اضحك على خرائط الحدود –   حسين الذكر

482

تحاليل بلا تحليل

 اضحك على خرائط الحدود –   حسين الذكر

لم تكن رصاصات الفتى الصربي غارفيلو برنسيب التي قتلت الامير النمساوي فرنانديز وزوجته  هي السبب الحقيقي لاندلاع الحرب العالمية الاولى باربع سنوات دامية تاثر بها العالم كله تقريبا … كانت خسائره جراؤها كبيرة وتغيراتها وانعكاساتها على توزيع ميزان القوى الدولية ورسم خرائط وحدود عالمية جديدة هي النتيجة الاكبر بل الهدف الاستراتيجي الذي خطط له لتكون الحرب بوابة ونتيجة طبيعية لمخرجاتها .. فقد ظلت مقاطعتي الالزاس واللورين الالمانية الفرنسية المتنازع عليها منذ قرون بلا حل شاف مقنع مرضي لاطراف القضية … ذلك لم يكن نتيجة بلادة و غباء قادة البلدين وعدم وطنيتهم او امية ولا ابالية الشعبين .. بل ذاك يقع ضمن سياقات دولية معينة وبتخطيط مسبق من اصحاب القرار ومخططي مستقبل العالم المادي .. لذا كان سيناريو الحرب يجري كمسرحية معدة سلفا وتجري احداثها تحت السيطرة .. اذ لا شيء خارج حدود التوقع للقوى المهيمنة التي ليس بالضرورة ان تكن دول معينة او حكومات .. مما جعل السيناريو ومخرجاته بل ونتائجه الممتدة لعقود وسنوات قادمة – وهنا مربط الفرس – ان تكن الحدود موجبة  لقمة سائغة وضحكة ساخرة وقنبلة مؤقة نجحت بتفجير الحرب العالمية الثانية كما خطط لها فعلا وفقا لكواليس قيادات العالم الحقيقي المتخفين في غرف مظلمة واجندات موغلة قاتمة تعمل بلا ضجيج .. بعيدا عن الاصوات الشخصية الارتجالية النشاز او تهريج منابر اعلامية لا تجيد الا التعجيج والتهجيج – الا ما دخل ضمن سياق حملاتهم وتخطيطهم وتوجيههم كجزء من ادوات التنفيذ وليس التسخيف – .. والا فان القرارات الاستراتيجية لا توضع في سوق النخاسة وعلى طاولات قاذورات الليل يلهو بها زيد وعبيد وشعيط ومعيط … فهي حصرية بيد اصاحب الاختصاص تقود العالم المادي وتسير كفته.. لا يمكن ان يترك الملف الاعلامي بيد كل من هب ودب يلقي ما يشاء من حصاه وحجراته وعثراته ببئر مظلم وبصيرة عمياء لا يعي منها وفيها الا تشدقات فاهه المفتوح لشهية موائد مدفوعة الحساب .. ذلك يعد سخف القدر العربي الذي جعل امتنا الى اليوم محتلة الارض مقبوضة الذقن مسيرة الرقاب منهوبة الخيرات تعيسة الاحوال ولاسيما الشعبية منها .. جراء تسليمها المقدرات لمن هم لا اهل لها على صعيد القمة وادواتها .. فيما يبقى شرفاء الامة كحطام وحطب يحترق وفق لنزوات الاستبداد و اجندات الاستعباد ..

تسعين بالمائة من تلك الاستراتيجيات تنفذ وفقا لخلافات الحدود القائمة بين جميع بلدان العالم حتى التي تبدو انها حليف استراتيجي دائم .. هذا لم يكن من قبيل محظ الصدف او حسن النوايا .. بل انه عالم السياسية .. يا من تدعون انفسكم خبراء السياسة .. ان الحدود الدولية للدول في القارات جميعا وبمنطق الزمان والمكان لم تكن تشكل خارطة تعبر عن ذوقية ملك او ترفية سلطان او تعبير عن امنية شعب او رغبة مثقف او استجابة لاهزوجات مجتمعية او ثقافة حزبية .. تلك اضاحيك ذقنية عفا عنها زمن العولمة بعد ان ترك الاخر يعشعش في ربوع الامية والتصحر والجاهلية ..  فالحدود تمثل اجندات للقوى العالمية المهيمنة وجميعها اجزم تستبطن فتيل نار يمكن لها ان تستعر باي لحظة تتفجر وتغير الواقع وتمزق الخرائط وتعيد صياغتها بشكل جديد يتلاءم مع متطلبات تلك القوى المهيمنة وينسجم مع روح العصر .. هنا ما احب ان اصل اليه : ان الحدود لم تكن في يوم من الايام تمثل ولا ستمثل حقوقا قومية او مجتمعية او دينية او تاريخية .. انها ارادات سياسية ومصالح دولية.

فما يمنح اليوم سياخذ غدا. وغدا في العرف السياسي قائم لا محالة فضلا عن ديدين الخلق الذي يعني فيه انه قريب .. بل قريب جدا .  فلا ينبغي ان يفرح المستقطعون .. ولا ييأس المقطوعون .. فان صور العالم تتغير .. لكن مبادئ التوزيع قائمة بل وثابتة .

مشاركة