الإثم المدهش.. كتاباً وكاتباً

854

جهاد الزين ينقد تجربته في الكتابة السياسية

الإثم المدهش.. كتاباً وكاتباً

لطفي نعمان

بخلاف المرجو من توثيق كتاباته، باغتنا الصديق الأستاذ جهاد الزين بأن نقدَ أسلوب كتابته، وجعل نفسه جزءً من الكتابة. لا العكس.. فزيّن جهاده المتميز بالتعليق السياسي عبر كتابه الناقد تجربته في الكتابة السياسية “المهنة الآثمة”.

بما اتسم به من اعتزاز بالذات المستقل فكرياً، وصمَ بالإثم الصحافة مهنة المتاعب، وأحرز سبقاً بهذا الأسلوب الرائد.. ولن يقال عن أسلوبه “تاريخي” وقد انتقدت سطوره إيراد هذا التعبير –حد الإسفاف- على كل شاردة وواردة يومية، مستحقة وغير مستحقة، كمن لا يستحقون أخذ مواقف مفيدة لصالحهم.. حد قوله.

يُظَن وبعضه ليس بإثم؛ أن الكاتب أثِمَ وظلم كتابه -الصادر عن رياض الريس للكتب والنشر 2018م- عندما قصر عنوان الكتاب الفرعي بأنه نقد تجربته في الكتابة، بينما نقد جُملة ظواهر دولية عالمية وإقليمية عربية ومحلية لبنانية. وأشبع قراءه بمعلومات ووقائع وتساؤلات معذِّبة وعذبة، هي وقود وزاد تعليقاته وتوصيفاته الدقيقة للظواهر السلبية والإيجابية على حد سواء.

عرض النص

ضمن الإثم المدهش، عرض الزين “النصَ” المتأرجح بين “فساد” وارتياب و”تنذيل” و”نسونة” و”تحريم”، التحريم هنا ليس تحريم نص نقد الدين بل نقد الجماعات “الديناسية: الدينية السياسية”. وعَبَر القاراتَ بالقارئ المهتم بدراسة تجربة الزين الكتابية، أو تجربة الصحافة عموماً، واتصالها بالمال السياسي.. وتناول تجارب السياسة باتجاهاتها يساراً عميق الثقافة والتحليل –يتخلى رموزه عن وهم الإيديولوجيا حال التطبيق والتنسيق السياسي الخارجي (ماوتسي تونج مثالاً)- ويميناً واقعي الرؤية عميق التنفيذ وبسيط التحليل –يستعير قادته مرجعيات اليسار عند التخطيط (دوائر أميركية مثالاً)-(..). وتطرق لظواهر مثيرة الجلبة بدءً من الحاكم العثماني لسورية ولبنان جمال باشا السفاح والمسفوح، مروراً بإرباكات جمال عبدالناصر وصدفة تقاطع الموقف المصري الإسرائيلي تجاه حلف بغداد، ودهشةً بمحاكمات تشاوشيسكو المستهين بالقضاة قبل صدام حسين مُجفف منابع الأهوار وحسني مبارك مُحترِم القضاة والقضاء، وامتعاضاً من تسلط رجب طيب أردوغان، ومتابعةً لسقوط السوفيات ونهوض الصين، واستنكاراً لجرائم إسرائيل ونبشاً لمجازر حرب لبنان، وتناقضات سوريا الأسد والمعارضة، واستفادة حماس من اتفاق أوسلو، وتنويهاً بإصلاحات محمد بن سلمان السعودية، وتماسك مصر، قبل أن يختتم الظواهر بأوغدها –طبقاً للزين- وأعقدها: الترامبية.

للتعقيد في أسلوب جهاد الزين -يُقر به بشكل شجاع- لذة ومتعة تفوق لذة الإثم.. من حيث “الدقة في التعبير” وتجنب التعليق عموماً على بعض مواضيع الصحافة الداخلية لا سيما وأن الصحافي والمحلل أو المعلق السياسي يبني تعليقه وتحليله ورأيه على تشكيك وإضافة معلوماتية ومعرفية، ثم يصدر حكماً بما يكتب ويقول فيتقمص دور القضاء “الشريك في آخر مراحل الاغتيال” وكذلك “المفتي” مع القراء القضاة أيضاً الذين يهتم لاهتمامهم وانتقادهم حسب المهنة الآثمة.

مرد دقة تعابير الزين، ثقافته الحقوقية في الجامعة اللبنانية –موضع نقده للفشل الدولتي والجامعي- حيث درس القانون والحقوق الذي هاجر عالمه إلى عالم الصحافة.. ووسط العالم الأخير تدرج في المهنة وهاجر من مستوى لأعلى قبل هجرته الصحافية والكتابية من صحيفة لأخرى، السفير فالنهار، ومن تيارٍ كان فيه المستقل فكراً ورأياً ورؤيةً، ومستشرف المستقبل –دون أن يتنطح- بما أوتي من معرفة تاريخية وقدرة تأريخية تدقق الوقائع المنتهية، ومواكبة راهنة بموجب المهنة ناقلة الوقائع، فيجازف بالتعليق وقد ضاعف رصيده المعرفي وزاد آفاق ثقافته السياسية اتساعاً، من باب “العلم وعاء يتسع كلما امتلأ”.

سرد التجارب

يتواضع أ. جهاد بوصف ثقافته بالمحدودة.. وأي محدودية عند من استرسل في سرد التجارب والمجازر والمواقع والدروس المشهودة، واستطرد كاتباً معلقاً وواصفاً مشاعره إزاء كل الوقائع الذاتية و”الغيرية”.. غير هذا الزين –في حدود محدوديتي- ما ابتدع أو ابتكر شخصاً وصف المهنة بالآثمة كَمَاهُ.. بل ولن يكون هذا القانوني – الصحافي مجافياً واقع الحال، عندما أثَّمَ المحيط بالمهنة حتى أثمت، وشهد بآثام المحيط والمهنة وما هو بذلك “آثمٌ قلبه”.

لا أخاله أثِمَ وقد شهد وأشهر من غِمدِه مصطلحات وتوصيفات مكثفة لأسلوبه، تستحق الدرس بحق، مع قصائده وذكرياته القافزة “كضفادع” أو “اسطنبول”، وشخصت كل المعاناة الإنسانية “من غرفة العناية الفائقة” في “شلل مستطير”، قصيدة “قوسٌ” أوجزها تكثيفاً وكشفاً لِكَم يكره العالم نفسه:

“مطرٌ يكرهه غيمُه، سمكٌ يكرهه ماؤه، شِعرٌ يكرهه بحرُه، ما هذا الحقد الرائع في الواحات..!”

الواحات المحيطة بجهاد الزين، والموحية بالفساد والنذالة، الغامرة هواءها ونصوصها.. لها تاريخ أرخته سطور المهنة الآثمة، توكيداً على صحة قناعة –وتجربة- الأستاذين فؤاد مطر ورياض الريس بقدرية وثنائية الصحافي المؤرخ. لن تستغرب هنا توثيق إجابة الوزير فؤاد بطرس على تساؤل جهاد لدى جدار مقصوف بمنزل بطرس تؤرخ ضبابية الرؤية السياسية عامةً.. من حيث “تسليم البلاد لقيادة ميليشياوية تلافياً لما هو أسوأ”، كأن ذلك الأقل سوءً!

تأريخُ الزين وذِكره، نتاج القرب من مسرح مجازر، وعبور شوارع مذابح محظوظة إما بالتجاهل والاستنكار، ومآس عامة وهجرات نخبوية، هي نبذٌ لما عده “احتقار السياسة للذاكرة، وتزويرها للتاريخ”.. مع إقرار صريح بحالات ذاتية اضطرتها أجواء الحرب و”ما بعده”  فجسدت الحقيقة و”ما بعدها”.. في بلدٍ نامٍ نامَ على الفساد وصحا على نفاياته.. وهنا تُنتقد التجربة برُمتِها و.. رِمتها!ومن خير آثامه، مواكبة كل تطور (وتدهور!) وارتحاله من تخطيط الورق إلى نقرات الديجيتال، وخوض عالم التواصل الاجتماعي، المغمور بآثام إملائية ولغوية ينتقدها الزين بطبيعة الحال. ويفخر بما بلـــــــــغ من امتيازات تدقيق ما لذ وطاب من معلومات وكتب أونلاين عبر غوغل بعد 30 سنة من حديث محرري الكريستيان ساينس مونيتور عن مركز فيلادلفيا للمعلومات أثناء دورته التدريبية ببوسطن.

المُقال في المهنة الآثمة عن الوقائع والحقائق الواحدة، والمعايير المشهدية، ومآلات الربيع العربي و”سقوط جيل الإنترنت سياسياً قبل أن يصل إلى السلطة” من حيث إتاحة ثورة هذا الجيل عملية “تدليتهم (من Delete) حذفهم لمصلحة جيل الحزبيتاريا والعسكريتاريا والجماعات الديناسية “الدينيتاريا”. وكيف أن الديمقراطية لم تعد شرط نهوض في ظل نجاح اقتصادي، والعنف والفساد المنسيين، والصحافة بمانشيتات الولاء المطلق وتفاهة التغطية، وإسرائيل المتفوقة وما تتطلبه إيران من عصر نهضة أوروبي -قد ينجي العربان من حِيل إيران-، وتساؤلاته التأريخية بوحي عقله السياسي عن صراعات المنطقة ومَصارع من فيها بالاغتيالات، ومن راجت عنهم الشائعات بأن سلطاتهم مُنشط جنسي (…). كل هذا المُقال غير صادمٍ لمن عرف كُنه المسألة وأدرك “مشكلة إدراك المشكلة” كجهاد الزين مُدرِك مشكلة غياب “الوطنية الدســــــــتورية”، ومعضلة “التسميات الكبرى” وواقع “الكيانات الصغرى” المقبولة بتفوقها والمرفوضة بتغولها.بين اللا مُقال –مع أشياء أخرى لم تُقَل صراحةً- أثناء حديثه عن اللا مَقال، تأثر جهاد الزين بقدرة والتر ليبمان مستحدث تعبير “الحرب الباردة”، لا على استحداث التـــــــــعابير والمصطلحات فحسب، وعلى التركيز واقتطاف ساعة للقراءة الفكرية والتنظيم الصارم للوقت، بعيداً عن إثم تسطيح الأـــخـــــــبار اليومية. وهو خيراً يفعله دوماً عبر الصحيفة -ويوماً عبر كتاب- حينما ينقل لقـــــرائه من قراءاته ثمار “كفاحه التوثيقي”، عبر “مسار جهاده التــــعليقي.. الزين”.

مشاركة