الأصدقاء الصعاليك – بهاء زهير أحمد القيسي

بهاء زهير أحمد القيسي

الصعلكة في اللغة العربية:
(فعل) صَعْلَكَ، يُصَعْلِكُ، مصدره صَعْلَكَةٌ.
صَعْلَكَهُ الجفافُ: أَفْقَرَهُ.
صَعْلَكَهُ الجوعُ: أَضْمَرَهُ، أَضْعَفَهُ، هَزَلَهُ.
صَعْلَكَ البقلُ الماشيةَ.

كثيرٌ هم حولي من الأصدقاء الذين يُصنَّفون بمنزلة الصعاليك، إن صحّت استعارة هذا المصطلح في توصيفي لهم، لكن بنمطٍ مستحدث في زمن الشبكة العنكبوتية، وهم الذين يُطحنون بين حجري رحى شظف المعيشة، ولا سيّما حين يكون قدرك أن تكون ،، مصادفةً من حاملي المبادئ، وهؤلاء هم، في تصنيفي، الصعاليك الحاليون.

أعتقد أن التصعلك يتضمن غايةً إنسانية، وقد يعتبره البعض سلوكًا عدائيًا، غير أن الغاية الأساس تتمثّل في محاولة الصعلوك تحقيق العدالة الاقتصادية والفكرية في مجتمعٍ لا يزال الاحتياج والاضطهاد يخيمان على شرائح واسعة منه. ويعود السبب في ذلك إلى أن البيئة العربية، في أعرافها وسياساتها، كانت ،، وما زالت في بعض جوانبها قاسيةً وغير ديمقراطية، فلا تجود بأدنى الأمور وأبسطها مما يسدّ حاجات الفرد المادية والنفسية وغيرها من المتطلبات المختلفة.

كان الشاعر عروة بن الورد يُلقَّب بأمير الصعاليك. وهو شاعر عربي ينتمي إلى قبيلة عبس، وكان أبوه سببًا في نشوء حرب بين قبيلتي عبس وفزّارة، أما أمّه فمن فخذ نهد من قضاعة، وتُعدّ بذلك أقل منزلةً من أبيه. لُقِّب بأبي الصعاليك وأميرهم، وتميّز بشخصية فريدة مزجت بين طباع الشاعر والفارس، وكانت دعوته إلى الصعلكة نوعًا من نشر العدالة الاجتماعية، لما عاناه من ظلمٍ واضطهاد.
والصعلوك في عالمنا الحالي هو متسكّع يعيش على الهامش. وقد شهد التاريخ الأدبي والاجتماعي العراقي والعربي عبر العصور الكثير ممن أُطلق عليهم الشعراء الصعاليك، الذين تمرّدوا على القبائل كما تمرّدوا على الشعر والمجتمع. ويزخر الواقع العراقي بالعديد من الصعاليك، سواء أكانوا صعاليك شعر أم تمرّدًا سياسيًا أم لأسباب اجتماعية متعددة ومختلفة.

ويقابلهم، مثلًا، في لهجة أهل مصر مصطلح (الحرافيش) ووفقًا لنجيب محفوظ، الذي يُعدّ العرّاب الأدبي لهذه الشريحة الاجتماعية، وقد عبّر عن عذاباتها وميزاتها من خلال أعماله الروائية العديدة، فإن تسمية (الحرافيش) كما أوضح ،، ذات أصل تركي، وتعني (حارة مفيش) أي لاتوجد ، وتُستخدم للإشارة إلى الصعاليك أو عامة الشعب الكادح الغير مرتبط بسكن متجذر أو عمل مستقل ثابت .
نعود إلى بلدنا؛ فللحديث عن الصعاليك لا بدّ من التوقف عند سيرة يوخنا دمو يوسف، وهو الاسم الثلاثي للشاعر العراقي المولود في كركوك عام 1942م، من عائلة فقيرة، والذي عُرف لاحقًا باسم (جان دمو)، ويُعدّ ظاهرة ثقافية بحدّ ذاته بسبب طبيعة حياته ونمط معيشته.

كان دمو قد اعتُقل في العراق مع مجموعة من الكتّاب بتهمة (تنظيم حركة سرية). وكان مقلًّا في النشر؛ فهو الشاعر الصامت الهادئ، البعيد عن أضواء عدسات الكاميرات والمهرجانات الثقافية.

عاش دمو حياة الصعلكة في فترة التسعينيات، حين كان البلد يعيش حصارًا اقتصاديًا من خارج الحدود من قبل المجتمع الدولي، وحصارًا أشدّ وأعتى من قبل النظام الحاكم آنذاك.
ومن الطرائف التي تُذكر لدمو أنه قصد يومًا أحد المطاعم، فطلب وجبة طعام وتناولها، وبعد أن أنهى وجبته جاءه صاحب المطعم مطالبًا بالحساب. فما كان من (دمو) إلا أن أخرج من كيسٍ كان يحمله (قنينة مملوءًا بالنفط)، وقدّمه إلى صاحب المطعم، الذي بدا مستغربًا ومغتاظًا في آنٍ واحد.

فقال له: «أليس الأمم المتحدة والحكومة والسيد الرئيس يقولون: (النفط مقابل الغذاء)؟ أنا …، تناولت الغداء، وهذا هو النفط .

ثم ودّعه وخرج، ولم يكن لصاحب المطعم من ردّ فعل سوى بقائه ممسكًا (بَقنينة النفط)، محاولًا إيجاد ما يناسب من تصرّف أو قول لهذا الحال الشائك، ما بين الحنق والكوميديا السوداء، وبين خفّة دم دمو وعبثية المعيشة.