الأدوات الرمادية في الحرب على إيران – فارس الخطاب

 

فارس الخطاب 

في الحروب الحديثة لم تعد الجيوش وحدها هي أدوات الصراع. فالدول الكبرى باتت تستخدم ما يسمى “الأدوات الرمادية” أو حروب الضغط غير المباشر، حيث تتحول التناقضات الداخلية للدول إلى ساحات مواجهة. وفي حالة إيران، يبرز سؤال يتكرر في مراكز التفكير الاستراتيجي: هل يمكن أن تتحول القوميات غير الفارسية إلى إحدى أدوات الضغط في المواجهة الحالية بين طهران من جهة والولايات المتحدة واسرائيل من جهة أخرى؟

مع اتساع حدة ورقعة الحرب على إيران من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل لم يعد موضوع حسمها معتمدا على الضربات العسكرية الصاروخية والجوية أو المواجهة الاستخبارية فقط ، بل و ونتيجة امتداد هذه الحرب إلى فضاءات أكثر تعقيدًا، منها التهديد الإيراني الفاعل في مضيق هرمز وما يسببه من شلل مؤثر في مرور ناقلات النفط من منطقة الخليج العربي نحو دول جنوب شرق آسيا وأوروبا والولايات المتحدة ، إضافة إلى استمرار إيران في عدوانها التخريبي اليومي بأطلاق مئات الصواريخ والمسيرات أهداف اقتصادية ومدنية داخل دول الخليج العربي .

ومع إنجاز واشنطن وتل أبيب لمعظم الأهداف التي تناولها خطط العمليات الحربية المعدة سلفا داخل إيران ، بات استمرار هذه الحرب يشكل عبئاً ثقيلا خصوصا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ؛ كونه لم يحقق أهم هدفين لحملته العسكرية الواسعة تجاه إيران وهما؛ تدمير كل ما يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي ، وتغيير أو تعديل مسار النظام القائم في طهران ، والأمران لم يتحققان حتى الآن حيث أن اليورانيوم المخصب مازال مجهول المكان من جهة وعدم تأثر قيادة إيران السياسية والتعبوية بمقتل المرشد الأعلى على خامنئي وكوكبة من قادة البلاد العسكريين بل خلفتها قيادة اكثر تشددا ورغبة بالانتقام من أمريكا وإسرائيل وأيضا معظم الدول المجاورة لها.
تحدث الرئيس الأمريكي عن احتمالية إنزال أو توغل قوات النخبة داخل بعض مناطق إيران من خلال “حلفاء” عبر حدود دول مجاورة لها، لكن السؤال هو: كيف يمكن مشاركة قوات برية أمريكية -إسرائيلية في عمليات داخل البلاد وهناك مئات الآلاف من الحرس الثوري الايراني المتعطش لمواجهة “الشيطان الأكبر” على الأرض دون ان تكون هناك خسائر ستكون ربما سببا في تقليص شعبية الرئيس الأمريكي إلى حدود تفقد ثقة الشعب الأمريكي به.

موضوع القوات البرية وزجها في الداخل الإيراني يمكن أن يكون عبر بوابة الجبهة الداخلية الإيرانية حيث يبرز ملف القوميات غير الفارسية كأحد أكثر الملفات حساسية وإمكانية للاستثمار في سياق الحرب الدائرة. ومن منظور استراتيجي، فإن هذه القوميات هي إحدى أدوات الضغط الممكنة في زعزعة النظام الإيراني لإسباب عديدة منها، أن أي توتر داخلي واسع في الأطراف قد يفرض على الدولة الإيرانية توزيع قدراتها الأمنية والعسكرية على عدة جبهات، ما يقلل من قدرتها على التركيز في مواجهة التهديدات الخارجية. وأيضا لأن بعض المناطق التي تسكنها هذه القوميات تضم موارد اقتصادية مهمة. كإقليم خوزستان جنوب غرب ايران ، الذي يشكل العرب فيه الغالبية المطلقة، يعد أحد أهم مراكز انتاج وتصدير النفط في البلاد، ولأن الخطاب الحقوقي الدولي حول الأقليات يمكن أن يشكل غطاءً سياسيًا وإعلاميًا لأي ضغط دبلوماسي على طهران، خصوصًا في سياق التوترات الداخلية القائمة الآن والتي تهيأ لقاعدة رأي عام غربي رافضة لطرق تعامل طهران مع أبناء هذه القوميات.
إيران دولة متعددة القوميات، حيث يعيش إلى جانب الفرس مجموعات كبيرة من الأذريين والكرد، والعرب، والبلوش، والتركمان. ورغم أن الدستور الإيراني أقرّ مبدأ المساواة بين القوميات في مادته التاسعة عشرة التي تنص على” تمتع جميع الإيرانيين بحقوق متساوية بغض النظر عن القومية أو اللغة”، إلا أن الواقع الاجتماعي والاقتصادي في مناطق الأقليات بعيدا عن روح هذا النص تماما. هذه الهوة بين النص الدستوري والواقع التنموي جعلت مناطق الأطراف أكثر حساسية تجاه أي اضطراب سياسي أو أمني، وهو ما يمنح ملف القوميات وزنًا إضافيًا في سياق الحرب الجارية.

تتركز القوميات غير الفارسية في مناطق الأطراف الحدودية لإيران. فالأكراد ينتشرون في الغرب قرب العراق وتركيا، بينما يعيش العرب في إقليم خوزستان على الحدود مع العراق والخليج. أما البلوش فيسكنون الجنوب الشرقي قرب باكستان وأفغانستان، في حين ينتشر الأذريون في الشمال الغربي على تماس ثقافي وجغرافي مع أذربيجان. هذا التوزع الجغرافي يمنح المسألة القومية بعدًا استراتيجيًا مزدوجًا: فهي من جهة قضية داخلية تتعلق بالتنمية والتمثيل الثقافي، لكنها من جهة أخرى ترتبط ببيئة إقليمية مفتوحة عبر الحدود.

في الحرب الحالية فإن السيناريو الأكثر توقعا يتمثل باستغلال الجغرافيا الحدودية لبعض القوميات كالكرد والعرب والآذريون، حيث يمكن أن تتحول الحدود مع العراق وأذربيجان إلى ممرات لنشاط عسكري أو أمني معارض داخل مناطق هذه القوميات، لكن ورغم ما يقال عن هشاشة البنية القومية في إيران الآن، فإن الواقع أكثر تعقيدًا. فالدولة الإيرانية تمتلك أجهزة أمنية قوية وخبرة طويلة في إدارة التوترات الداخلية منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. كما أن كثيرًا من أبناء القوميات غير الفارسية مندمجون في مؤسسات الدولة السياسية والعسكرية. بل إن شخصيات بارزة في النظام الإيراني تنتمي إلى أصول غير فارسية، وهو ما يحد من احتمالات تحول المسألة القومية إلى مشروع سياسي انفصالي واسع.

ومع افتراض نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في ارسال قوات برية بتسهيلات من بعض دول جوار إيران لدخول مناطق قوميات غير فارسية كالكرد والعرب، فإن أية صدامات بين الحرس الثوري والقوات المتسترة بعباـءة هذه القوميات ستكون أقرب إلى ورقة ضغط نظرية منها إلى أداة حاسمة في الصراع الدائر، وقد مفيدة لزيادة الضغط السياسي والإعلامي على طهران، لكنها على الأرجح لن تكون العامل الحاسم في تحديد مصير الدولة الإيرانية. لإن التاريخ يقول إن الدول متعددة القوميات لا تنهار فقط بسبب تنوعها، بل عندما يترافق ذلك مع انهيار الدولة المركزية نفسها، وحتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على أن إيران تقترب من هذا السيناريو.

خلاصة القول ففي الحرب الجارية مع إيران، تبدو القوميات غير الفارسية إحدى الجبهات المحتملة في الصراع غير المباشر، لكنها ليست بالضرورة الجبهة الحاسمة. فهي قد تتحول إلى أداة ضغط سياسي وإعلامي وأمني، إلا أن تحويلها إلى عامل تفكك داخلي واسع يظل أمرًا أكثر تعقيدًا مما توحي به التحليلات السريعة.