اسْتِنْزاف أَبَديّ – سعد نوري عطاالله

اسْتِنْزاف أَبَديّ – سعد نوري عطاالله

لكل شيء نهاية في هذه الحياة، من وجودنا الى مشاعرنا الى منازلنا الى اصدقائنا الى ابسط اشيائنا, كل شيء في هذا الوجود له نهاية. وبالعموم فأن النهايات حسمها يكون اكثر دراماتيكية، فما من قوة في الوجود الا ولها نهاية، وما من ضعف الا وله نهاية، وما من عدالة الا وبانتظارها نهاية، وما من ظلم الا وله أجل معلوم، وما من احتلال الا ويكتب له نهاية، ولا من انهيار وسقوط او بداية الا وبانتظارها نهاية، كل شيء حرفياً له نهاية، فالنهاية هي الشيء الوحيد المشترك بين كل اشياء الوجود المتشابهة والمختلفة.

المريض قد يقتنع بان مرضه ومعاناته لها نهاية، لكن يبقى متسائلا هل ثمة ما يستعجل تلك النهاية وما هو مقدار المساحة بينه وبين النهاية! الثمانية عشر عاماً من كل انواع القهر والدمار والصراعات  التي يعيشها الشعب العراقي “حتما لها نهاية” هكذا اعتاد احد الاصدقاء القول في مواعظه الوطنية معززا بان تاريخنا هو من يؤكد ذلك؛ لكنه لا يعلم بان تكرار النهايات وسرعة البدايات لتكون مأسي مرة اخرى، هي استدلال سلبي اكثر من كونه استدلال يستدعي الفخر ومثار للأمل!

فأن يفتخر صديقنا بان تاريخنا يؤكد ما من احتلال او ظلام دام على ارضنا مهما تعددت اشكاله، هو استدلال يثبت سلبية موحشة، فأي ايجابية في بلد تكرر فيه الاحتلالات والمآسي، واي قيمة لكل تحرير ونهاية اذا كانت بداية لاستعمار اخر او لمأساة مماثلة.

لا احاول التقليل من النضال الوطني وخطاباته ابداً, كما لا ارغب بممارسة طقوس اللطم والبكاء على قدر هذا الوطن، ولا احاول السخرية مطلقاً من التحليلات السياسية التي تظهر بين الحين والاخر سواء التي تترقب حلاً أمريكيا او اوروبيا, فما اريد هنا هو طرح تساؤلات مبعثرة من مواطن ليس مسؤولاً عن كل هذه حفلات الموت وموسيقى القهر الصاخبة، وبعيداً عن مقدار المسافة بين النهاية بين ما نحن عليه.

اطرح سؤالي بدقة هل ندرك  بعد الثمانية عشر عاماً من الصراعات السياسية والطائفية كم فقدنا من انسانيتنا، وبأي شكل مرعب تهشمت قيمنا، وضاعت مبادئنا وكيف سلبت مشاعرنا وعواطفنا، وما هو حجم الضياع الذي لحق بأعمارنا وافكارنا وطموحنا وحياتنا هذا اعتقد اهم من السؤال عن ساعة النهاية!

فان الوصول الى النهاية امر حتمي لاشك به، لكن بأي صورة سوف نصل، والاهم هل سوف تكون النهاية بانتظارنا لننعم برؤيتها، ام ان نهايتنا هي الاقرب و مسلسل الاستنزاف الابدي الذي نعيشه هو المنتصر!

لهذا وفي ظل هذه المتاهات والصعوبات والتحديات الواقعية المفروضة، والارادة والاجندات الخارجية التي تتحكم بالقرار والمصير الوطني، ماذا عسانا ان نفعل وكيف نعمل وما الحل للحفاظ على انسانيتنا في ظل هذا الاستنزاف الابدي السياسي الدموي والنفسي الاجتماعي الذي يفتك بنا!

اذ ان كل يوم وبدون مبالغة العيش في هذه الارض هو خسارة من مساحة انسانيتنا بشكل او باخر سواء ندرك ذلك او لا ندرك، وكل يوم تشرق الشمس على ارض الرافدين، نسمع كل الاماكن حولنا تهمس في اذاننا توحش فمساحة الاختيار ضيقة.

فقانون الغاب يتمادى يوماً بعد يوم، اننا في مأزق كبير جدا ايها الاخوة، مأزق شائك، ان حلت  نهاية مأزق ما، من المآزق التي نعاني منها، فأن ثمة مآزق اخرى تلوح بالأفق، فما نعاني منه اليوم استنزاف ممنهج, ساعة الحلول فيه متوقفة وعاجزة عقاربها عن المضي قدماً، لذلك  لنحاول ان لا تتوقف ساعة انسانيتنا وحياتنا وافكارنا كأفراد وان توقفت ساعة النجاة والخلاص فهي تبقى رصيدنا في الحياة.

مشاركة