احترافية فن التجاهل- د محمد غاني

260

د‭ ‬محمد‭ ‬غاني

ما‭ ‬أشد‭ ‬غباءنا‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬حين‭ ‬نخوض‭ ‬تجارب‭ ‬تبدو‭ ‬لنا‭ ‬جديدة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ان‭ ‬الحياة‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬ملأى‭ ‬بتجارب‭ ‬مماثلة،‭ ‬و‭ ‬سيناريوهات‭ ‬مشابهة‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬نقتبس‭ ‬منها‭ ‬المخارج‭ ‬و‭ ‬الحلول،‭ ‬و‭ ‬ليس‭ ‬ذاك‭ ‬الا‭ ‬بالتوسل‭ ‬بوسيلة‭ ‬مثلى،‭ ‬تجمع‭ ‬بعضا‭ ‬ليس‭ ‬بالهين‭ ‬من‭ ‬قصص‭ ‬و‭ ‬تجارب‭ ‬و‭ ‬سيناريوهات‭ ‬الآخرين‭.‬

لكي‭ ‬نوضح‭ ‬الأمر‭ ‬أكثر‭ ‬و‭ ‬نجعله‭ ‬للقارئ‭ ‬أكثر‭ ‬جلاء،‭ ‬كم‭ ‬نجد‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬مغموم،‭ ‬بسبب‭ ‬هجر‭ ‬حبيب‭ ‬أو‭ ‬ابتعاد‭ ‬صديق‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬تضامن‭ ‬خليل‭ ‬وقت‭ ‬شدة،‭ ‬الى‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭  ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬مما‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬نتصوره‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬الحياتية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬أكثر‭ ‬ألما‭ ‬للبعض‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬آخر،‭ ‬بحسب‭ ‬تعلقات‭ ‬الانسان‭ ‬بالاشياء‭ ‬أو‭ ‬الاشخاص‭ ‬أو‭ ‬الأماني‭.‬

تراثنا‭ ‬المكتوب‭ ‬من‭ ‬نثر‭ ‬و‭ ‬شعر،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬حضاراتنا‭ ‬العربية‭ ‬أو‭ ‬الاسلامية‭ ‬أو‭ ‬الامازيغية‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الحضارات‭ ‬المجاورة‭ ‬أو‭ ‬البعيدة‭ ‬عبر‭ ‬القارات،‭ ‬مليئة‭ ‬بالقصص‭ ‬و‭ ‬الأمثال‭  ‬التي‭ ‬تلخص‭ ‬حكما‭ ‬و‭ ‬تستلهم‭ ‬عبرا‭ ‬مفيدة‭ ‬أشد‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬الإفادة‭ ‬اذا‭ ‬استثمرت‭ ‬بشكل‭ ‬سليم‭ ‬في‭ ‬حيواتنا‭ ‬المعاصرة‭.‬

كثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬يشقون‭ ‬على‭ ‬أنفسهم‭ ‬بالتدقيق‭ ‬في‭ ‬صغير‭ ‬الاشياء‭ ‬حين‭ ‬ينبغي‭ ‬التركيز‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الأهم،‭ ‬و‭ ‬العكس‭ ‬صحيح،‭ ‬نجد‭ ‬بعضا‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يدقق‭ ‬حين‭ ‬ينبغي‭ ‬التدقيق‭ ‬مما‭ ‬يضع‭ ‬أشخاصا‭ ‬في‭ ‬وضعيات‭ ‬حياتية‭ ‬لا‭ ‬يحسدون‭ ‬عليها،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬سلك‭ ‬النبيه‭ ‬منهم‭ ‬مسالك‭ ‬الفوز‭ ‬و‭ ‬النجاة‭.‬

لذلك‭ ‬نصحنا‭ ‬احد‭ ‬حكماء‭ ‬التاريخ‭ ‬المجهولين‭ ‬قائلا:‭ ‬اذا‭ ‬اردت‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬سعيدا‭ ‬فلا‭ ‬تفسر‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬ولا‭ ‬تدقق‭ ‬بكل‭ ‬شيء‭ ‬ولا‭ ‬تحلل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬فان‭ ‬الذين‭ ‬حللوا‭ ‬الالماس‭ ‬وجدوه‭ ‬فحما‭…‬

و‭ ‬نفس‭ ‬الأمر‭ ‬هذا،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬عاشه‭ ‬السير‭ ‬تشارلز‭ ‬سبنسر‭ ‬تشابلن‭ ‬الممثل‭ ‬الانجليزي‭ ‬الكوميدي‭ ‬الشهير‭ ‬و‭ ‬كاتب‭ ‬السيناريو‭ ‬و‭ ‬المسرحي‭ ‬و‭ ‬المخرج‭ ‬و‭ ‬الملحن‭ ‬الشهير‭ ‬عالميا‭ ‬تحت‭ ‬اسم‭ ‬«شارلي‭ ‬شابلن»‭ ‬حيث‭ ‬خرج‭ ‬بحكمة‭ ‬بليغة‭ ‬مفادها‭ ‬«لكي‭ ‬تعيش،‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تتقن‭ ‬فن‭ ‬التجاهل‭ ‬باحتراف»‭.‬

تبقى‭ ‬مسألة‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الاهمية‭ ‬ينبغي‭ ‬التنبه‭ ‬اليها،‭ ‬عند‭ ‬سبر‭ ‬اغوار‭ ‬تجارب‭ ‬الآخرين‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬ينبغي‭ ‬استلهام‭ ‬تجارب‭ ‬الناجحين‭ ‬المتفائلين‭ ‬و‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬النظرة‭ ‬التشاؤمية‭ ‬مثل‭ ‬قول‭ ‬أبي‭ ‬العلاء‭ ‬المعري:

من‭ ‬كان‭ ‬يطلب‭ ‬من‭ ‬أيامه‭ ‬عجبا‭   ‬فلي‭ ‬ثمانون‭ ‬عاما‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬عجبا

الناس‭ ‬كالناس‭ ‬و‭ ‬الأيام‭ ‬واحدة‭   ‬و‭ ‬الدهر‭ ‬كالدهر‭ ‬و‭ ‬الدنيا‭ ‬لمن‭ ‬غلبا

أو‭ ‬قول‭  ‬الكاتب‭ ‬المعروف‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬منيف،‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬كتاباته،‭ ‬غيرقولته‭ ‬الموالية‭ ‬هاته»‭ ‬ان‭ ‬أغرب‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬يا‭ ‬صاحبي‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬السيئين‭ ‬لا‭ ‬يموتون،‭ ‬يعيشون‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يجل‭ ‬لكي‭ ‬يفسدوا‭ ‬حياة‭ ‬الآخرين»‭.‬

فأقل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نجده‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬هذين‭ ‬الرأيين‭ ‬الأخيرين‭ ‬أن‭ ‬نوحا‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬لبث‭ ‬في‭ ‬قومه‭ ‬ألف‭ ‬سنة‭ ‬الا‭ ‬خمسين‭ ‬عاما‭ ‬و‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬خيار‭ ‬الناس‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬و‭ ‬كذا‭ ‬يمكن‭ ‬الاستشهاد‭ ‬ردا‭ ‬على‭ ‬المعري‭ ‬بالعجب‭ ‬العجاب‭ ‬الذي‭ ‬خطته‭ ‬أنامل‭ ‬كبار‭ ‬العلماء‭ ‬و‭ ‬الفلاسفة‭ ‬و‭ ‬الحكماء‭ ‬و‭ ‬الشعراء‭ ‬الكبار‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬أسوق‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬ألوف‭ ‬الآلاف‭ ‬المبثوثة‭ ‬في‭ ‬بطون‭ ‬الكتب،‭ ‬منها‭ ‬ابيات‭ ‬لموسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬الزرزاري‭ ‬القطبي‭ ‬أوردهما‭ ‬ابن‭ ‬حجر‭ ‬العسقلاني‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬النفيس‭ ‬الدرر‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬اعيان‭ ‬المائة‭ ‬الثامنة:

تواضعْ‭ ‬تكنْ‭ ‬كالنجمِ‭ ‬لاحَ‭ ‬لناظرٍ‭   ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬الماء‭ ‬وهو‭ ‬رفيع

ولا‭ ‬تكُ‭ ‬كالدخّان‭ ‬يرفع‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬طبقات‭ ‬الجوّ‭ ‬وهو‭ ‬وضيع‭.‬

كاتب‭ ‬من‭ ‬المغرب

مشاركة