الأنثى المسخ – حيدر علي الجبوري

370

قصة قصيرة

الأنثى المسخ – حيدر علي الجبوري

كان يعلم بأن النوم قد أخذه عند الساعة الثالثة والنصف صباحا , ولم يحلم خلال غفوته أبدا . ومتأكد جدا بأنه لم يحلم , ولا يحلم الآن , وهو بكل الحقيقة الصارمة موجود ويتلمس أماكن جسده بكل يقين , وباهتمام شديد , وبمراجعة دقيقة في كل مرة يلمس فيها عضوا من أعضاء جسده . ففي الليلة السابقة . وقبل أن ينام كان وبكل ذاكرته القوية يستمتع بعالمه الافتراضي , على هيئة صفحة تواصل اجتماعي يرتبط فيه بكل العالم , بحقيقته وزيفه . وقبل ذلك بأشهر , حينما أرسل صديق له صورة قيل إنها نالت جائزة أفضل رسم كاركتيري في وقتها , صورة لكلب يجلس على كرسي وأمامه جهاز حاسوب يتصفح فيه الانترنت , بينما يجلس كلب آخر بقربه يقول له : في عالم الانترنت , لا احد يدري بأنك كلب . أما هو , فلا احد يدري وفق تلك الصورة التي ألهمته الكذبة بأنه ذكر , ولا احد يعرف ما عمره , أو سنّه أو إي تفصيلة صغيرة عنه , انه الفتاة الجميلة ذات العشرين عاما , الرشيقة المثقفة التي ألهمت الكثير من متابعيها على هضم الساعات كما لو أنها ثوان مسرعة في عالم التواصل الافتراضي . لم تكن تبخل في إجابة أي مراسل يكشف لها أسرار حبه , وإعجابه المفرط بسردها للحياة الشفيفة . تعرّف , أو تعرفت على رجل ستيني وحيد , هاجر أولاده إلى خارج البلاد , وماتت زوجته مبكرا , وهو الآن يكسر العقود الستة في حب جديد له , أو لها . تراسل مع خمسيني يصرُّ بأن الشباب كامن في الروح مهما تكاثرت الأعوام على رأس صاحبها . سهرَ , أو سهرت مع أربعيني ما زال يشاهد أعوام العنفوان قريبة جدا منه , وبإمكانه الغرف منها من اجل إمتاع من تراسله بتجارب الحب الكثيرة . وتشاطر , أو تشاطرت أسرار ثلاثيني حزين , لم يتزوج إلى الآن وهو يبحث عمن تحبه ولعله اقترب ممن يبحث عنها . وعن حكايا الصديقات , وأسرارهن , كان يجد نفسه تلك السعيدة التي لديها وقت كله مع من تتحدث إليهن , وتخترع الحلول السحرية من اجل كسب أي صديقة لا تدري بأن في عالم الانترنت , لا احد يعلم بمن تحدثها , أو يحدثها . وفي صباح ما , كان يدرك بأنه نام جيدا , عند الساعة الثالثة والنصف صباحا , بعد سهرة حديث وتبادل أسرار مع جديدة , كان يتلمس جسده كما لو انه لم يره من قبل , جسد فتاة يعرفها جيدا , تلك التي كان يصفها لكل احد أو واحدة بعالم الافتراض , الفاتنة الرشيقة الذكية , ثم قفز من سريره إلى المرآة كي يرى وجه تلك الانثى ,و بدأ يتلمس بجنون أعضاء جسده الجديدة , شعره الذهبي المسدل على ظهره , حاجبيه المنقوشين بمهارة فائقة . كان يجد الجمال مطلقا في تفاصيله الجديدة , لكنه أبدا لم يكن يستوعبه , ولا يفكر بقبوله أصلا , بدا عليه مسخا حقيقيا قد احكم قبضته , ولا يعرف كيف سيتخلص منه.

 – بابل

مشاركة