الأدب النثري – عبد الكريم احمد الزيدي

346

الأدب النثري – عبد الكريم احمد الزيدي

اخترت عنوان المقال للابتعاد عن الشبهة في صحة اعتماد النثر الادبي اصلا من اصول الشعر العربي الذي اختلف فيه الكثيرين وكانت موضوعة ( القصيدة النثرية ) المحك الذي يماز بين حقيقة اعتمادها شعرا عربيا او التنصل من جوازها ليطلق عليها نثرا ادبيا يحاكي صورة الشعر العربي وبابا يطرق في مصارعها ليسمع لها من به صمم ، ولعلي ابتدأ اولا بتعريف الشعر واصوله لنتحقق بدلائل تزيح عن اعيننا بعض الذي غشيها وألحق فيها آفة القذى ليطفئ نورها فيختلط على الكثيرين البيان والوضوح .

فالشعر العربي عرفه العرب منذ تاريخ ولادتهم وكان صنعة لبوس للكثير منهم، الذين استفادوا من ثراء لغة مفرداته وجزالة لفظه وسلامة معانيه ، ليوظفوا كل مهاراتهم وفطرتهم في استنباط اقوال موزونة بصيغة معينة ترهف السمع وتريح معانيها لهج النفوس وكأنها لحنا طربيا ووحيا موسيقيا على وقع الايقاع يشنف الاذان ويدخل الراحة الى اصحابها ، بهذا المعنى عرف العرب الشعر الذي اصبح بعد هذا علما واصلا له قواعده واشراطه ونهجا له صوره ومفاهيمه الذي نعرفه في حاضرنا على ما هو عليه .

والشعر هو لسان العرب كما يطلق عليه لما له من فضل في بيان حياتهم وبيئتهم وتفاصيل وقائعهم ومفردات حياتهم وتاريخ ولادتهم وسالف عهدهم ، ولقد رأينا تاثير الشعر في حياة العرب قبل مبعث الرسول (عليه الصلاة والسلام) وانبهارهم ببناءه ونظمه وادوات صياغته حتى اختلط عليهم سحره فأجازوا لانفسهم ان يقترن شعرهم بما جاء في ايات القران الكريم ويشبهوه سفها بكلام الله سبحانه وتعالى .

تعمدت اختيار هذه المقدمة لأتمكن من بيان مقصود هذا المقال الذي خالطه كثيرا من اللبس حتى استعصى علينا تقديمه بما يليق بالادب العربي وتاريخه التليد لنتمكن من التمييز بين ادب الشعر وما جاء به وادب النثر بصورته الحديثة على انه اصلا من اصول الشعر العربي وقرينا له في البنى والنظم والاسم .

فالشعر العربي وان ولد في بيئة اصيلة ومهد امين صائن لم تكن تحدده اطر او مفاهيم واسس يبنى عليها ، الا انه وصلنا معافى تام وسليم وحبا بخطوات ثابتة حتى وقف بين يدي من يضع له مادة بناءه وتفسيره واجاز بحقه ان يحصره في بحور معينة واوزان مفهومة وقوافي تنقل احداثه بنظام محكوم وفق قياس ومعيار ثابت لايقبل التشويه، ليبقى حيا تنبض انفاسه بين العصور برغم ما عصف فيها وأعاب ردائها وزيَّف وصفها ، وظل الشعر العربي محافظا على بناءه وصورته وقياسه واجاز لذاته التحديث بما يفرضه العصر والتحول حتى تزاوجت الحداثة بروحه لتظهر وسامته بين باقي الفنون والثقافات جيلا بعد جيل .

ولكن الصور التي ادخلت عليه بزعم التحديث والتطوير لم تأتي بقياسه ولا استطاعت ان تحافظ على اصوله وروحه برغم محاولات الكثيرين ممن ارادوا لانفسهم سمة الريادة في التغيير والتعبير عن بواطن نياتهم وخنوعهم للاقتباس والتقليد والنقل من تجارب غيرهم من الامم والثقافات ومحاولة اقحامها بصيغ الموائمة والتحسين لاصل الارث العربي الذي لايقبل تزاوج جنس هجين وولادة ما اشبه بالبدعة الادبية المستحدثة بمفهوم التجديد والعصرنة.

ولربما نجد في قراءة المحدثين او ما يطلق عليهم برواد الشعر الحديث عذرا لتبنيهم هذه الحداثة ، وذلك من خلال محافظتهم او محاولتهم تجربة المزج اللغوي بين جمل الشعر الاصل وقياسه واقحام المادة النثرية بشاكلة الجملة الشعرية لتظهر برداء مجدد خال من المادة الاصلية للبناء وفق ما يعرف بتحرير القصيدة من قيود وقضبان الحبس الطوعي الذي واكب الشعر العربي منذ ولادته ، غير ان ما انقلب على هذا التحديث في الشعر وكتابته محدثين غالوا في نهج التجديد داعين الى الانقلاب التام على الشعر القديم ونظامه ومقلدين لمن تأثروا بهم من الأدب والشعر الغربي الحديث ، وبدأوا بتنظيم الشعر وكتابته بطريقة تخلو تماما من الأوزان والقافية وبأسلوب الاسترسال الحر الذي لا يقيده او ينظمه أيّاً من صيغ الكتابة والتفعيل والقالب ، وهذا ما نعرفه اليوم بالنثر الشعري او قصيدة النثر .

وهنا نحن نختلف معهم في الرؤية والتنظير لان تحرير القصيدة الشعرية كما جاء في زعمهم دون ان نضع لها قياسا او معيارا معناه تغييب الاصل ووصفه بالجامد او المقيد والسماح بانتهاك كل حقوق ملكيته وتبرير الخوض والابحار في يم لا نعرف له حدود .وعلى هذا فلابد لاصحاب هذا التوجه ان يضعوا ميزانا وعلما نحويا يتوافق مع هذا النهج بما يشاكل عروض الشعر العربي وياخذوا من اصل الشعر ومقاييس نظمه مادة محدثة وجديدة لقياس الجملة الشعرية ووضعها معيارا للبناء والصياغة بشكلها الذي يسموه معاصرا ومحدثا .

ونحن وان نجد مثل هذا الراي وجها من الصعب ان يتبناه اصحاب اللغة والنحو وعلمائه المحدثين ، فاننا نأمل ان يحافظ الشعر العربي على تاريخه واهل النهى من اهله وان يبقى معصوما بما ولد عليه وأل اليه وان تبقى رسالته ما بقى الليل والنهار ، اما ما عداه من قول او كلام فانه يظل نثرا ادبيا لا يخالط في معناه وصياغته ما نعرفه بالشعر العربي الفصيح .

اتمنى ان اكون قد اوضحت الفارق اللفظي بين الشعر والنثر ودعوت كل علماء اللغة والنحو والصرف ان يتبنوا توصيف ريادة الشعر العربي باسم القصيدة النثرية لكي يماز بوضوح بين الصورتين وان يهحاولوا مجتهدين وضع قياس او معيار ونهج للتوصيف والقاء الحجة على من يختلف في صياغته ، ومن الله التوفيق .

مشاركة