الأديب العربي وكوابيس العالمية

215

الأديب العربي وكوابيس العالمية
حيدر عبد الرضا
أن جدلية أحلام العالمية لدى منظور ومتصورات الأديب والكاتب العربي أضحت شكل آخر لجدلية الهدم والبناء أو بعبارة أكثر دقة الأقصاء من خلف الأبواب المقفلة، ويكون هذا الأقصاء عادة جاريا من داخل مواطن الأيغال فيما وراء حدود ذلك العالم الآخر من العالمية والذي يبدو أحيانا بالنسبة للكثير من الكتاب العرب حالة تأسيس بين المنتهي واللامنتهي، حيث تبقى ظاهرية المعاني حياة لا حد لها وغوص عميق في المجهول وفي غير المحدود وغير المنتهي من الصعود داخل موجة أوهام العالمية والنجومية في الأبداع والأدب والأضواء الأعلامية الواهمة في الواقع أن حقيقة الكاتب والأديب العربي بين أطراف المفاهيم العالمية وفي حالات جغرافية الأرتسام القيمي لربما تبدو عبارة عن مخايلات شاذة من لدن وضع محوري نسبي يشعر به طرف متدني نحو بلوغ مستوى موضع جديد ونادر من البحث والمساءلة. وهذه الثنائية المتناثرة بين المحلية » العالمية لربما هي وليدة تعارضات بين مساءلات أحتمالية مؤرقة، ولا أحسب من جهة بأن أحلام الصعود الى العالمية لربما هي الأزمة التوترية ما بين شواذ حوارية الشرق » الغرب واللذين أصبحت علاقاتهما أكثر مستحيلا وتشابكا وألتباسا، لذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يكون عنوان أحد مؤتمراتنا العربية الشفافية هو الأدب العربي والعالمية وهذه المؤتمرات هي بحد ذاتها ما هي ألا أحلام واهمة لغرض فرض هذه الثنائيات الملتبسة. وعلى هذا نقول وعلى هذا النحو ما وجه المقارنة بين الأدب العربي بالطرف الثاني وهو العالمية ؟ هل أن المبدأ الدافعي لهذه الأوهام في المقارنة والثنائية هي وضع منظور تجاوري ما بين الطرفين ؟ أم أن رسم مثل هكذا تقارب ما هو ألا محاولة لوضع شأن وخصوصية لأدبنا العربي إزاء مركزية الآخر العالمية ؟ وأتصور أن سؤالنا عن العلاقة بين الأدب العربي والعالمية في هذا الأطار ومن هذا المنظور، ما هو ألا سؤال تقليدي وضال يحاول الأنضمام عنوة الى نظائر من الأسئلة المتوترة والتي تعرضها وتفرضها علاقة عالم متخلف بعالم متقدم أو عالم يسعى الى التخلص من تبعيته لعالم يفرض هيمنته التي تعني التبعية والأتباع كما تعني تهديد الهوية بأحتمالات أندياحها في غيرها الذي يقضي على خصوصيتها وتمايزها، وذلك هو نوع من الأسئلة التي تضعنا موضع التراجع من صدارة مكونات خطابنا الثقافي العربي، أن رغبة الأنا الوطنية والقومية في مجاوزة وضعها الذي هي عليه، وقلقها المرتبط بهويتها المتوترة، يسبب الأخطار والتحديات المحيطة بنا وبها، الأمر الذي راح يجسده وعيها الثقافي على شكل أسئلة تنطق لهفتها على أنتقال بآدابها من علاقة غير متكافئة الى علاقة متكافئة بآداب العالم المتقدم، علاقة يستوي أطرافها في القيمة والمكانة والذيوع والأنتشار، ولذلك فأن دلالات أديبنا العربي لصفة العالمية ومصاحبة سياقاتها ومضامينها وأشكالها قد كرست للأدب العربي وفي زاوية ضيقة من الأهتمام العالمي، وجها أنحداريا وأسقاطيا من الأشكالات والأسئلة والتقريع بثقافتنا وبأنفسنا، وبالدرجة ذاتها من التوتر راح أديبنا وناقدنا العربي يصنع هوية العلاقة بين أدبنا العربي والعالمية وبقدر شاحب ووضيع من الأحلام والأوهام نحو الوصول بثقافته الى العالمية، في حين نجد الأديب الأوربي لا تعني له العالمية ما تعنيه لدينا نحن الأدباء والنقاد العرب فمثلا عندما نتحدث عن الأدب العربي والعالمية لربما يشعر الأخر بأن هناك ثمة متغيرات على ملامح وجه الأديب الأوربي ولا من جهة أثارة وبروز ثمة دلالات من الشجن على وجه ذلك الأديب الأجنبي، على حين غرة نجد الأديب العربي سرعان ما تساوره الدموع والأحزان ولحد التحقير من كونه عربي وهو يعيش أيضا شعور ساحق من الأفتراق عن مواطن العالمية هل هذه الأحزان والتحقير لدى الأديب العربي هي ناتجة من شعور تأريخي بسخافة المخلوق العربي ؟ أم أن جائزة نوبل التي حازها نجيب محفوظ في الأداب ما هي ألا صنيع متعاطف من لدن العالمية للعالم العربي الأدبي ؟ فأنا لا أدري ما سبب شعورنا بهوان الهوية الأدبية العربية وشعورنا التحقيري لأنظمتنا السياسية والى حكامنا اللصوص، أهذا كله بسبب من كونهم لصوص فقط وعملاء وتوابع الى قطب المركز الغربي الأمريكي ؟ لا أدري ولكن أدرك فقط أنني لم أشاهد أو أسمع ناقدا أنكليزيا أو سياسيا أمريكيا أو رجلا يعمل مهندسا فرنسيا راح يشتكي من أدبه أو من قانونية بلده أو من سوء معمار ناطحة السحاب مثلا. في الواقع لا أريد بهذا المقال توجيه نقدا سلبيا الى بنية أنظمة الثقافة العربية، ولكن فقط أردت أن أقول وأعبر عن وجهة نظري عن أحلام الكاتب العربي وهو يلهث ككلب خلف أصداء العالمية، على أساس من كون العالمية كما لو أنها صك الغفران الألهي لنيل خلود الأبداع والنجاحات الأدبية في الدنيا والآخرة، ناسيا هذا الأديب العربي المسكين بأن هموم ثقافة المركز هي أكبر وأكثر أشكالية من حدود مساءلة الفارق ذاته بين حدود أداب العالم الثالث إزاء شجون عقدة سلطة العولمة الثقافية في العالمية ومن هنا كأدباء عرب لعلنا سوف نختار نعمة الأنصات والأصغاء فقط على ما يتلاطف به المجتمع الغربي على ثقافتنا العربية التابعة، ثقافة القبول والتكيف والخضوع والتبول على وجوهنا ونصوصنا، أو هي بمعنى آخر ثقافة أستهلاك تسيطر عليها قيم التبادل السلعي وقيم مقياس وجود الأبداع الحقيقي عندما تتوفر له فرصة العالمية هذه لربما أستلابية جديدة للنوع والجنس العربي والمنطقة العربية بديلا عن الأجهزة الجرثومية والأيديولوجية وأقمار الأعلام الأباحي وحبوب الفياغرا هذا كله يعني أن أحلام العالمية وسيلة سياسية جديدة لدخول أكثر حسما في جسد المواطن العربي حيث أضحت الرأسمالية الثقافية في الغرب نمطا يحتذى به ومن الأسباب الخالدة في نجاح مقاييس النص الأدبي العربي، أن يكون بعيدا عن طاقية الجواهري وعصا توفيق الحكيم وجيوب السياب المثقوبة ووجه الفراهيدي الدميم وأشعار أحمد شوقي العسكرتارية في الأخير أعتذر للقارىء الكريم على أنني لم أقصد أن أذهب الى هذا الحد من التطاول على رموز وقامات الأدب العربي الرفيعة ولا أيضا الى هذا الحد من مبحث مقالنا هذا، ولكن ألا يعتقد القارىء من جهة بأن محور أمنيات وأحلام ومشروعات ثقافتنا العربية قد صارت موضع انطلاقات من تراثنا ورجاله الأموات، أليس الأديب العربي في كل ما يكتبه من نصوص هو على طاولة رهانات موروثية خاسرة بحقيقة وهم الوصول الى عولمة العالمية الثقافية وبعيدا عن أحلام تحقيق رؤى وثقافة ونصوص أبتكارية كفيلة بصنعها المرحلة الجديدة من حياة الأديب العربي، أم أننا نبقى هكذا متشبثين بما قاله المتنبي وأحمد شوقي والجواهري، أبهذا وهؤلاء نطمح في الوصول الى العالمية وفي هوية ثقافية فارغة من التجديد والحداثة الأبداعية الحقيقة. هكذا هي تجليات النظرة الأدبية العربية والأديب العربي الى المركزية العالمية بالغة الحدة والكابوسية في موقفها من اداب وأدباء العالمية وجوائزها المركزية في الهيمنة على أصواتنا ووجودنا الثقافي المفقود والمنسي.

/5/2012 Issue 4191 – Date 5 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4191 التاريخ 5»5»2012
AZP09