الأبعاد الإستراتيجية لصفقة الغواصات الإسترالية – عماد علوّ

طعنة لفرنسا أم حرب على الصين؟

الأبعاد الإستراتيجية لصفقة الغواصات الإسترالية – عماد علوّ

بداية الازمة

كان اعلان وزير الدفاع الأسترالي بيتر داتون من واشنطن في 17/9/2021 أن الاتفاق الأمني الذي أبرمته بلاده مع المملكة المتحدة والولايات المتحدة سيتيح لواشنطن تعزيز وجودها العسكري بأستراليا، بمثابة اشعال لفتيل أزمة لم تتضح تداعياتها بين حلفاء وشركاء استراتيجيين (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الامريكية)، حيث سارعت باريس الى اعلان استيائها وغضبها لعدم علمها به، واعتبرته على لسان وزير خارجيتها جان ايف لودريان طعنة في الظهر! ثم تطور الموقف الى اعلان فرنسا استدعاء سفيريها في الولايات المتحدة وأستراليا للتشاور بسبب “الخطورة الاستثنائية” لإعلان الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن ولندن وكانبيرا، المعروف باسم (أوكوس (Aukus). الطعنة في الظهر التي وجهت الى فرنسا لم تكن الا القشة التي قصمت ظهر البعير في سياق الصراع والتدافع الأمريكي الفرنسي للسيطرة على مصادر الثروات المعدنية والنفطية في مناطق سيطرتها التقليدية، خاصة في شمال أفريقيا، ودول جنوب الصحراء (مالي والنيجر وبوركينا فاسو)، ذات الأهمية الاستراتيجية لما تنتجه من معادن ثمينة (ذهب ويورانيوم ونفط..) ولدورها الجغرافي الحيوي في فصل شمال أفريقيا عن جنوبها. كل ذلك دفع فرنسا لزيادة عديد قواتها في دول هذه المنطقة إلى قرابة 4500 جندي، مما أثار حفيظة واشنطن ودفعها لتأسيس القيادة الأمريكية الموحدة لأفريقيا “أفريكوم”، في محاولة مزاحمة النفوذ الفرنسي، من خلال أدوات أمنية، وتواجد وحداتها العسكرية، وتدريبات مشتركة، وطرح مشروعات استثمارية واقتصادية تخدم ذلك التوجه، والتدخل بصورة مباشرة في مناطق الأزمات، وتحديد سبل التسوية برؤى تقوم على خدمة والحفاظ على المصالح الأمريكية، لذلك لا نستغرب الطعنة في الظهر التي وجهت الى فرنسا بإعلان الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن ولندن وكانبيرا، المعروف باسم (أوكوس (Aukus). في سياق الصراع والتدافع الأمريكي الفرنسي.

من جانبها ندّدت الصين بالصفقة التي وصفتها بأنها “غير مسئولة إطلاقًا” بين الولايات المتحدة وأستراليا بشأن حصول الأخيرة على غواصات أمريكية ذات دفع نووي، في إطار شراكة جديدة بين البلدين تضمّ أيضاً بريطانيا. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجيان أمام الصحافة إن “التعاون بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا في مجال الغواصات النووية يزعزع بشكل خطير السلام والاستقرار الاقليميين، ويكثّف سباق التسلح ويقوّض الجهود الدولية نحو عدم انتشار الأسلحة النووية”.

الغواصات النووية

بعد أن تكشفت ابعاد الاتفاق الأمني بين استراليا والولايات المتحدة وبريطانيا الذي دفع استراليا الى الغاء صفقة كانت قد عقدتها عام 2016 مع شركة بناء السفن الفرنسية “نافال غروب” (Naval Group) لبناء أسطول غواصات جديد بقيمة 40 مليار دولار، لتحل محل غواصات كولينز التي مضى عليها أكثر من عقدين. وبعيد توقيع الاتفاق بين كانبيرا وواشنطن ولندن، أعلن رئيس الوزراء الأسترالي، سكوت موريسون، إلغاء الاتفاق الضخم المبرم مع فرنسا عام 2016 لشراء غواصات تعمل بالديزل والكهرباء، موضحا أن بلاده قررت بناء ما لا يقل عن 8 غواصات تعمل بالطاقة النووية بتكنولوجيا أميركية وبريطانية بعد إبرام شراكة أمنية ثلاثية. وإعلان استراليا توجهها لامتلاك تكنولوجيا الغواصات النووية بمثابة دخولها الى حلبة السباق المحموم بين عدد من دول العالم، أبرزها روسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والهند، نحو توسيع اساطيلها من الغواصات النووية القادرة على حمل أسلحة استراتيجية، وتشير تقارير مراكز الأبحاث الاستراتيجية الى أن عديد الغواصات النووية في العالم قد تجاوز 150 غواصة نووية استراتيجية بحسب موقع “فوربس”، تمتلك الولايات المتحدة نحو 70 غواصة نووية، يليها في الترتيب روسيا بـ41 غواصة، ثم الصين بقوة 19 غواصة، وبريطانيا 10 غواصات وفرنسا تسع غواصات، وأخيراً الهند تملك ثلاث غواصات نووية.

الابعاد الاستراتيجية

مما لا شك فيه أن زيادة وتدعيم الترسانة النووية للقوى المناهضة للصين في المحيط الهادي وبحر الصين الجنوبي، ستزيد من حدة التوتر بين الحلف الأمني الثلاثي بين واشنطن ولندن وكانبيرا، المعروف باسم (أوكوسAukus) من جهة وبين الصين وكوريا الشمالية وروسيا من جهة أخرى، وسيدفع باتجاه سباق تسلح إقليمي، بذريعة الردع والردع المضاد في لعبة تجاذب القوى بين الصين وحلفائها والولايات المتحدة وحلفائها. وسوف نرى تصاعدا” في وتيرة التجارب الصاروخية وسباق تسلح غير مسبوق في ظل تصاعد الصراع بين القوى العظمى في هذه المنطقة من العالم.

وتعتمد الاستراتيجية الامريكية في مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد على السيطرة على المسالك والممرات والمضايق الملاحية في بحر الصين الجنوبي والمحيطين الهادي والهندي لتهديد الأمن الحيوي الصيني، وتعقيد عمليات التجارة الصينية من خلال تشكيل التحالفات الأمنية ودعم مطالبات دول بحر الصين الجنوبي لمجموعة من الجزر المتنازع عليها والثورات النفطية، فتم الاتفاق مع فيتنام لاستخدام 5  قواعد عسكرية لحماية الاستقرار في بحر الصين الجنوبي، لتنضم إلى القواعد العسكرية في كل من كوريا واليابان واستراليا وسنغافورة وتايلاند. وفي هذا السياق وبغرض خلق نوع من التوازن مع الصين قامت  الولايات المتحدة الامريكية، بمزيد من الإجراءات العسكرية، حيث زادت واشنطن من معدل التعاون العسكري مع أستراليا وقامت باختيار موانئ مدن بريسبان وبيرث وداروين كقواعد بحرية لإيواء حاملات الطائرات الأمريكية المجهزة بالسلاح النووي لغلق المنافذ البحرية أمام الصين، وفي 2012 اعلنت أمريكا خطة لزيادة أسطولها البحري في منطقة غرب المحيط الهادي وشرق أسيا إلى 60 في المائة بحلول 2020 وتشمل الخطة الاحتفاظ بست حاملات طائرات وغواصات وطرادات ومدمرات وسفن قتالية ساحلية. ويمتلك الجيش الأميركي بالفعل وجودا غير دائم في داروين بشمال أستراليا، حيث يتم نشر حوالي 2500 جندي من مشاة البحرية كل عام بشكل تناوبي لإجراء تدريبات. وتأتي عمليات إعادة التموضع للقوات الامريكية في الشرق الأوسط والانسحاب السريع من أفغانستان بالإضافة الى تفاهمات أمريكية مع العراق وروسيا للانسحاب من العراق وسوريا في سياق تحول الاهتمام الاستراتيجي الأمريكي من منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي الى مناطق المحيطين الهادي والهندي وبحر الصين الجنوبي.

استراتيجية المواجهة الصينية

تدرك الصين أن أمريكا تحاول تضييق الخناق على تجارتها كورقة ضغط للمساومة، مما يجعل تجارتها البحرية عرضة للتهديد الأمريكي، حيث تمر معظم تجارة الصين من بحر الصين الجنوبي ومضيق ملقا، وسيؤدي الحلف الأمني الثلاثي، بين واشنطن ولندن وكانبيرا، المعروف باسم (أوكوسAukus) الى زيادة احتمالات المضايقات الأمريكية للتجارة الصينية مستقبلا في حالة نشبت أزمة بين البلدين.. لذلك تحاول الصين المضي قدما” في تدعيم مشروع الحزام والطريق (one belt one road) الذي اطلقته عام 2013وهو عبارة عن مشروع ضخم لربط 68  دولة في أسيا وأفريقيا وأوروبا، بطرق برية وسكك حديدية وخطوط ملاحة، والذي يهدف لربط الصين مع ثلثي سكان العالم بعيدا عن النفوذ الأمريكي، بالإضافة الى عدة مشاريع مكملة للمشروع مثل السعي لفتح قناة نيكاراجوا التي تربط المحيط الهادئ بالمحيط الأطلنطي وتعد بديلا عن قناة بنما التي يسيطر عليها الجيش الأمريكي، وكذلك السعي لفتح الممر الشمالي الغربي وهو ممر موسمي بدأت الصين في الترويج له منذ 2016 كمنافس قوي لقناتي السويس وبنما، ويختصر الوقت والمسافة بين موانئ الصين وموانئ شمال أوروبا ويشهد زيادة مضطرده في عدد السفن المارة به. عملت الصين على فتح ممر التنمية الباكستاني والذي أعلن عنه عام 2015 لربط غرب الصين بميناء جوادر المطل على بحر العرب، وتم بالفعل تشييد طرق وسكك حديدية، ويتيح ذلك الممر ربط غرب الصين ببحر العرب القريب من الخليج العربي حيـــــــــث مصادر الطاقة، كما يسمح بتصدير البضائع الصينية دون المــــــــرور ببحر الصين الجنوبي حيث الأساطيل الأمريكية التي تحاول الصين مواجهة سطــوتها من خلال الاستحواذ على سلسة موانئ في المحيط الهـــــــــندي وما بعده لحماية خطوط التـجارة الصينية، في اطار ما يطلق علـيه بـ (استراتيجية اللؤلؤة)،لبناء عدة قواعد عسكرية وبحرية صينية في جيبوتي عام 2017 وقاعدة جيـــــــواني العسكرية  في باكستان عام 2018 فضلا عن الاستحواذ على ميناء هامبانتوتا في سريلانكا مؤخرا، كما تعتمد استراتيجية الصين في تأمين الساحل الشرقي، وبحر الصين الجنوبي على بناء عدة جزر صناعية كمراكز متقدمة للدفاع عن الساحل الحيوي.

ان المتغيرات الجيوستراتيجية التي يشهدها العالم بعد صعود التنين الصيني وقرب صعود الدب الروسي ستفضي بالتأكيد الى الكثير من المتغيرات على الصعيد الاستراتيجي في العلاقات الدولية وشكل التحالفات العسكرية التي سادت العالم في اعقاب الحرب العالمية الثانية ، فانتقال منطقة الاهتمام والتأثير الأمريكي من شرق اوربا و الشرق أوسط والخليج العربي الى مناطق المحيطين الهادي والهندي وبحر الصين الجنوبي قد ينعكس بشكل واضح وسريع على التحالفات العسكرية في اوربا والبحر المتوسط فضلا” على شكل التحالفات والشراكات الأمنية بين واشنطن ودول الخليج العربي والشرق الأوسط.. وقد يتراجع الاهتمام الأمريكي في حماية وتأمين إسرائيل بسبب الاهتمام الأمريكي بتأمين مصالحها إزاء النفوذ الصيني المتصاعد في مناطق مختلفة من العالم في سياق تشتيت قدرات القوة الامريكية على مواجهة النفوذ الصيني ..بالمقابل ستندفع فرنسا لمليء الفراغ الذي سيتركه الرحيل الأمريكي من الشرق الأوسط والخليج العربي الى الشرق وستسمح واشنطن لباريس واسترضائها، بعقد المزيد من الصفقات العسكرية لتوريد الأسلحة الى دول المنطقة ومن ضمنها العراق (صفقة طائرات رافال) لتعويض خسارتها الفادحة في صفقة الغواصات الاسترالية .

اندثار مشروع

كما قد يندثر مشروع ميناء الفاو الكبير نتيجة للصراع الأمريكي الصيني.

ويبقى السؤال المطروح هو عن قدرة القوة العســـــــكرية الامـــــــريكية على كبح جماح النمو والتـــــــوسع الاقتصادي الصيني في ظروف احتمالية انـــــــفراط عقد التحالفات الغربية ، وتداعــــــيات جائحة كرونا والازمة الاقتصادية والمالية التي تشهدها الأسواق العالمية ؟

{ لواء متقاعد

مستشار المركز الأوربي لدراسات مكافحة الإرهاب

مشاركة