الأرض قبل كورونا ليست كما بعدها

908

علي السوداني

لا‭ ‬دولة‭ ‬كبرى‭ ‬ولا‭ ‬دولة‭ ‬صغرى‭ . ‬لا‭ ‬أغنياء‭ ‬ولا‭ ‬فقراء‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬الكائنات‭ ‬كلها‭ ‬سواسية‭ ‬بمواجهة‭ ‬هذا‭ ‬العدو‭ ‬القاتل‭ ‬المرواغ‭ ‬المباغت‭ . ‬

العالم‭ ‬يعيد‭ ‬اكتشاف‭ ‬نفسه‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬قد‭ ‬عادت‭ ‬الى‭ ‬لحظات‭ ‬صيرورتها‭ ‬وكينونتها‭ ‬الأولى‭ .‬

فجأة‭ ‬وجد‭ ‬الناس‭ ‬أنفسهم‭ ‬حبيسي‭ ‬بيوتهم‭ ‬،‭ ‬وصفارات‭ ‬الإنذار‭ ‬تموسق‭ ‬رنتها‭ ‬المعتقة‭ ‬،‭ ‬ليس‭ ‬بأمر‭ ‬من‭ ‬‭(‬باتريوت‭)‬‭ ‬أو‭ ‬صائد‭ ‬الشبح‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬خوفا‭ ‬ورعباً‭ ‬من‭ ‬السيد‭ ‬كورونا‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مزروعاً‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬دارك‭ ‬بمكرٍ‭ ‬مبين‭ ‬،‭ ‬ناطراً‭ ‬غفلةً‭ ‬أو‭ ‬ثقباً‭ ‬في‭ ‬جدارٍ‭ ‬ما‭ ‬عاد‭ ‬يشتغل‭ ‬بوظيفة‭ ‬حائط‭ ‬وقاية‭ ‬وستر‭ ‬مبين‭ ‬‭!!‬

سيعود‭ ‬الإنسان‭ ‬الى‭ ‬سيرته‭ ‬الخلقية‭ ‬الأولى‭ ‬،‭ ‬زاهداً‭ ‬بها‭ ‬وضارباً‭ ‬ملذاتها‭ ‬ومسراتها‭ ‬بكفِّ‭ ‬الحقيقة‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬تطهير‭ ‬وتعفير‭ ‬عقليّ‭ ‬جمعيٍّ‭ ‬لم‭ ‬يشهده‭ ‬الكون‭ ‬منذ‭ ‬اقتراف‭ ‬أول‭ ‬حماقة‭ .‬

خلال‭ ‬نحو‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬بادَ‭ ‬ومضى‭ ‬،‭ ‬أنتجت‭ ‬السينما‭ ‬العالمية‭ ‬عدداً‭ ‬ضخماً‭ ‬من‭ ‬أفلام‭ ‬الرعب‭ ‬والإثارة‭ ‬التي‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬عدو‭ ‬خفي‭ ‬لا‭ ‬طاقة‭ ‬للناس‭ ‬على‭ ‬مقاتلته‭ ‬،‭ ‬وكنا‭ ‬نرى‭ ‬المشهد‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الخيال‭ ‬العلمي‭ ‬أو‭ ‬الروائي‭ ‬أو‭ ‬الافتراضي‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬حلَّ‭ ‬علينا‭ ‬السيد‭ ‬القاسي‭ ‬كورونا‭ ‬،‭ ‬ولسان‭ ‬حاله‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يخبرنا‭ ‬بزهو‭ ‬منتصر‭ ‬،‭ ‬أنه‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬كنا‭ ‬نشاهده‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬البيضاء‭ ‬والسوداء‭ ‬والملونة‭ ‬غير‭ ‬مصدقين‭ ‬ولا‭ ‬مكترثين‭ ‬بتحولاته‭ ‬العجيبة‭ ‬،‭ ‬فمرة‭ ‬يظهر‭ ‬لنا‭ ‬مثل‭ ‬خفاش‭ ‬ليل‭ ‬قاصف‭ ‬خدّاع‭ ‬،‭ ‬ومرة‭ ‬كما‭ ‬دودة‭ ‬قاتلة‭ ‬،‭ ‬وثالثة‭ ‬أفعى‭ ‬تتلوى‭ ‬وتفتح‭ ‬فمها‭ ‬فتبتلع‭ ‬نصف‭ ‬مدينة‭ ‬،‭ ‬وكائنات‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬خوف‭ ‬وذهول‭ ‬وموت‭ ‬مؤجل‭ ‬قليلاً‭ ‬،‭ ‬لا‭ ‬يخلّصها‭ ‬منه‭ ‬سوى‭ ‬بطل‭ ‬الفلم‭ ‬الذي‭ ‬سيطعن‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬ظهر‭ ‬الوحش‭ ‬المستسلم‭ ‬لقدره‭ ‬،‭ ‬وهو‭ ‬ينظر‭ ‬بيأس‭ ‬الى‭ ‬منبت‭ ‬سهم‭ ‬توم‭ ‬كروز‭ ‬وابتسامة‭ ‬النصر‭ ‬والرضا‭ ‬التي‭ ‬تصنعها‭ ‬انجلينا‭ ‬جولي‭ ‬،‭ ‬على‭ ‬مبعدة‭ ‬شهقة‭ ‬حياة‭ ‬جديدة‭ ‬يقنصها‭ ‬زوم‭ ‬الكاميرا‭ ‬بأمر‭ ‬من‭ ‬المخرج‭ ‬العظيم‭ ‬‭!!‬

ستتحول‭ ‬ميزانيات‭ ‬وموازنات‭ ‬الحروب‭ ‬وتصنيع‭ ‬الصواريخ‭ ‬والقنابل‭ ‬الذرية‭ ‬وأدوات‭ ‬الشر‭ ‬كلها‭ ‬،‭ ‬إلى‭ ‬دولارات‭ ‬ضخمة‭ ‬لبناء‭ ‬المشافي‭ ‬والمختبرات‭ ‬ودور‭ ‬العلم‭ ‬والأدب‭ ‬والفن‭ ‬والزرع‭ ‬والصنع‭ ‬،‭ ‬تحسباً‭ ‬وتدبراً‭ ‬من‭ ‬بقايا‭ ‬خبث‭ ‬وخبائث‭ ‬كورونا‭ ‬،‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يطور‭ ‬نفسه‭ ‬ويتناسل‭ ‬لاحقاً‭ ‬،‭ ‬وينتج‭ ‬لورثته‭ ‬القساة‭ ‬،‭ ‬صنفاً‭ ‬لعيناً‭ ‬آخر‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬بمقدور‭ ‬أهل‭ ‬الأرض‭ ‬الضعفاء‭ ‬قتله‭ ‬أو‭ ‬تجنبه‭ ‬،‭ ‬إلا‭ ‬باستعمال‭ ‬المضادات‭ ‬الخلاقة‭ ‬الآمنة‭ ‬التي‭ ‬سينتجها‭ ‬حتماً‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬العبقري‭ ‬المتزن‭ ‬البديع‭ .‬

أمّا‭ ‬الحب‭ ‬الذي‭ ‬اخترعه‭ ‬غابرييل‭ ‬غارسيا‭ ‬ماركيز‭ ‬في‭ ‬روايته‭ ‬المشهورة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬ترق‭ ‬لي‭ ‬كثيراً‭ ‬،‭ ‬فسوف‭ ‬يلد‭ ‬مخيالاً‭ ‬عجيباً‭ ‬وواقعية‭ ‬مسحورة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر‭ ‬،‭ ‬سيحتاج‭ ‬القارىء‭ ‬أو‭ ‬المشاهد‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تصييرها‭ ‬شريطاً‭ ‬سينمائياً‭ ‬،‭ ‬إلى‭ ‬كدٍّ‭ ‬فكريٍّ‭ ‬عظيم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬فك‭ ‬طلاسمها‭ ‬وأحجياتها‭ ‬وإعادتها‭ ‬الى‭ ‬عواملها‭ ‬الأولية‭ ‬،‭ ‬مثل‭ ‬معادلة‭ ‬حسابية‭ ‬ذابت‭ ‬وصارت‭ ‬صفراً‭ ‬على‭ ‬الشمال‭ ‬‭!!‬

من‭ ‬نافذة‭ ‬عالية‭ ‬تطل‭ ‬على‭ ‬الزقاق‭ ‬،‭ ‬اختفى‭ ‬المشاة‭ ‬وأجّلَ‭ ‬الأطفال‭ ‬كركراتهم‭ ‬وكراتهم‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬ثمة‭ ‬ما‭ ‬يصنع‭ ‬الأمل‭ ‬والطمأنينة‭ ‬والسلام‭ ‬،‭ ‬وذلك‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬الآن‭ ‬فراشات‭ ‬الورد‭ ‬المتفتح‭ ‬على‭ ‬شباك‭ ‬آذار‭ ‬،‭ ‬وسرب‭ ‬الطيور‭ ‬والعصافير‭ ‬التي‭ ‬تضحك‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬الخائب‭ ‬الذي‭ ‬فشل‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬في‭ ‬قنصها‭ ‬وحبسها‭ ‬بقفص‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بحاجة‭ ‬الى‭ ‬مزلاج‭ ‬أمان‭ ‬‭!!‬

مشاركة