الإختطاف – احمد جبار غرب

766

قصة قصيرة

الإختطاف – احمد جبار غرب

الاربعاء هو الموعد الذي اعلن عنه لتجمع مجموعة من الكتاب قبل انطلاق تظاهرة من اجل نيل الحقوق في ساحة التحرير لتظاهرة حاشدة من الجماهير الغاضبة على سياسات الحكومة وعلى فسادها الذي ازكم الانوف وادمع العيون وفي سبيل ان يتشكل وعي جمعي بالأخطار المحيطة بشعبنا بعد سنوات عجاف لم نحصد منها سوى الخوف والقتل وإثراء غير مسبوق لرجالات الطبقة السياسية .كنت حريصا على الحضور وتلبية النداء الوطني فاستقللت سيارتي واتجهت الى مكان الاحتفالية والاستعداد للتظاهرات ألكبرى, وصلت مبكرا ورأيت اصدقاء يجلسون على طاولات الصالة المخصصة للحضور ويتبادلون الاحاديث المختلفة ،جلست على احد الكراسي منعزلا كعادتي لاستغرق في قراءة المشاهد اليومية التي تصادفني ، تناولت كوبا من الشاي بعد ان ناديت على النادل فأوصله بأسرع مما يكون ومازال الافراد يتواصلون في الحضور الى هذه القاعة نساء ورجال وشباب وشيوخ يعلوهم الحماس والانفعال الوطني والوطن يستحق منا كل دعم وتضحية وهو صاحب فضل على الجميع ..تكاثر الوافدون بعد مضي الوقت وازدهرت الساحة بالالوان المتناثرة لأزياء الحضور حتى سمعت نداء من احد المشرفين على الاحتفالية بالحضور الى الساحة وانطلقنا نحو المكان بعد ان اعد المكلفون بالفعالية تجهيزات الاحتفالية من سماعة ومضخم صوت ومنصة للوقوف حيث عملنا طوقا كالدائرة ونصبت المنصة لإلقاء الكلمات واعتلى المنصة رئيس المنتدى ليلقي كلمة تشيد بالوطن والمتظاهرين وضرورة مواكبتهم بالحضور الى ساحة التظاهرة لتقديم الدعم والمساندة ثم القيت قصائد وأبيات من الشعر تتغنى بالوطن والناس وأمجاد البلاد كما كان هناك قنوات فضائية وثقت هذه الاحتفالية بتقارير لاحقة ، ثم اعلن عن انتهاء الاحتفالية والتأكيد على الجمهور اللقاء في التظاهرة ألكبرى لنعطي زخما قويا للتظاهرات الشعبية الموعودة ونساند اخواننا الذي ضحوا بأرواحهم من اجل الوطن .ثم غادرت المكان مودعا الاصدقاء على امل اللقاء في التحرير اسرعت الى سيارتي التي اركنتها في مكان قريب حتى لا اتعرض الى غرامة مرورية كما يحدث دائما وفي كل مرة اترك سيارتي وارجع لها اول ما يتبادر الى ذهني الغرامة فالقي نظرة اولى الى الزجاج الامامي الذي اعتاد الشرطة ان يضعوا الغرامة المرورية عليه وحمدت الله انه لا توجد غرامة مرورية ,صعدت الى سيارتي مع النظر الى جوانب السيارة ومرآة الاتجاهات والخلفية وكانت من طباعي الشخصية ان اكون حذرا ومحتاطا ودائم الارتياب على نطاق الحس الامني ..كنت اعتقد ان لدي حاسة سابعة فالشخص الذي اقابله اشدد على تعميق النظر اليه ومحاولة فهم سلوكه من خلال هيئته العامة ونظراته ودائما الافعال تغطيها اشارات ودالات مبطنة لكنها تظهر على الملامح وتفضح سلوكيات مرتقبة ..رجعت بسيارتي الى الخلف لأستدير مع النظر لجهة اليسار حتى اتيقن من عدم وجود مركبة بالاتجاه الذي انا فيه او انتظر حتى يخلو الشارع من السيارات وانطلق بسيارتي وهذا ما حصل ،انطلقت في الشارع وكان الزحام شديدا في الساحة اذا صادف تقطيع للطرقات في كل انحاء بغداد مما جعل الزحام على اشده وأنا اسير الهوينا قليلا جدا اشغلت الراديو لسماع الموسيقى لقتل الضجر من الزحام والوقوف الاضطراري كل هذا والحركة بدت شبه معدومة لكثرت السيارات والزحام والغضب الجامح على سواق السيارات بعد ان تعالت اصوات المنبهات دون فائدة ،التفت الى الخلف رأيت سيارة سوداء دفع رباعي ملاصقة لسيارتي وكل 10 دقائق تتحرك السيارات لأمتار قليلة ،تحركت قليلا الى الامام حتى سمعت صوت خبطة على سيارتي من جهة الجانب الايمن .. لم اقلق من ذلك وتجاهلت الامر والسائق الذي ضرب سيارتي كان سيارة اجرة نزل صاحب السيارة متفحصا سيارته كانت سليمة من اصابة او خدوش بينما انا كنت لا ابالي بالموضوع وهنا صاح السائق

-على الاقل انزل شوف السيارة شبيها مابيها !؟

نزلت من سيارتي وكان الزحام على اشده والسيارات واقفة بسبب الزحام

-عزيزي انت الضربتني شتريد مني بعد !؟اتريد اصلح لك سيارتك معقولة يا اخي !!!وهنا قال سائق الاجرة

-انت من ضربتني

رجعت الى سيارتي وأطرقت الصمت وقد نزلت من سيارة الاجرة فتاة ترتدي بنطلون وبلوفر اسود وفي يدها كاميرا ودفعت مبلغا من المال الى السائق بينما هم السائق بالركوب الى سيارته والانطلاق بالمسير

كانت محاولة خبيثة لاستفزازي وجري الى مشاجرة محسوبة التوقعات والنتائج لكني اعرف نهاية تلك الاحابيل ولم تنطلي علي الحيلة وفي التقاطع حيث امر شرطي المرور بالوقوف لفسح المجال لسيارات الجهة الاخرى بالسير وحسب الاسبقية وقد استغرق الامر عدة دقائق كما تعودنا على ذلك ثم انطلقت بسرعة باتجاه الجسر وكانت هناك فسحة من السير حتى داهمتني السيارة السوداء الدفع رباعي التي لمحتها سابقا وصدمت سيارتي من نفس اتجاه اليمين كان منطلقا بسرعة ومتعمدا ذلك .لم يحدث على مدى سنوات ان حصل هذا الامر ان اتعرض لصدمتين في وقت متقارب وبهذه السرعة الامر يحتاج الى بعض التأني والتفكير …لمحت شاب طويل القامة ذو لحية خفيفة ينزل من سيارته باتجاهي بعد ان نظر الى سيارته

-(انزل لك سافل !…انت مشوف اعمي والله اليوم الا انعل والديك ..تركبون سيارات وانتم ماتعرفون السياقة الا اطلع لك كلب)موجها كلامه لزمرته..

– (اخذوا موبايله بسرعة)

صعقت من هذا الكلام وهو الذي صدم سيارتي ،ثم نزل ثلاثة شباب من سيارته وأنزلوني من السيارة وأشبعوني ضربا ثم وضعوني داخل سيارتهم وبعدها قام احدهم بتعصيب عيوني بقوة وانطلقت السيارة بسرعة وكنت انا العبد الضعيف لا حول له ولا قوة ،شارد الذهن ،موهون القوى خائر الجسد وقلت هنا نهاية المطاف انها حالة اختطاف كنت غبيا بفتح الباب لهم ..كان علي ان لا افتح الباب !لا مجال للندم الان لكن حصل ما حصل ،سارت بي السيارة وهم صامتون لمدة ساعة بمنعرجات وزوايا مختلفة كنت احاول ان احدد المسار لكن الدورات السريعة والوقوف الدائم احبط المحاولة ثم انزلوني في مكان لأعرف ان كان بيت او مدرسة او اي شيء آخر وأنا لازلت مغمض العينين وشعرت بدوار في راسي ربما من شدة العصابة على عيني ثم نزلوا بي الى اسفل المكان وهو منخفض او سرداب او ملجأ ملحق في بيت على ما اضن ولا حقيقة اجهل المكان وربما يكون سجنا كبيرا لا اعلم على وجه اليقين وانهالوا علي بالضرب في كل اتجاه واحدهم يصرخ في وجهي والشرر يتطاير من عينيه

-صايرلي وطني مو ..الا اخليك تزحف على اركبك ياساقط ..انتم شتريدون من الحكومة شنو عايزكم ؟

شو تحجون وتظاهرون وعدكم جرايد وانترنيت.. ورواتب قوية شمحتاجين …موجها كلامه لزمرته..

– (اخذوا موبايله بسرعة) …سحبوا الهاتف من جيبي ومع كل كلمة معها الضرب بالأيدي والأرجل

شددت على نفسي بالقول

-انتم منو ؟..وشتريدون مني !؟؟ترة اني انسان بسيط اروح بدربي واجي وصاحب عايلة …رد علي احدهم بغضب -شوف انتم هذولة المثقفين كل اسباب البلاء في كل البلدان ماعدكم شغل وعمل بس اتحرضون الناس عالشغب بس اليوم اعلمك واطيك درس مفيد ماتنساه

يبدو اني في واد وهم في واد آخر لافائدة من الكلام معهم هؤلاء مأجورين ومصممين على هذا العمل ..اسمع تسارع خطوات مبتعدة عني ..قلت في نفسي ربما ذهبوا وفي هذه الاثناء جائتني ركلة قوية ازاحتني ارضا

-اعترف لك لاتموت اليوم …اعترف والك الامان …افتهمت لو افهمك بطريقتي..

شعرت بالمهانة والذل وكم ابدو صغيرا وتافها الان في نظرهم وهذا انا الذي يجعجع في كل مكان ..قلت له (على شنو اعترف اخي اني ما عندي سوابق اجرامية الله كفيلك )ومع كلمة تأتيني لطمة اخرى ولحقها بثانية مع صرخة في وجهي

– منو جماعتك بلغني عليهم وين تجتمعون ترة احنا مراقبيكم موغشمة )كنت اعرف ان هذا الاحمق يرتب كلام لاوجود له من اجل نزع اعتراف لاغير

– صدكني اني رجال مو سياسي وماعندي اي اصدقاء قريبين علي )ثم ناولني الهاتف وما ان مددت يدي اليه حتى ركلني بقدمه وسحب الهاتف

– لك اريد الباسوورد بسرعة وهو بيدي

– فتحت الهاتف ثم انطلق الرجل ليعبث به ثم بدت عليه الدهشة والاستغراب

– (هذولة كلهم اصدقائك فوك الميتين رقم )حاولت ان اضحك لكني في وضع مكسور نفسيا كانت الاسماء لشخصيات معروفة جدا وهو لايعرفها قلت في داخلي كم انت جاهل ايها الاحمق

– عزيزي هذولة ابناء عشيرتي واقاربي اقسم لك احتاج لهواتفهم للتواصل معهم في المناسبات كأي انسان آخر

– (زين هاك اتصل بواحد منهم )فاجأني بطلبه

– استاد(حاولت نفخه)خطي معلق ولايتصل او يستقبل اتصالات ..وهنا انفجر غاضبا

– لعد المن شايلة للخلفوك !؟رمى الهاتف بوجهي وانصرف عني مسرعا ، بقيت وحيدا داخل الغرفة وانا اتأمل الضوء الخفيف من جوانب الباب اشعلت سيجارة ونفثت نفسا عميقا ..فكرت في سيارتي وكيف يكون حالها ثم استدركت مرتعشا (الاولى ان انفذ بجلدي واخلص رأسي وكل شيء يهون اي سيارة او تخريف آخر) وانا اسرح بافكاري حول عائلتي وقلقهم وماذا عساهم فاعلون بغيابي . ساجد عذرا لغيابي دون البوح بماذا جرى لي ولكن دعك من هذه الافكار اولا كيف انجو من هذا الخانق الضاغذط على الانفاس وفجأة سمعت اصوات صياح وذعر بين الاشخاص كنت اتسائل هل حصل خلاف بينهم او كانوا يتمازحًون لا اعرف ماذا جرى !؟وارتفع الصياح والجلبة بينما هناك اصوات ترتفع في الخارج تدعو لاقتحام السجن وتخليص النزلاء والمعتقلين كنت استشعر وأتأكد من وجودي خشية ان اكون في حلم وانا يقظا لكن ازدياد الهرج واللغط في الخارج زاد اطمأناني ومع اختفاء اصوات الخاطفين ويبدوا انهم نفذوا بجلودهم وازداد صياح المقتحمين لبيك يا عراق وعاش العراق وكلنا فداء العراق وما لبثت حتى دخل على الغرفة مجموعة من الاشخاص قالوا هناك ثورة شعبية عارمة في كل مكان للإطاحة بهذه الحكومة ألفاسدة حمدت الله على كل شيء ثم فكوا وثاقي وانطلقوا بي الى الخارج الى فضاء الوطن الفسيح وهناك وجدت الحشود الكبيرة وهي تهتف وتغني للوطن .لبيك يا عراق فداك يا عراق.

مشاركة