الأخرس .. قصة قصيرة لناظم علاوي

قصة قصيرة

الأخرس

ناظم علاوي

ناظم علاوي

سنين مُثقلة تغلِّف روحي وهي تخنقُ الرغبة في ذاتي؛ تلك الرغبة المنُحدِرة من أعماق عقلي، المشبّعة بالحلم.! الحلم الذي ينسكبُ من فقدان صوتي.!

ذلك الصمت الذي تَسربَل بكياني والذي أخذ ينثال قطرات من الرغبة المكبوتة إلى الحياة في دمي، حتى تشكّل في أعماق روحي، غُربة، أخذَتُ أألفُ ألوانها، صَداها في عزلتي، وحدتي وبين أسطر الورق، وعلى دخان الأمل المحترق إلى لذة مفقودة؛ تلك اللذة التي وئدت قبل مولدها.! وقبل أن تَتكون أوتار رنينها في حنجرتي.!

فجأة يَهدُر من أعماق سحيقة؛ قلبي.! وكأنّه الآن فقط يُولَد من نبض كلَّ خلية أَلفَت الحرمان [طفل صغير، حسٌّ جميل، ودٌّ رقيق نحو غادة بيضاء].؟ لِتُشعِل فيَّ نزوات وخيالات لم أعهدها بحركاتها الملائكية وعذوبةِ صوتها، والذي ناغى خزائن الصوت المُكدّس في لساني.!

  • هكذا أحسَّه، طفل صغير، وليدٌ الآن؛ أراه يحبو، يَنتَقل بِقفزات من قلبي إلى عقلي، عندما أراها تَمرَّ من أمامي؛ وأنا جالس في المقهى كعادتي في كل صباح قبل ذهابي الى عملي أحتسي قدح الشاي.

العزلة التي أَلفتُها أراها تسقط.؟ فصديقي الوحيد كتاب. أبوح له ما يؤرقني، الصمت الذي عاش معي طار فزعاً، وابتعد. فقد تغّير في داخلي كل شيء. حتى قراءاتي، ملابسي، غرفتي، حتى الشمس كانت تشرق بنورها فتضيء زاوية صغيرة معتمة في غرفتي؛ أما الآن فأضاءت بأمَلها سواد قلبي، صَمت لساني، حتى هواء الربيع أراه يتبدل وهو يلامس وجنتي، أحسّه يغازلني، يقبّلني. لم أَعتَد هذا التغيير في حياتي، تاريخي.

كل يوم أراها وأنا أزداد ولهاً، ويزداد يقيني المتجذّر في نفسي بالألم، بأن الحب فلسفة الحرية والإرادة.! واللوّعة والحرمان الذي أعاني منه، الآن جميل.! ولهُ طعم رائع. عزلتي القاتلة أصبحت عزلة الجمال والمرح والسعادة. لكن الأيام تمضي والحنين يزداد. فبدأت تَلحُّ عليَّ أفكاري بضرورة البوح، الكلام. بينما الخجل يعبث بمفرداتي الساكنة منذ البدء ومنذ الولادة.!

تَتشَتَت كلماتي داخلي قبل أن أسمعها، التغيير الذي حَدَث بَدَّل كياني. الحب الذي وُلدَ بقلبي طَفحَ على جلدي.. حتى إنني (بدأت أستروح في كل هبة ريح خفيفة صورة الحب، وأسمع في هدير كل موجة ماء، موسيقى الحب، وأتنسّم في حفيف الأشجار جمال الحب) الآن كَبر هذا الطفل. رغباتي المكبوتة والمتعطشة الآن ترتوي. جدران غرفتي اشمأزت من تكرار وجودي بينها، أرادَت أليفاً لها ولي، كتبي تبتعد عني. بدأت أنفض السنين، ذلك الشيخ الهرم المتربّع على قلبي.غادر.!

على السرير مستلقياً وحدي في ما تجول في خاطري أفكار غريبة عليَّ؛ جديدة على حياتي.. طارئة نعم، صورتها، مشيتها، حركاتها، أنوثتها، عطشي، حرماني، غربتي، رجولتي تفيق مرة أخرى من سبات أصابَه صدأ.! سأكلمها غداً وأعترف لها بحبي، وبما يَختلج من لواعج في صدري سأقول لها:

يا مليكتي أتدرين بأن مرورك يومياً من أمام المقهى. سلب لبّي وجعله أسيراً بقيود يحسّها أحلى من الشهد، فهل تعلمين ذلك.؟ هكذا بقيَّ يُناجيها في مخيلته، يَحسّ أن العالم كله قد انطوى في داخله.!

وفي لجة خيالاته تأخذه غفوة بين الحلم واليقظة.!

********************************

في اليوم الثاني كعادتي جالس في المقهى أنتظرها، ها هي تُقبِل، أنهض؛ لم أقوَ على السَّير.. تجتازني، يزداد نبض قلبي، حرارتي ترتفع، بلعومي يجف:

ما هذا.؟ أين شجاعتي.؟

يتبعها بخطى سريعة، الناس، السيارات، ضجيج وصراخ الباعة، صباح جميل، عصافير تزغرد وأخرى تمارس الحب، يَقتَرب منها، يحاول أن يكلِّمها، لم يستطع. يحسُّ أن شفتيهِ قد تَيبست. يزدادُ حيرة. تَبتَعد عنه يبقى، يَتبَعها، يُلاحِقها.!

تَنتَبه لوجود شَخصٍ يَتبَعَها.! على بُعدُ خَطواتٍ قليلة منهُ تَهمسُ في سِرِّها:

أسارقٌ في وَضح النهار.؟ أو مراهق مُزعج.؟

يَقتربُ أكثَر يُحاول جاهداً أن يَلمِسها بيدهِ بعد أن تعذَّر عليهِ النُّطق. يَحسّ بِيدهِ وكأَنها قد شُدَّت بالأرض بحيثُ إستحالَ عليه تَحريكها، هكذا يشعر الآن؛ يَهمسُ في ذاته:

يجب أن أصبح بمحاذاتها وأكملها.؟

بينما تزداد هي قلقا، وعلى حين غرة يَلحظها تَستَدير لتصبح بمواجَهَته.! تأخذُهُ المفاجأة والدهشة، يفكّر في داخله: لو أُقابل عدواً أَو مُنازلاً جَبلاً لكانَ أهونُ عليَّ من هذه الحركة غير المتوقعة.! ومِن ثِقل صَوتَها المُباغت الذي يبحث عن جواب.!؟ لكن صوتها كان في داخله أعذب موسيقى عرفها.!

هل كُنتَ تَتبَعُني.؟

لم يَنبُس بكلمة أو ردة فعل، بَدا بارداً، جامداً.! غير أنه أحسّ بأنفاسها تُلامس وَجنتيه؛ فتَمنى لو أنه يستطيع أن يجمع أنفاسها في رئتيه.! يخشى عليه، ويحسد الأثير لأنه يحتويه.! تلاحظ شروده فتكرر:

لماذا كنت تلاحقني.؟

يزدادُ حيرة، احمرار وجهه، ترتجفُ شَفتيه، يتسارع نَبضَ قَلبه. يَصلُه صوتها مرة أخرى، لكن هذه المرّة عالياً.! ومنزعجاً.!:

أجب.؟

يَجمَع أفكاره، ويُركّز ذهنه، ليقولَ لها تلك الكلمة التي أرّقته، وغيّرته، والتي أيقضَت رجولته المفقودة، لكن الصمت القاتل.! عَطبَ حِنجَرته ولسانَه الذي وُلد معه، يَصفَع عقله.! يذكّره بأن هذا العطب لا يمكن أن يَتهندم.! وأن تسقط عنه القيود. وهو الذي لم يألف صوته، بل؛ لم يَسمعهُ منذ ولادته.!

تَغرقُ عيناهُ بالدموع.!

يَستَدير.!؛ تَستَدير.! كل منهما يذهب باتجاه مغاير وهي تهمس في ذاتها:

مجنونٌ، أحمَق….. رُبما….. أكيد.؟!

وهَو يَلعَن حَظَّهُ، متمنياً، أن يَمتَلِك لهذه اللحظة فقط.. حنجرة.. صوتاً…………

 

 

مشاركة