الأدلجة مدعاة لجفاف العمل الروائي

397

ضرورة المواءمة بين الفكر والفن

الأدلجة مدعاة لجفاف العمل الروائي

شكيب كاظم

مرة، كنت احدث صديقي الشاعر والقاص طالب حسن، اني وعلى الرغم من احترامي للكتب، الذي قد يرقى الى درجة التقديس والتبجيل، فأني اضطررت يوما الى تمزيق كتابين لا بل واحراقهما وهما: روايتا (العقب الحديدية) للروائي الامريكي جاك لندن (1876 – 1916) والثانية (الأم) للروائي الروسي مكسيم (بيشكوف) غوركي (28/3/1868 – 1/1936) بسبب خفوت صوت الفن وتعالي صوت الافكار والادلجة، وانا إذ اقرأ عملا ابداعيا أهدف الى الفائدة والمتعة وان لا يعلو صوت احدهما على الآخر، فبإمكان القارئ الذهاب الى قراءة مقال فكري او دراسة، او كتاب في المنحى ذاته، عوضا عن قراءة رواية او قصة مؤدلجة والامر ينسحب كذلك على الشعر الذي تقتل الادلجة فنيته وتألقه، لذا ظهر عندنا في العراق في سنوات الثلاثين والاربعين من القرن العشرين، ما عرف في النقد بمصطلح (المقاصة) اي القصة المقالية، قصة تشبه المقالة، واكثر من كتب في هذا اللون، الاديب العراقي الراحل ذو النون ايوب (1908 – 1988). ان ذا النون بدأ حياته سياسيا يساريا، لكن لخلافه الفكري مع مؤسس الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف الذي اشتهر باسمه الحزبي (فهد) الذي كان يراه متواضع القابليات، وانه تحول الى ايقونة مقدسة، بسبب الادلجة والانغلاق، حتى انه ضربه، لا بل لكمه، وذو النون ملاكم معروف في شبابه، يوم رأى ان فهدا تصرف تصرفا غير مقبول مع صديقته، صديقة ذي النون وقد جمعتهما جلسة انس وشرب على شاطئ دجلة شواطئ ابي نؤاس، مما فصله ذو النون ايوب في مذكراته، التي اصدرها باجزاء عدة، والتي اثارت ضجة واسعة، يوم نشرها اواخر العقد الثمانيني، بسبب ما شملت عليه من صراحة وتلقائية، وتحدث عن الكثير من الذي يجب ان لا يقال وفق مفاهيمنا الشرقية، ولانه تأثر بثقافة الغرب، ولاسيما النمسا التي عاش فيها عقودا طويلة ومات فيها منذ ان غادر العراق بسبب الفوضى التي ضربته اثر تموز  1958، مع انه عين مديرا للأذاعة والتلفزيون سنة 1959، خلفا للاستاذ غربي الحاج احمد الشخصية السياسية الموصلية المحترمة، حتى ان احد الاجزاء من مذكراته هذه قد سحب من اسواق الكتب، لانه ذكر فيه ان ام طارق عزيز كانت مضمدة في احد المشافي فعدت هذه الواقعة الحياتية، وليس فيها ما يضير ويخجل إهانة له وفق مفاهيمنا نحن اهل الشرق فسحب الكتاب!!

لقد رأيت ان الروايتين آنفتي الذكر قتلهما الهتاف والتقريرية والمباشرة وضخ الافكار على حساب الفن، لذا لم استطع مواصلة القراءة، وفعلت غاضبا ما فعلت واذا استمع صديقي الشاعر طالب حسن، الى فحوى حديثي هذا، فقد عرض علي قراءة رواية (ذئب البحار) لجاك لندن ذاته، وانه سيعيرني اياها، هذه الرواية التي تقع في مئتين واريع صفحات واصدرتها دار (منارات) للنشر في عمان عام 1987 وبترجمة رائعة اغدقها علينا عمران ابو حجلة، الذي يعيد لنا جهده الترجمي، انجازات كبار مترجمينا العرب منير البعلبكي، وعادل زعيتر، وسامي الدروبي، وخيري حماد، والدكتور عبد الواحد محمد، والدكتور محمد درويش والدكتورة حياة شرارة ونجيب المانع، وصالح العلماني، وبدر الدين غروركي وغيرهم.

بدأت اقرأ رواية (ذئب البحار) ورأيت بداية الاسلوب ذاته افكار على حساب الفن، وافتعال في ادارة الحدث واقحام لكن تزكية صديقي للعمل واشادته به، جعلتني اواصل القراءة وبعد نحو اربعين صفحة بدأ الفن والابداع يطل برأسه علينا، وظللت ابحر بمتعة وفائدة، مع ابحار الراوي المركزي (همفري فان ويدن) الذي تخفى خلفه الروائي الامريكي الرائع جاك لندن، والذي ظل القبطان (وولف لارسن) قبطان السفينة التي يبحرون عليها المسماة بـ (الشبح) يطلق عليه اسم (همب) لكن وانا اقرأ هذه الرواية الرائعة، التي سردها علينا بفنية عالية الروائي جاك لندن، المولود في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا عام 1876 ابنا غير شرعي والذي سجن في يفاعته بتهمة التشرد، ومن غرائب الصدف ان يكون غوركي كذلك ابنا غير شرعي! وإذ يغادر جاك السجن يلتحق بفرع الحزب الاشتراكي، وانكب على القراءة والكتابة، ومات سنة 1916 منتحرا، اقول وانا اقرأ اطلت على ذهني الرواية البحرية الرائعة، (موبي ديك) التي كتبها منتصف القرن ذاك الاديب الامريكي هرمان ملفل (1819 – 1891) فوجدت البون شاسعا على مستوى السرد، وحتى شخوص الرواية، فشخصية قبطان السفينة (آخاب) شخصية قلما يجود الزمان بمثلها، قوة واثقة وشراسة واصرارا على الثأر، الثأر الذي تحول الى عمى في البصر والبصيرة، ومطاردة هذا الحوت اللعين، الذي اتى على رجل (آخاب) في معركة تحويت سابقة مقررا (هو ذلك الحوت اللعين الذي هد ركني، وجعل مني خشبة طافية الى الابد (…) اني لاضرب الشمس لو انها اهانتني، اذ ان كانت الشمس تستطيع الاهانة، فأنا استطيع الضرب (…) ومن ذا الذي هو اعلى مني؟! تراجع ص210 من رواية (موبي ديك)..

اقول وجدت البون بينه وبين قبطان سفينة (الشبح) (وولف لارسن) اي الذئب لارسن، واسعا وكبيرا، وحتى هذه (الشبح) تكاد تتضاءل ابهة واتساعا ازاء سفينة (الباقوطة) التي تجري من خلالها عملية السرد الروائي في (موبي ديك) التي ترجمها العبقري الفلسطيني الراحل الدكتور احسان عباس، ويقودها القبطان الذي قطع الحوت الابيض احدى رجليه (آخاب) وتظل عملية المواءمة والملاءمة بين الفكر والفن، مطلوبة وضرورية في الاعمال الابداعية، اذ ان الاخلال بهذه الصيغة مدعاة لجفاف العمل وجفائه، ولقد وجدت صدى لقولي، وانا اطالع رأي الشاعر المصري محمود حسن اسماعيل، المولود عام 1910، وغادر مصر نحو الكويت، بعد تقاعده من الاذاعة المصرية سنة 1970، وعرض عليه العمل خبيرا في مركز بحوث المناهج في الكويت، وكنت اقرأ ما ينشر من شعر في مجلة (العربي) الكويتية، وتوفي فيها في 25/ من نيسان 1975 الذي يقول – كما يفصل ذلك – الاديب المصري المعروف (وديع فلسطين) في الحديث الذي خص به الشاعر محمود حسن اسماعيل، في الجزء الثاني من كتابه الرائع الموسوم بـ (وديع فلسطين يتحدث عن اعلام عصره) التي تولت نشره دار القلم بدمشق عام 1324هـ – 2003 (وان الشاعر الموصول بأسباب الوحي والالهام، لا يحتاج الى التوسع في المطالعات لانها (تشويش) على ما يتنزل عليه من وحي ربات الشعر، فالشاعر لا تصنعه المطالعات مهما اتسعت، انما تصنعه موهبته التي فطر عليها وصارت جزءا من جبلته ولا سبيل الى اصطناعها ان انتفت(…) واذا اراد ان ينأى بنفسه عن التقليد والمحاكاة قلل من مطالعاته وهو رأي وان كان قد سبق اليه، لجدير بالتنويه والاشارة به والاشارة اليه.