الأهمية الستراتيجية لمشروع قناة السويس الجديدة

618

الأهمية الستراتيجية لمشروع قناة السويس الجديدة

عماد علو

تمهيد

يقول المؤرخ الامريكي البروفسور هالفورد هوسكينز (لم يؤثر عمل انساني مادي على علاقات الأمم بالقدر الذي فعله شق قناة السويس، إذ من الصعب أن نتصوَّر إنجازًا آخر في حدود القدرة البشرية يمكن أن يغيّر أوضاع الطبيعة أكثر منها، فبعملية (جراحية)  جغرافية بسيطة، تمَّ اختزال قارة بأكملها هي إفريقيا. القناة أعادت وضع مصر، والمشرق العربي في قلب الدنيا وجعلتها بؤرة الخريطة العالمية) .

لذلك تعتبر قناة السويس أهم مجرى ملاحي في العالم اليوم ، حيث تربط بين البحرين الاحمر والمتوسط ، و تتحكم في 40بالمئة من حركة السفن والحاويات في العالم وكذلك لربطها بين دول جنوب شرق آسيا وأوروبا والأمريكيتين . وهي عبارة عن ممر مائي إصطناعي بطول 193 كيلو متراً يربط بين بورسعيد على البحر الأبيض المتوسط والسويس على البحر الأحمر. وتقسم القناة إلى قسمين، شمال وجنوب البحيرات المرّة. تسمح القناة بعبور السفن القادمة من دول المتوسط وأوربا وأمريكا الوصول إلى آسيا دون سلوك الطريق الطويل – طريق رأس الرجاء الصالح. وقد استغرق بناء قناة السويس 10 سنوات (1859 – 1869)، وبلغت ايرادات قناة السويس في عام 2010 نحو 4.8 مليارات دولار أمريكي وبلغت 5.2 مليارات دولار في عام 2013. ومنذ انشاء قناة السويس ، اكتسبت القناة أهمية ستراتيجية عالمية خاصة كونها أهم ممر ملاحي في العالم يربط بين الشرق والغرب، ويتحكم في تجارة دول العالم، وهو الامر الذي انعكس بشكل مباشر على الدولة التي تملكها وتتحكم بها وهي جمهورية مصر العربية حيث اكتسبت أهمية استراتيجية خاصة. وتتولَّى (هيئة قناة السويس)  المصرية الإشراف على إدارة هذا المرفق الحيوي والمهم، سواء على الصعيد الستراتيجي المصري، أو على المستوى الجيوستراتيجي العالمي.

مشروع القناة الجديدة

في مطلع آب 2014 ، وبمناسبة الذكرى الثامنة والخمسين لتأميم قناة السويس، اطلقت الحكومة المصرية مشروعا” ستراتيجيا” جديدا ” لإنشاء قناة موازية للقناة الحالية ، سينفذ خلال عام وذلك بتكلفة أربعة مليارات دولار وبطول 72 كيلو متراً . لتسهيل عبور السفن باتجاهين وتحويل المنطقة من مجرد معبر تجاري إلى مركز صناعي ولوجستي عالمي لإمداد وتموين النقل والتجارة. وقد تنافست 14 مجموعة شركات على تنفيذ القناة الجديدة وفاز بها تحالف يضم الجيش المصري مع شركة دار الهندسة. ويشرف على إنشاء المشروع لجنة وزارية يرأسها رئيس مجلس الوزراء إبراهيم محلب وتنفذه القوات المسلحة المصرية منفردة وبالشراكة مع دار الهندسة ومكاتب خبرة عالمية. ومن المتوقع ان تبلغ كلفة شق القناة الجديدة 4 مليارات دولار ويطمح المشروع إلى توفير مليون وظيفة و تنمية 76 ألف كيلو متر على جانبي القناة واستصلاح وزراعة نحو 4 ملايين فدان. ومن الجدير بالذكر أن تمويل حفر القناة الجديدة سيكون من عائدات أسهم تطرح على المصريين وحدهم وتتراوح بين عشرات ومئات الجنيهات للسهم الواحد.

 أما خطة تنمية محور قناة السويس فتتضمن ( 42 ) مشروعًا، منها 6 مشروعات ذات أولوية، وهي : تطوير طرق القاهرة/ السويس – الإسماعيلية – بورسعيدî إلى طرق حرة، إنشاء نفق الإسماعيلية المار بمحور السويس للربط بين ضفتي القناة …شرق وغرب، وإنشاء نفق جنوب بورسعيد أسفل قناة السويس لسهولة الربط والاتصال بين القطاعين الشرقي والغربي لإقليم قناة السويس، تطوير ميناء (نويبع) كمنطقة حرة، وتطوير مطار ( شرم الشيخ) وإنشاء مأخذ مياه جديد على ترعة الإسماعيلية حتى موقع محطة تنقية شرق القناة لدعم مناطق التنمية الجديدة. كما سيتم إنشاء نفق تحت قناة السويس سيكون الأكبر من نوعه في منطقة الشرق الأوسط ويتسع لأربع حارات، وإقامة مطارين، وثلاثة موانئ لخدمة السفن، ومحطات لتمويل السفن العملاقة من تموين وشحن وإصلاح وتفريغ البضائع، وإعادة التصدير، وإقامة وادي السيليكون للصناعات التكنولوجية المتقدمة ومنتجعات سياحية على طول القناة، إلى جانب منطقة ترانزيت للسفن ومخرج للسفن الجديدة مما سيؤدي إلى خلق مجتمعات سكنية وزراعية وصناعية جديدة.

 الاهمية الاقتصادية للمشروع

تنطلق الاهمية الاقتصادية لمشروع قناة السويس الجديدة من اعتبار أن  قناة السويس أكبر مصدر للدخـل القومي المصري بعد النفط والغاز، والسياحـة، فقــد راوح مردودهـا ما بين 4 و5 مليارات دولار في كل من الأعوام 2007 و2008 و2009.  ومن المهم جدا” أن نشير الى تقارير شركة قناة السويس التي تؤكد عبور ما بين 1200 و1500 وأحيانًا 1800 سفينة شهريًا، ما يدل على الدور الكبيـر الذي تضطــلع به القنــاة في حركــة التجـارة العالميــة والنقل البحري (10 إلى 15 بالمئة من حجم النقــل التجاري البحري)، من الشرق إلى الغرب وبالعكس، وبخاصـة ناقــلات النفــط المتوجِّهــة من الخليــج إلى أوربــا أو إلى امريكا، فهي توفِّر على هـــذه السفن آلاف الكيلومترات وعشرات الأيام من رحلاتهــا حول رأس الرجـاء الصالح، ما يعني توفـير ملاييـن الدولارات على الشركات الناقلة والمستـهلكين في العالم.

لذلك يعتبر مشروع القناة الجديدة ذا أهمية ستراتيجية واقتصادية  بالغة  ، باعتباره أفضل المشروعات المقدمة لدعم الاقتصاد وحل جميع الأزمات الاقتصادية التي تعانيها مصر منذ عدة أعوام، من خلال إنشاء منطقة لوجستية متكاملة، تمكن مصر من تطوير استغلالها لأهم ممر ملاحي في العالم. ويتوقع الخبراء أن يدر المشروع إيرادات قد تصل إلى 100 مليار دولار سنوياً، تساهم في حل الأزمات التي تعاني منها مصر حالياً إلى جانب إعادة التوزيع العمراني والجغرافي للسكان من خلال مشروعات عمرانية متكاملة.

ويستهدف المشروع الاستفادة من الميزة الاستراتيجية والتنافسية لموقع مصر الجغرافي بكونها ملتقى القارات، وزيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ونقل التكنولوجيا المتطورة، وزيادة الصادرات لزيادة حصة مصر في التجارة العالمية، بالإضافة إلى توفير فرص للعمالة المباشرة وغير المباشرة، والارتقاء بالخبرات والمهارات الفنية، إلى جانب عائد قوى يعود على الاقتصاد المصري والدخل القومي، من خلال الضرائب والرسوم الجمركية على التصدير للسوق المحلى. ومن المتوقع ايضا” أن يسهم مشروع قناة السويس الجديدة ، بإيجاد فرص عمل للشباب وعمل تنمية حقيقية، وإنشاء مناطق تجارية وصناعية وسياحية وعمرانية. ومن الجدير بالذكر ان العائد الاقتصادي للمرحلة الاولى من المشروع بناءً على الدراسة المقدمة من شركة اسكوم(ASEC Company for Mining n ASCOM) اكبر شركة للصناعات التعدينية بالشرق الاوسط بلغ 216 مليار جنيه بعد تغطية التكلفة.

  الاهمية العسكرية

شكًل الموقع الجغرافي للقناة البعد الستراتيجي لمصر في قلب منطقة الشرق الأوسط، وجعلها لاعبًا جيوستراتيجيًا على مستوى المنطقة من البحر الأحمر والجزيرة العربية، حتى مضيق باب المندب والدول المشاطئة.  وقد حاول الأتراك في الحرب العالمية الأولى السيطرة على القناة فأرسلوا حملة كبرى بقيادة جمال باشا في شباط 1915، ولكنها فشلت أمام القوات الإنكليزية التي تابعت تقدمها شمالاً لتحتل سوريا والعراق وتطرد الأتراك منهما، وذلك بالاشتراك مع الفرنسيين الذين اقتسمت هذه المنطقة معهم وفق اتفاقية (سايكس بيكو) .

أما في الحرب العالمية الثانية، فقد حاول الإيطاليون والألمان الوصول إلى القناة واحتلالها سواء من جهة الجنوب عبر الحبشة، أو من جهة الغرب عبر ليبيا ولكن الإنكليز أفشلوا المخطط بضرب الجيش الإيطالي في الجنوب وإيقاف جيش رومل عند (العلمين) . لذلك احتلت بريطانيا منطقة القناة بعد الحرب العالمية الثانية ، وذلك بموجب معاهدة مع السلطات المصرية. حتى عام 1956 عندما قرر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر منتصف العام 1956 ، تأميم قناة السويس وجاء الرد البريطاني عدوانًا (عسكريًا)  بالتواطؤ مع فرنسا وإسرائيل، لإعادة احتلال القناة في مطلع تشرين الثاني 1956، ولكن المقاومة المصرية الباسلة والتدخل الدولي الروسي والامريكي، أوقفا هذا العدوان وأجبرا القوات المعتدية على الانسحاب.

بعد ذلك تعرَّضت القناة لحرب العام 1967 حيث دارت أشرس المعارك على ضفتيها ما جعلها غير صالحة للملاحة. ثم كانت حرب العام 1973، حيث عبرت القوات المصريـة القنــاة إلى الجبهة الشرقية منهــا بعمليـة عسكرية رائعة ودحرت القوات الإسرائـيلية التي كانت ترابط هناك منذ العام 1967. وانتهت هذه الحرب بعقد اتفاقات بيـن مصر وإسرائيل أدّت إلى إعادة فتح القنـاة أمـام الملاحة العام 1975.

وقد تأثـر أمن  وسلامة قناة السويس ، بالقرصنة الصومالية قرب باب المندب (الطرف الجنوبي للبحر الاحمر)، لذلك فان الدول الاوربية ذات المصالح التجارية والاقتصادية شرق السويس وخصوصا” الولايات المتحدة الامريكية التي تملك اساطيل بحرية و قواعد عسكرية ضخمة في الخليج العربي وجنوب شرق آسيا تعتبر منطقة قناة السويس من أهم النقاط الحيوية والمعابر المائية الستراتيجية في أمنها القومي، لذلك فهي تحتفظ بقواعد لها في بعض البحيرات التي تمر القناة فيها (التمساح، والمرّة) ما يتيح لها التدخل السريع في حال تعرُّض القناة لأي خطر على أمنها أو غرق إحدى السفن، أو إقفالها، أو غير ذلك من المخاطر الداخلية أو الخارجية. كما تؤثر الصراعات التي تجري على مقربة من منطقة القناة (غزة و الخليج العربي ، العراق وسوريا ، والسودان والصومال واليمن وليبيا ) ، على أمن قناة السويس

خلاصة

 استنادا” لما سبق فإن مشروع قناة السويس الجديدة سيسهل ويسرع من عملية السفن التجارية والحربية بين البحرين المتوسط والاحمر ، الامر الذي يعني أن أمن وسلامة انسيابية الحركة الملاحية في قناة السويس يرتبط  ويتأثر بحركة السياسة والاقتصاد والتجارة في العالم، وحركة الأساطيل التجارية في الاستيراد والتصدير، كما أن أمن وسلامة منطقة قناة السويس يرتبط ايضا” بحركة الأساطيل الحربية الأوربية والامريكية في البحر المتوسط والمحيط الهندي والخليج وحتى بحر الصين واليابان، وربما المحيط الهادئ، وبذلك تتشكَّل الأهمية العسكرية والجيوستراتيجية لمشروع قناة السويس الجديدة كمعبر أقصر، وأسرع، وأقل كلفة، ما بين شرق الكرة الارضية، وغربها، ما بين مصادر الطاقة الضرورية للغرب، ونقلها الآمن، وما بين أسواق الاستهلاك الضرورية لتصدير الصناعات الغربية إلى الشرق.

{ خبير في الشـؤون الستراتيجية