالرغـم من أهمية الاجراءات الاداريـة التي قامت بها السلطات البريطانية فـي العراق خلال السنوات 1914ــ1921، لكنهـا لم تحظ بعناية الباحثين والمؤرخين بقـدر كافٍ حيث انصبت اهتماماتها على دراسة الجوانب العسكرية والسياسية باستثناء بعـض الدراسات التي أكدت جوانب معينة من الادارة أو اشارات عابرة ومختصرة وردت فـي بعض مؤلفات العرب والأجانب عن تاريخ العراق الحديـث.
تتـناول الدراسة تـاريخ الادارة البريطانية فـي العراق خلال المدة الممتدة بيـن عام1914 1921، وهي محاولة لدراسة واقع الادارة في العراق في حقبة زمنية مهمة جداً من تـاريخ العراق الحديث، ذلـك لأنها شهدت انحسـار الادارة العثمانية عن العراق لتحل محلها الادارة البريطانيـة.
والواقـع ان اختيار عـام 1914 بداية لموضوع الدراسة، يرجع أساسا الـى اندلاع الحرب العالمية الأولـى وبداية الاحتلال العسكـري البريطاني للعراق ومـا أعقب ذلك من تغييرات شاملة في أوضاع المنطقة. أمـا توقف الدراسة عند العام 1921، فيـرجع بالدرجة الأساس الى تتويج الأمير فيصل بن الحسين ملكـاً على العراق 23 أب 1920 بعـد تأسيس الحكومة المؤقتة 25 ت1 1920 ومـا رافق ذلـك من ظواهر ادارية جديدة اقترنـت بداياتها الأولى بهذه المرحلة وتتمثل في تحويل الادارة البريطـانية للعراق من أدارة مباشرة الى غير مباشـرة.
وتوطئـة لموضوع الدراسة، وجـد المؤلف لزاماً عليه أن يتطرق الـى السمات العامة لتشكيلات الادارة العثمانيـة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومدى نجاح العثمانيين في تطبيقها في العـراق.
بـدأت الدولة العثمانية تعانـي من الضعـف الشديد والانحطاط منـذ النصف الثاني من القرن السادس عشر، وقـد تجسد ذلك في اضطـراب الأنظمة الادارية وفسـاد الجهاز الاداري وتدهور وضعها الاقتصـادي فضلاً عن الهزائم العسكرية المتكـررة التي منيت بها القوات العثمانيـة سواء في حروبها ضد الدول الأوروبية أو فـي تصديها للانتفـاضات الشعبية التـي اتسع نطاقها في الولايات التابعة لهـا. لـذلك أدرك المسؤولون العثمانيون ولاسيمـا المتنورون منهم خطورة الأوضـاع وعمق الأزمة التي تعانـي منها دولتهم. فـاصدر هؤلاء مجموعة من اللوائح الاصلاحيـة والأنظمة الادارية خلال القرن التاسع عشر فـي محاولة منهم لايقاف التدهور التـي أصبحت سمت البلاد العامـة وايجاد حكومة مركزية قـوية ونظاماً أداريا يسمح للدولة العثمانية بالسيطـرة على المزارعين لتحقيق أقصى مـا يمكن تحقيقه من الايـرادات بعـد فرض الضرائب على الزراعة والتجـارة الخارجية فـي أعقاب تغلغل الدول الأوروبيـة فـي الدولة العثمانية وانتعـاش التجارة الخارجية خلال النصف الثانـي من القرن التاســـع عشـر.
فـفي المجال الاداري تم اصدار نظام الولايـات عام 1864م، الذي اقتبس كثيراً من أحكامه من التنظيم الاداري الفرنسي، وذلـك لعوامل عديدة كان أبرزها العلاقـات الدبلوماسية والتجارية القديمة بين الدولة العثمانية وفرنسـا، وقد طـالبت الأخيرة بحكم هذه العلاقات بضرورة الاصلاح الشـامل في الدولة العثمانية لضمـان امتيازاتها ومصالح رعاياهـا، لذلك كـانت تقدم المشاريع والمقترحات التي تتعلق بالجـوانب الادارية للدولة العثمانية، وقد اعتمدت فـي ذلك على بعثاتها العسكرية والدبلوماسية التي هيـأت الأذهان في الأوسـاط العثمانية لقبول المقترحات الفرنسيـة.
ويبـدو ان هذا النظـام نظام الولايات 1864 قـد غالى كثيراً في المركزية، لـذلك لم يكن مـن السهل تطبيقـه في العراق خلال السنوات الأولى لصدوره لعـدة أسباب كان من بينها، أن الادارة العثمانية لـم تتخل عن أساليبها التقليدية فـي جمع الضرائب الباهضة من القبائل العراقيـة، فـي حين لم تعـالج المشاكل الأساسية التـي كانت تعانيها هـذه القبائل ومنها مشكلة الأراضي الزراعية كمـــا لم تكـن هناك سياسة أدارية محددة تتعامل بموجبها مع القبائل العربية والكرديـة، ولم يغيـر النظام الاداري الجـديد شيئاً من حياتهم القاسيـة وطرائق معيشتهم البدائيـة، فكانوا معرضيـن دوماً للمجاعات المهلكة والامراض المبيدة واحتمـالات الحرب قائمة بالنسبـة لهم مع القبائل المجاورة أو مع القوات العثمانيـة. وممـا يزيد من خطورة الأمر وصعوبـة الموقف بالنسبة الى الادارة العثمانيـة، أن معظم هذه القبائـل قــد عرفت بتلاحمها العشائري، لـذلك شكلت انتفاضاتها تهديداً جديـاً للادارة العثمانية في العـراق.
وفـي الوقت نفسه لـم تمنح الدولة العثمانية ولاتهـا في العراق الصلاحيات الكافية ولـم تهيئ لهم المستلزمات المطلوبـة لتطبيق هذا النظـام الذي كان بحاجـة الى ادارة كفؤة وجريئـة.
لهـذه الأسباب لم يطبق نظام الولايات الصادر عـــام 1864، فـي العراق ألا فـي عهد الوالي مدحت باشا 1869ــ1972 الـذي أدرك أهمية تثبيت السلطة الفعلية فـي المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة العثمانيـة. لذلك اصدر سنـة 1870، نظام أدارة الولايـات العمومية الذي اعتمد اعتماداً كبيراً على نظام الولايـات العثمانية لعام 1864.
استـمر العمل بهذين النظامين حتى عام 1912، حينما صدر تعديل اداري طفيف أعقبه تعديل إداري آخر صدر فـي عام 1913، وسمي بقانون إدارة الولايـات العمومية وبالـرغم من أن هذا القانون ألغـى كل القوانين والأنظمة الاداريـة السابقة، لكنه فـي الواقع وعند مقارنته بهـا نلاحظ انه لم يتضمن تغييراً جوهرياً مهمـاً.
وبمـوجب هذه الأنظمة والقوانيـن، أصبح العراق منذ النصف الثانـي من القرن التاسع عشر يتكون غالبـاً من ثلاث ولايـات يتبع كل ولاية عدد من الألوية والا قضية والنواحـي، وقد اتسمت هذه الولايات بالاستقـرار قياسـاً على نظام الايالات الذي كان سائداً حتى ستينات القرن التاسع عشـر.
كـانت بغداد أولى هذه الولايـات، وقد اكتسبت أهميتهـا من موقعها الجغرافي فضلاً عن ماضيها العـريق ودورها الثقافي والسياسي، وكـانت على الدوام تحتفظ بالسيـادة والهيمنة على ولايتـي البصرة والموصل بصورة مباشرة أو غيـر مباشرة، كمـا تمتع ولاتها بمكانـة كبيرة ومتميزة حيث كان والـي بغداد يعد من ولاة الدرجة الأولـى، ويأتي مـن بعده والي البصرة ووالي الموصـل.
وعلى الرغـم من عدم استقرار الوحـدات الادارية التابعة لولاية بغداد، كـانت تشكيلاتها الادارية قبيل الحـرب العالمية الأولى تتألف من ثلاثة ألوية هـي لواء بغداد، وتتبع أقضية بغـداد المركـز ، الكاظميـة، الاعظمية، سامـراء، خريسان ديـالى ، خانقين، مندلي، بـدرة، كوت الامـارة، العزيزية، عنـه، ويتبع هـذه الاقضية ستة عشرة ناحيـة. امـا اللواء الثاني فهو لـواء كربلاء الذي كان يضم أربعـة أقضية هـي كربلاء المركز ، النجف، الهـندية، الرزازة، وتتبع هـذه الاقضية ست نواح. واللـواء الثالث المرتبط اداريا بولاية بغداد هو لواء الديوانيـة الذي كان يشمل أربعة أقضية، هـي الديوانية المركز ، الحلة، الشامية، السماوة، ويتبع هـذه الاقضية خمس عشرة ناحيـة.
امـا الولاية الثانية، فهـي ولاية البصرة التـي اكتسبت أهمية أداريـة لدى الدولة العثمانية لذلك أصـبحت تمثل المرتبة الثانية مـن حيث تسلسلها الاداري بعـد ولاية بغداد لمـا تتمتع به من موقع استراتيجي عنـد مدخل الخليج العربي فضـلا عن أهميتهـا من الناحيتين السياسية والتجاريـة.
كـانت البصرة حتى منتصف القرن التاسع عشر جـزءاً من باشوية بغداد وكـانت تعاني من الاضطراب الاداري بسبب بعدها عن الدولة العثمانيـة ومحاذاتها للحدود الايرانيـة، وكـانت مسرحاً لانتفاضات العديد مـن القبائل العربية آل سعدون وكعب الموجهة ضد الدولة العثمانيـة.
فـي عام 1869، جعـل منها مدحت باشا متصرفية تابعة لولاية بغداد ثــم رفعت درجتها الادارية عام 1875، الى ولاية ولكنها أنزلت مـرة أخرى عام 1880، الى متصرفية واستمرت كـذلك حتى عام 1884، حينمـا قررت الدولة العثمانية اعتبارها ولايـة مستقلة اداريا عن ولاية بغداد ومع ذلك فقد استمرت تتأرجح فـي درجتها الادارية حتى نهاية الحكم العثمانـي.
كـانت ولاية البصرة في أواخر الحكم العثماني تتكـون أداريا من ثلاث ألوية هـي
ــ لـواء البصرة وتتبعه أربعة أقضية، هـي البصرة المركز ، القرنه، الفـاو، الكويت. ويتبـع هذه الألوية عشـر نواح.
ــ لواء نجـد ويشمل أربعة أقضية هـي الهفوف المركز ، القطيف، قطر، الرياض، ويتبعها احدى عشرة ناحيـة. ــ لـواء العمارة، ويضم خمسة أقضية، هـي العمارة المركز ، شطرة، العمارة قلعة صالح ، الكحلاء، المجر الكبير، علي الغربي، ويتبع هذه الاقضية خمس نواح.
امـا ولايـة الموصل، فقـد تشكلت بموجب نظام ادارة الولايـات العمومية لعام 1870م بعـد أن كانت متصرفية، وكـانت هي أيضا تتأرجح في درجتها الادارية ولـم تأخذ الولاية شكلها النهائـي ألا في عـام 1879م حيـث أصبحت ولاية مستقلة اداريا عن ولاية بغـداد وقسمت أداريا الى ثلاثة الويه هـي
ــ لـواء الموصل، وتتبعـه ستة أقضية، هـي الموصل المركز ، العمادية، زاخو، دهوك، عقرة، سنجار، ويتبع هذه الاقضية احدى عشرة ناحيـة.
ــ لـواء كركوك، وتتبعـه ستة أقضية، هـي كركوك المركز ، راوندوز، كويسنجق، رانية، اربيل، الصلاحية كفري ، ويتبع هذه الاقضية أربع عشرة ناحيـة.
ــ لـواء سليمانية، وتتبعه خمسة أقضية، هـي السليمانية، كلعنبر، مغمورة حميد، بازيان، شهربازار، ويتبع هذه الاقضية احدى عشرة ناحيـة. لـم تستند هذه التقسيمات الادارية فـي الولايات الثـلاث الى أسس فنية ولـم تكن تطابق التقسيم الجغرافي فـي العراق، فقـد كانت الولايات الثلاث ولاسيمـا ولايتا البصرة والموصل تتأرجح درجتها الادارية وغالباً ما كانت تجري التعديـلات وتتغير حدود هذه الولاية أو تلك تبعاً لقوة وكفاءة الوالـي.
ففـي عهد الوالي مدحت باشا اتسعت حـدود العراق الادارية بعد حملته على الاحساء عام 1871، لكنهـا تقلصت بعده حيث اقتصرت تبعيـة بعض الألوية والاقضية للدولة العثمانيـة على الناحيـة الاسمية فقـط، وغالباً مـا يرتبط استحداث الوحدات الاداريـة بمصلحة الدولة العثمانية وأمنهـا الاداري. يـدير الولايات الثلاث جهاز أداري تشكل بموجب الأنظمـة والقوانين الادارية التي صدرت في الحقبة الواقعـة بين ستينات القـرن التاسع عشر واندلاع الحرب العالمية الأولى. كـان أولها نظام الولايـات الصـادر عام 1864، وتعـديلاته اللاحقـة التي كان أخرها قانـون أدارة الولايات العموميـة عام 1913، الذي نصت مادته على أن رئيس أدارة العموميـة للولاية ومرجعها هو الوالي ورئيس أدارة اللواء ومسؤولها هـو المتصرف ورئيس أدارة القضـاء ومسؤولها هو القائمقام، ورئيس الناحية ومسؤولها هو المديـر . وعلى هـذا الأساس كان الوالي يقـف على رأس الجهاز الاداري فـي مركز الولاية وقـد تمتع بموجب نظام الولايات لعام 1864، بصلاحيات توسعت تدريجياً في التعديلات الادارية اللاحقـة. بـعد ان أنهـت هدنة مودروس 30 ت 11918 الحرب بين بريطانيـا والدولة العثمانية، أصبح بعدها العـراق كله تحت السيطرة العسكرية البريطانية وبدأت مهمة جديدة من مراحل الادارة البريطانية من حيـث التخطيط والتنفيـذ الاداري. حيث شـرعت الادارة البريطانية عقب الحرب العالمية الأولى بتقسيم العـراق الى مناطق سياسية لا تختلف كثيراً عـن تقسيمات الادارة العثمانية مع بعض التحويرات التـي كانت تقتضيها الضرورات الادارية والعسكرية الملحـة والمستمدة من التقسيمات المعمول بها في الهند البريطانيـة. وعلى هـذا الأساس كـانت الادارة البريطانيـة خلال مرحلة الاحتلال العسكري تجمع الأنظمة العثمانية والهندية البريطانيـة. أصبـح ارنولد ويلسون على رأس الجهاز الاداري فـي العراق بصفته وكيل الحاكم المدنـي العام وكان لشخصيته الطموح وتجاربـه السابقة في الهند أثـر في مسيرة الادارة البريطانية فـي العراق خلال المرحلة التي أعقبت الهدنـة. عمـل ويلسون بجد ونشاط لبلوغ أهدافه وتحقيق مطامعه الشخصيـة، وكان أثـره ملحوظاً في الادارة البريطانية من نهاية الحرب العالميـة الأولى حتى عام 1920، كمـا كان لفضاضته المزعجة وغروره وشـدة عناده نتائج مهمة على صعيد الادارة الداخليـة. وكان يسـاعد ويلسون مجموعة من الضباط الذين استمروا فـي أعقاب الهدنة يشرفون أشرافا تـاماً على سير الأمـور بجوانبها كافة يعاونهم عدد من الموظفيـن البريطانيين والهنود العاملين فـي شتى مراكز الادارة المدنيـة. ولـم تكن لهؤلاء الخبرة اللازمة فـي شؤون الادارة لذلك عينت الادارة البريطانيـة مجموعة مساعدين من بعض موظفـي حكومة الهنـد الذين ألفوا أنماط الادارة المستقرة التي تتميـز بشدة التمسك بالتعليمات الرسمية الروتيـن . كمـا لم تكن لأغلبهم خبرة سابقة بطبيعة العـراق وأحوال سكانه فاخذوا يعالجون المسائـل الادارية في العراق على نمط الخط العـام الذي تعلموه وعملوا به في الهنـد، فكان من الصعب عليهم التمييز بين الأمور المهمة التـي يجب اعطاؤها أهمية خاصة وأسبقية فـي التنفيذ والمسائل الأخرى التي تحتـل أهمية ثانويـة.
ومـن هــــذا المنطلق أصبحت اغـلب المناطق العراقيــة يديرها موظفون بريطانيون يسمـون بـ الحكام السياسيين يـكون مسؤولين أمام الادارة المركـزية التي منحتهم صلاحيات ادارية وقضائية واسعـة وجهزتهم بقـوة عسكرية محلية متمثلة بقـوة الشبانة التي تغلغـلت الادارة البريطانية بواسطتها الـى أعماق المجتمع العشائـري.
وعـلى أساس هـذا النمط من الحكـام السياسيين وأسلوب تفكيـر وكيل الحاكم المدنـي العام ومخططات السياسة البريطانية قـد احتفظت الادارة البريطانية في العراق خلال هذه المرحلة بصفتها العسكريـة لتواصل ممارسة أساليبها القسريـة.
فـبالرغم من توقف العمليات العسكرية لكـن الادارة العرفية كـانت هي السائدة وكانت تمارس نظاماً عسكرياً صارماً يتولى تنفيـذه ضباط بريطانيون يتقلدون كـل الوظائف التنفيذيـة في طول البلاد وعرضها لا يعـرف معظمهم اللغة العربيـة ويختلفون عن أسلافهم من العثمانيين في الملبس وسبل التعامل والعـادات الاجتماعية ويفتقـرون الى المرونة والتساهل وتنقصهم الحكمة والبصيـرة.
بعـد ان فرضت قوات الاحتلال البريطانـي وضعاً عسكرياً على المدن العراقيـة، سارعت هـذه القوات بسبب جسـامة الواجبات المطلوب تأديتهـا الى تشكيل الدوائر التـي كانت مهمتها الأساسية سد الاحتياجات العاجلة للقـوات البريطانية وتقديم بعض الخدمـات للسكان وتنظيم العلاقـة بين الطرفين بشكل يضمـن للادارة الجديـدة فرض أعلى درجات السيطـرة العسكرية ويحقق لها اكبـر قدر ممكن من المنافع الماديـة للتعويض عمـا خسرته بريطانيا فـي حروبها العسكريـة وتساعد فـي التخفيف من عبء نفقـات قواتها العسكرية الموجودة في العـراق.
ان خبـرة الاداريين البريطانييـن المستمدة من تجاربهم السابقة فـي الهند ومعلوماتهم الاستخبارية عن العـراق والموقف الصلب للقبائل العراقيـة خاصة ولأبناء الشعب العراقي عامـة قد ظهـرت للمستعمرين البريطانيين أن أحكـام الهيمنة على ناصيـة العراق يعد من الأمـور الصعبة ما لم تكن لهم قاعدة مضمونة يمكن الاعتماد عليها لتنفيذ مخططاتهم الاستعمارية، لـذلك حاولوا كسب زعماء القبائل الى جانبهم بالمغريات المـادية والمعنوية المختلفة كمنحهم الهبـات واعفائهم مـن الضرائب واقطاعهم الأراضـي الزراعية وتعيينهم موظفين أدارييـن ثم شرعوا نظـام دعاوى العشائر المدنيـة والجزائية عـام 1916، الذي يمثل جانبـاً من سياسة الادارة البريطانية في تهنيد العـراق. اتضـح للحكومة البريطانية في المراحـل الأخيرة من الحرب العالمية الأولـى أن مشاريع الادارات المتعددة كـانت تتعرض مع مصالحها السياسية، لـذلك غدا العراق في نهايـة الحرب يتكون من منطقة أدارية واحـدة تدار مركزياً من بغـداد ويشرف عليها وكيل الحاكـم المدني أو من ينوب عنه الذي اخذ يعمل على تحويـل العراق الى مستعمرة بريطانية تخضع للسيطـرة الادارية المباشرة ولاسيما أن العراق كان لـه وضعه الخاص في حسابات الحكومة البريطانيـة.
لـكن أسلوب الحكم المباشر جوبه بالرفض الجماعي من أبناء الشعب العراقي مما اضطر الادارة البريطانية الى أتباع أسـاليب شتى للحـفاظ على مصالحها الحيوية التـي خاضت الحرب من اجلهـا فتقلبت سيـاستها الادارية فـي العراق تقلبات عديـدة وارتدت أثوابا مختلفة وطرقـت عدة أبواب كمشاريع المجالس البلـدية والاستفتاء العام والحكم الذاتـي اضافة الى سياسـة العنف والقوة التي كانت احـد الأسباب المهمة لقيام ثورة العشريـن التي طويت تحت زخمهـا الادارة البريطانية المباشرة حيث وجد البريطانيون أنفسهـم مجبرين على ممارسة سياسة أدارية جديـدة، لذلك اخـذوا يخططون لمرحلة جديـدة من مراحل الادارة غير المبـــاشرة والحـكم المستمر بعد تشكيل الحكومة المؤقتة وتتويج الملـك فيصل الأول.
اقتـضت طبيعة موضوع الدراسة تقسيمها على مقدمـة وأربعة فصول وخاتمة. فمـن اجل تقديم صورة عن واقـع الادارة العثمانية فـي العراق لمرحلة ما قبل الحــرب العالمية الأولى تابع الفصل الأول الادارة العثمانية فـي العراق من عام 1864، حتى قيـام الحرب العالمية الأولى، مـن حيث التقسيمات الادارية فـي العـراق وطبيعة الجهاز الاداري ووظائف عناصر هـذا الجهاز وما انتابه من تخلف وفساد مما الحق الضـرر الكبير بالشعب العراقي فضلاً عن القـوة العسكرية ومحاولات تطويرهـا وواجبات أجهـزة الأمن والقضاء التـي تحولت الى أداة قمعيـة استهدفت ضمان هيمنة الادارة العثمانية فـي العراق وبـذلك تكون قـد ابتعدت عن أهدافها الأصلية وهـي تحقيق العدل والنظـام. وناقـش الفصل الثانـي، الادارة البريطانية فـي ولاية البصرة 1914ــ 1918، بـوصفها تمثل الجزء الأول من الأراضـي العراقية التي تعرضت لغزو الجيـوش البريطانية وتكوين المؤسسات الادارية البريطانيـة التي تزامن تشكيلها مع العمليـات العسكرية في منـاطق البصرة والقرنة والعمارة والناصرية والكوت، وقـد تبين هذا الفصل النظم الادارية الجديـدة التي شهدتها ولاية البصرة في ظروف الحرب العالميـة الأولى.
وكـان مدار بحث الفصل الثـالث حول تشكيـلات الادارة البريطانية فـي ولاية بغـداد من احتلال مدينة بغـداد في 11 آذار1917، الى نهاية الحـرب العالمية الأولى، حيث تم التعرف على اجراءات الادارة البريطانية فـي مدينة بغداد وفـي منطقة الفرات والمناطق الشمالية والشمالية الشرقية التي أصبحت تـؤلف منطقة ادارية ثانية فضلا عن ولاية البصـرة.
امـا الفصل الرابع، فقـد درس الكتاب فيه الادارة البريطانية فـي العراق من نهاية الحرب العالمية الأولى حتـى عام 1921، من حيث أبعـاد السياسة الادارية التي انتهجتها الحكومة البريطانية خلال المرحلة الأولى التي تشمل المدة الواقعة بين 30 ت 11918 وقيام ثورة العشرين 30 حزيران1920، والتـي كان من نتائجها تفكير الادارة الاستعمارية البريطانيـة بأسلوب جديد لحكم العراق بحيـث يضمن لهم أحكام قبضتهم على القطر العراقـي، فجاءت المرحلة الثانية التـي بدأت بتشكيل الحكومـة العراقية المؤقتة ومن ثم تتويج الأميـر فيصل بن الحسين ملكاً علـى العراق والتغييرات المهمة التـي شهدتها هذه المرحلة ومن أبرزهـا تعيين الموظفين العراقيين لادارة الألوية والاقضية والنواحـي.
/8/2012 Issue 4265 – Date 1 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4265 التاريخ 1»8»2012
AZP07
















