الأسد‭ ‬الهرم‭ ‬والغوريلا‭ ‬الشقراء- د. نزار محمود

يحكى‭ ‬انه‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬غابة‭ ‬تعيش‭ ‬فيها‭ ‬حيوانات‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الاجناس،‭ ‬لا‭ ‬تحكم‭ ‬علاقاتها‭ ‬غير‭ ‬القوة،‭ ‬والجميع‭ ‬راضين‭ ‬بتلك‭ ‬القسمة‭ ‬الطبيعية‭ ‬في‭ ‬حياتهم،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬سبيل‭ ‬آخر‭ ‬لهم‭.‬

كانت‭ ‬الغابة‭ ‬تعيش‭ ‬حياتها‭ ‬بقناعات‭ ‬ورضا‭ ‬بقدرها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الغابة‭ ‬وهي‭ ‬تحتكم‭ ‬الى‭ ‬أسدها‭ ‬في‭ ‬القضاء‭ ‬في‭ ‬مشاكلها‭.‬

وفي‭ ‬أحد‭ ‬الأيام‭ ‬تفاجأ‭ ‬الجميع‭ ‬بولادة‭ ‬غوريلا‭ ‬شقراء،‭ ‬ومع‭ ‬الأيام‭ ‬راحت‭ ‬تتبجح‭ ‬ببياض‭ ‬بشرتها‭ ‬وبشعرها‭ ‬الأشقر‭. ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬بنات‭ ‬جنسها‭ ‬بما‭ ‬شعرت‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬متميزة‭.‬

في‭ ‬أحد‭ ‬الأيام‭ ‬يحط‭ ‬على‭ ‬شجرة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الغابة‭ ‬طائر‭ ‬غريب‭. ‬هذا‭ ‬الطائر‭ ‬يتمتع‭ ‬بقوة‭ ‬بصر‭ ‬شديدة‭ ‬وسمع‭ ‬أشد،‭ ‬اضافة‭ ‬الى‭ ‬فهم‭ ‬لما‭ ‬يرى‭ ‬ويسمع‭!‬

تكررت‭ ‬زيارة‭ ‬هذا‭ ‬الطائر‭ ‬لتلك‭ ‬الغابة،‭ ‬مما‭ ‬أثار‭ ‬انتباه‭ ‬احد‭ ‬الثعالب‭ ‬فيها،‭ ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬يتوان‭ ‬بالذهاب‭ ‬الى‭ ‬أسد‭ ‬الغابة‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يئن‭ ‬من‭ ‬جرح‭ ‬شديد‭ ‬في‭ ‬رأسه‭ ‬جراء‭ ‬صراعه‭ ‬مع‭ ‬الغوريلا‭ ‬الشقراء‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تؤرق‭ ‬عليه‭ ‬مشيخته‭ ‬وحتى‭ ‬حياته،‭ ‬ويخبره‭ ‬بحكاية‭ ‬الطائر‭ ‬الغريب،‭ ‬بيد‭ ‬ان‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬الغابة‭ ‬من‭ ‬اوضاع‭ ‬لم‭ ‬يتح‭ ‬له‭ ‬فرصة‭ ‬متابعة‭ ‬الأمر‭.‬

وفي‭ ‬خوضنا‭ ‬في‭ ‬حكاية‭ ‬الطائر‭ ‬الغريب،‭ ‬نكتشف‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬شيخ‭ ‬قرية‭ ‬لا‭ ‬تبعد‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬الغابة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬يوماً‭ ‬قد‭ ‬غزتها‭ ‬وقتلت‭ ‬اكثر‭ ‬أهلها‭ ‬وغنمت‭ ‬اموالهم‭. ‬في‭ ‬حينه‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تمكن‭ ‬شيخ‭ ‬القرية،‭ ‬ذلك‭ ‬الطائر،‭ ‬بالنجاة‭ ‬بنفسه‭ ‬والهرب‭ ‬من‭ ‬القتل‭ ‬مختفياً‭ ‬في‭ ‬منفى‭. ‬لم‭ ‬ينس‭ ‬ذلك‭ ‬الطائر‭ ‬ما‭ ‬حل‭ ‬بقريته،‭ ‬ولم‭ ‬يرض‭ ‬بفقدان‭ ‬ملكه،‭ ‬واستمر‭ ‬يصبر‭ ‬ويتحين‭ ‬الفرصة‭ ‬للأخذ‭ ‬بثأره‭.‬

وها‭ ‬هو‭ ‬اليوم‭ ‬قد‭ ‬أتى،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬علم‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬صراعاً‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬الغابة‭ ‬بين‭ ‬الأسد‭ ‬الهرم‭ ‬والغوريلا‭ ‬الشقراء‭ ‬الطموحة‭.‬

لكن‭ ‬الحال‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬يتمرجح‭ ‬في‭ ‬صالح‭ ‬الأسد‭ ‬الذي‭ ‬حكم‭ ‬الغابة‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬وقد‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬كسب‭ ‬قناعة‭ ‬وود‭ ‬وعون‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحيوانات‭ ‬فيها‭.‬

مهمة‭ ‬الطائر‭ ‬الغريب‭ ‬على‭ ‬درب‭ ‬الاخذ‭ ‬بثأره‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬كسب‭ ‬ميزان‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬الغابة‭ ‬لصالح‭ ‬الغوريلا‭ ‬الشقراء،‭ ‬مع‭ ‬علمه‭ ‬ويقينه‭ ‬بأنها‭ ‬لن‭ ‬تستطيع،‭ ‬بعنجهيتها‭ ‬وغرورها،‭ ‬ان‭ ‬تكسب‭ ‬محبة‭ ‬غالبية‭ ‬حيوانات‭ ‬الغابة‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يخطط‭ ‬له‭ ‬ويسعى‭ ‬اليه‭ ‬في‭ ‬الاقتصاص‭ ‬من‭ ‬الغابة‭ ‬التي‭ ‬دمرت‭ ‬يوماً‭ ‬قريته‭. ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يركن‭ ‬الى‭ ‬الانتظار‭ ‬والسكون،‭ ‬وبدأ‭ ‬يتحرك،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬استطاع‭ ‬ان‭ ‬ينفذ‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬من‭ ‬وسوسة‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬القرود‭ ‬السوداء‭ ‬من‭ ‬أنهم‭ ‬افضل‭ ‬جنساً‭ ‬من‭ ‬الأسد‭ ‬الظالم‭ ‬المتحكم،‭ ‬بدليل‭ ‬ما‭ ‬اصبحت‭ ‬عليه‭ ‬الغوريلا‭ ‬الشقراء‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬وما‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬تقوم‭ ‬به،‭ ‬ودعوته‭ ‬اياهم‭ ‬الى‭ ‬التمرد‭ ‬والثورة‭ ‬والانقضاض‭ ‬على‭ ‬عرين‭ ‬الأسد‭ ‬وقتله‭ ‬ومن‭ ‬يدافع‭ ‬عنه‭. ‬وهكذا‭ ‬نجح،‭ ‬لكن‭ ‬فوضى‭ ‬دموية‭ ‬عمت‭ ‬الغابة،‭ ‬وهو‭ ‬يرقبها‭ ‬بفرح‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬غصن‭ ‬شجرة‭ ‬عالية‭!‬

تذابحت‭ ‬حيوانات‭ ‬الغابة‭ ‬وأسالت‭ ‬دماء‭ ‬بعضها،‭ ‬قتل‭ ‬من‭ ‬قتل،‭ ‬وجرح‭ ‬من‭ ‬جرح،‭ ‬وهرب‭ ‬من‭ ‬هرب‭ ‬تاركاً‭ ‬الغابة‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬جولة‭ ‬صراعها‭ ‬الاخير‭ ‬بين‭ ‬الأسد‭ ‬الهرم‭ ‬الجريح،‭ ‬والغوريلا‭ ‬الشقراء‭. ‬لم‭ ‬يحتاج‭ ‬الطائر‭ ‬الغريب‭ ‬الى‭ ‬جهد‭ ‬في‭ ‬قتل‭ ‬الغوريلا‭ ‬الشقراء‭ ‬المنهكة‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬الأسد‭ ‬الجريح،‭ ‬فقضى‭ ‬عليها‭ ‬ودعا‭ ‬من‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬قريته‭ ‬للاستيلاء‭ ‬على‭ ‬الغابة‭!‬

برلين،‭ ‬11‭.‬09‭.‬2025