اكيتو احتفال رافديني حافل بالطقوس البهيجة والمعاني الواعدة

301

اكيتو احتفال رافديني حافل بالطقوس البهيجة والمعاني الواعدة
فؤاد يوسف قزانجي
مدخل
يحتفل المسيحيون الاشوريون وكذلك الكلديون بعيد اكيتو في الوطن وفي الشتات، يعيدون فيه امجاد تاريخ العراق القديم في الاول من نيسان في كل عام. فيا ترى ماهو عيد الاكيتو؟
يعد عيد اكيتو من اقدم الاعياد في الحضارات القديمة. اذ ان الاكيتو في الاصل عيدا للبذار والزرع والربيع،اتخذه السومريون 3500 ــ 2000 ق.م. عيدا في بداية السنة وسموه ايزين ــ اكيتوم اي عيد بذار الشعير، الذي يبدو انه كان منتوجهم الاول من الحبوب. وربما جرى في العصر الاكدي لكنه في العصرين السومري والاكدي كان احتفالا قصيرا لأحياء الامال بالخصب الدائم وقد انتقل هذا العيد الى الاكديين ثم البابليين منذ بداية الالف الثاني قبل الميلاد، لكنه اقتصر اسمه على اكيتو ثم تدريجيا تطورت طقوسه وتقاليده ومعانيه ودلالاته، فتحول في العصر البابلي الى العيد الوطني ونسجه الكهنة نسجا اجتماعيا و سياسيا اضافة الى كونه احتفال ديني بهيج. وزادت ايامه من بضعة ايام الى احد عشر يوما، يبدأ في الاول من نيسانو الذي كان اليوم الاول من السنة،بحسب التقويم البابلي القمري الذي سارت عليه جميع شعوب العالم القديم بما فيه الاشوريين والاراميين والعبريين والفرس وغيرهم. وكان نيسان يقابل في الوقت الحاضر من منتصف شهر أذار حتى النصف الاول من نيسان لذلك عندما اتخذه كلا من الفرس وبعدهم الاكراد،نجدهم يحتفلون به في 21 آذار، باسم نو ــ روز.
اذن صار العيد بابليا،واصبح عيدا للقاء الاله الاعظم مردوخ، الذي كان يمتلك قدرات الاله انليل اكبر الالهة وجميع الالهة الاخرى التي كانت تعبد في بلاد الرافدين بما فيهم شمش. كان الاحتفال كما يذكر المؤرخ جورج رو 1963 ، محدودا ويفتقد الى التعاطف الشعبي كالذي جرى في العصر البابلي الوسيط في زمن الاغراب الكاشيين، لكن طقوسه قد تنوعت وتعددت من قبل الكهنة الذين اصبحوا في بابل طبقة متعلمة مترفهة تمتلك المدارس والاراضي الزراعية القريبة من المعبد بالاضافة الى حصولهم على الاضاحي والهدايا العينية مثل الحبوب والخضراوات وغير ذلك .ولم يكتفوا بذلك فمن اجل تعزيز مكانتهم ونفوذهم، فقد اضافوا طقوسا تربط مابين الالهة والملك ومكانتهم؛ مثل انتزاع اشارات الملوكية منه، واضافوا عليها ضربة موجعة للملك لن ينساها على مدار السنة كما سنرى وذكر من نشاط الكهنة، انهم كانوا يسلفون الفلاحين المال بفوائد،او يسمحوا لهم باستغلال اراضيهم باجر خراجها، ولذلك فان بعض الباحثين في التاريخ القديم يرون ان المعبد في بلاد الرافدين،مارس اهم وظيفة في المصرف التمويل .
ويذكر ان احتفال الاكيتو ظل قائما منذ بداية الالف الثاني ق.م. وحتى سقوط بابل في عام539 ق.م.، ولكن في الفترة الكاشية تبدل اسم مردوخ الى بعل. وربما اعيد الاحتفال به في العصر السلوقي316 ــ 64 ق.م. لان بلاد بابل تحت ظل السلوقيين،قد عادت في النمو والتطور، بعد ان تولى عليها ملوك بابليون او كلديون من الكهنة او العلماء، تحت نفوذ السلوقيين .
يمثل هذا الاحتفال طقوسا دينية واجتماعية وسياسية، تظهر لنا تقاسم السلطات بين الاله الاعظم والملك وكذلك الكهنة هذه اللعبة الاجتماعية ــ السياسية التي اتقنها رجال الدين في العصور القديمة وفي العصور الوسطى .كما يعتبر ايضا،مشاركة شعبية واسعة لتعزيز مكانة الملك ضمن احتفالات بهيجة حافلة بالتنوع والترقب والمشاركة الوجدانية، واصبح تقليدا ضروريا تتجمع فيه هيبة الدولة وقوتها وعظمة الهتها وسطوة ملكها ودور رجال الدين المباشر في تعزيز العلاقة بين الشعب والملك، بالاضافة الى ذلك يعد احتفال الاكيتو اهم حدث في حياتهم. ولعل غياب الملك البابلي الاخير نابونائيد عن البلاد لمدة سبع سنوات، وعدم الاحتفال بالاكيتو، كان احد الاسباب الرئيسة في سقوط الامبراطورية البابلية، بعد ان تخلى الشعب عن ملكها الذي هجرها مع الاهها مردوخ.
عيد الاكيتو اول احتفال لبداية السنة الجديدة
كان رأس السنة الجديدة في بلاد الرافدين،يبدأ في مطلع الربيع من كل عام،اي في شهر نيسانو او نيسان. وكان الرافدينيون قد ابتدعوا التقويم السنوي القمري، واخذته عنهم جميع شعوب العالم حتى القرون الوسطى.
تجري احتفالات الاكيتو في قلب مدينة بابل وخاصة في شارع الموكب بين بوابة عشتار واسوار مدينة بابل،وان كانت مدينة بورسيبا تشاركها في الايام الاولى لانها تضم الاله نابو اله الكتابة والمعرفة وابن وولي عهد الاله مردوخ، ولكن الكثيرين من الناس كانوا ياتون الى بابل من بقية المدن خاصة في الايام الثلاثة الاولى حينما تجلب الالهة الرئيسة الى مدينة الاله الاعظم بابل، التي كانت في القرن السادس ق.م. اعظم واجمل مدينة في العالم القديم.
من اليوم الاول حتى اليوم الرابع
في الحقيقة تبدا الاحتفالات في اليوم الرابع لان الايام الثلاثة الاولى تجري فيها التحضيرات من بينها تهيأة قوارب كبيرة على رصيف نهر الفرات الذي كان يمر قرب بابل من اجل حمل تماثيل الالهة البابلية البارزة التي تجلب من بعض المدن الرئيسية مثل مدينة بورسيبا وكوثا وسيبار واروك وكيش واريدو الواقعة جنوب بابل، كمايذهب الملك لملاقاة الاله نابو وجلب تمثاله بنفسه .
وفي صباح اليوم الرابع يقوم الكهنة في معبد ايساكيلا او بيت الاله الاعظم مردوخ، بتلاوة الصلوات والدعوات التي تعبر عن خشية الانسانية من المجهول، وهو ما يجعل ابرز الكهنة في البلاد يذهبون يوميا للصلاة سائلين الصفح والغفران من الاله مردوخ،متوسلين له ان يحمي بابل. وتسمى هذه الصلاة اسرار ايساكيلا . بعد ظهر اليوم الرابع يبدأ الكهنة بتلاوة ملحمة الخلق البابلية المسماة اينوما ــ ايليش التي تخبرنا عن قصة تكوين العالم وفصول السنة،وكيف ان جميع الالهة قد توحدوا بشخص الاله مردوخ بعد انتصاره على الشر المتمثل بالالهة تيامات، وتعتبر تلاوة هذه الملحمة احدى الطقوس الرئيسية في الاحتفالات.
في اليوم الخامس يعود الملك الى بابل، وبصحبته تمثال الاله نابو، ويوضع التمثال في بوابة اوراش ، بينما يذهب الملك الى معبد ايساكيلا. ويستقبل في المعبد من قبل كبار الكهنة، ويقترب الى محراب الاله مردوخ ثم يركع الملك امامه ويبدأ بالصلاة . ويدنو منه كبير الكهنة المسمى شيشكالو لعله المسؤول عن هذه الطقوس،ويقوم بتجريد الملك من اسلحته وتاجه وخواتمه وثم صولجانه، ويضعها جانبا .ثم يقوم الملك بطلب المغفرة والصفح من الاله مردوخ ان كان قد ارتكب خطيئة او ذنب تجاهه او اضر ببابل مدينته المقدسة، فيقول؛
,, لم اذنب ياسيد البلدان، ولم اغفل ربوبيتك. لم اخرب بابل ولم اسبب لها الهوان…ولم انس مناسك معبد ايساكيلا،ولم اهن اي من عبادك،لقد حرصت على بابل،ولم اقوض جدرانها..،،
فيتقدم الشيشكالو الى الملك ويصفعه بقوة،بحيث تجري الدموع من عينيه،ثم يقول للملك
لاتخف ولاتحزن، ان مردوخ يسمع صلاتك،ويوسع سلطانك، ويعلي شان ملوكيتك، وينصرك على اعدائك ومناوئيك…
وفي هذا الوقت يعم الحزن الجماهير خوفا على مليكهم ويزداد قلقهم خشية غضب الاله مردوخ عليه. وبعد ساعات من الانتظار يخرج الملك في عربته مع تاجه وصولجانه فيرتاح الناس ويهتفوا لسلامته.
اليوم السادس في هذا اليوم يعلن على الملأ اختفاء الاله مردوخ، فيصاب الناس بالذعر وتعم بينهم الفوضى،وهو اما ان يكون قد نزل الى عالم الاموات العالم السفلي ، ولذلك يسارع الكهنة بجلب الاله نابو لتخليص ابيه من عالم الاموات. يعود اهل بابل الى القلق، وتسود بينهم الفوضى، ويجري الناس هنا وهناك.
اليوم السابع يجري في المعبد تمثيل مشهد يصور فيه اختفاء مردوخ بانه عرج الى السماء، وهنا يجري استعادة اسطورة تموز الذي يموت ثم يبعث من جديد، وخلال ذلك يستمر الناس بالهيجان لفقدهم الاههم. ويدخل الملك الى ايساكيلا وهو حزين على اختفاء مردوخ.
اليوم الثامن يصل الملك حزينا الى المعبد فيبلغ بعودة الاله مردوخ، فيسرع لملاقاة الهه جزعا واضعا يده على يد مردوخ وتلخص هذه الشعيرة فكرة المشاركة الملكية في الالوهية، ثم ينقل تمثال مردوخ الى باحة المعبد الفسيحة، امام التفاف الناس من حوله . وبعد ان يرى الناس الههم قد عاد ويرافقه ملكهم المحبوب، تبدا الاحتفالات البهيجة بعودة الاله مردوخ من السماء الى معبده المقدس.
اليوم التاسع تجلب الالهة الى باحة المعبد التي جاءت لتقدم فروض الطاعة والاحترام الى مردوخ، وتمرر من امام مردوخ واحدا بعد الاخر، والناس يهتفون ويحيون الالهة.
اليوم العاشر تنقل تماثيل الالهة على عربة مكشوفة، وتسير ببطىء في شارع الموكب الذي يضم من جهة واحدة جدارا مزينا بصور الاسود والحيوانات المركبة على الطابوق الصخري والموزاييك من بداية بوابة عشتار الى بيت الالهة الواقع قرب اسوار بابل، والجماهير تحيي الالهة ويتبارك بها الناس وهم يشدون لها
من خلال رحمتك ياآلهي، فلعل الشهور الاتية
تكون لنا موئلا للفرح، والسنون القادمة مصدرا للبهجة،
بل دعها يا آلهي تورث لنا السلام،
حيث نيسانو وعطاءه من الازهار، وآيار وما ينشره من زنابق،
وحزيران وماجمعه من حزم الحصاد، وتموز وما حصل عليه من اكوام الحبوب،
دع آب وكذلك ايلولو، يجلبان لك عناقيد الاعناب من على الاعواد،
دع كلا من التشرينين يستجيبان لمعاصر الاعناب،
دع كلا من الكانونين يستريحان، وكلا من من شباتو وآدارو، يمران سراعا،
ويبقى اليك كل المديح.
اليوم الحادي عشر تختتم احتفالات الاكيتو بتقديم الاضحيات الى المعبد من قبل الملك، وتتحول فورا الى وليمة كبرى الى اهالي بابل ترافقها انغام الموسيقى وقرع الطبول.
استمر عيد الاكيتو في بابل لقرون عدة، وقد انتقل ايضا الى تدمورتا،كما جرى الاحتفال به كذلك في معبد الاله الا ــ كابال النبطي في اميسا حمص ،بين القرن الاول قبل الميلاد والقرن الثاني للميلاد، كما قام الامبراطور هليو كيبالوس 218 ــ 222 بنقل الاحتفال الى مدينة روما.
المصادر
1 ــ Leandering, Jona. Akitu Festival www. Livius.org
2 ــ Sommer ,Benjamin . Akitu Festival: Rectifing the King or Renewing the Cosmos
3 ــ رو، جورج . العراق القديم . ترجمة حسين علوان. بغداد دار الشؤون الثقافية العامة،1986. ص530 ــ 535
/4/2012 Issue 4183 – Date 25 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4183 التاريخ 25»4»2012
AZP09

مشاركة