اجتثاث بغداد

327

اجتثاث بغداد
نواف شاذل طاقة
منذ أن جاء طيب الذكر السفير بول بريمر بالأحزاب الدينية إلى العراق بعد احتلاله سنة 2003 حتى يومنا هذا، تشهد بغداد حملة منظمة لاجتثاث تاريخها ورموزها، وإن لم يتيسر ذلك، فالتقليل من شأن ذلك التاريخ وإهانة رموزه بشتى الوسائل. وكان آخر ما شهدته هذه العاصمة الحزينة المسبية قراراً اتخذته أمانة بغداد بتغيير معالم شارع أبي نؤاس.
حكاية تغيير معالم هذا الشارع لم تبدأ فجأة فقد سبقتها بأيام حملة لإلزام النساء بارتداء الحجاب في بعض أحياء بغداد، ثم جاءت بعدها صولة شنتها أجهزة الأمن على النوادي الليلية وحانات الخمر، تعرضت خلالها قوات الأمن العراقية بالضرب والاهانات والشتائم لروادها، فيما كانت شوارع بغداد تشهد في الليالي ذاتها حملة تفجيرات واغتيالات بالكواتم لم يعرف حتى اليوم فاعلها. وقد ترددت شائعات بين أوساط محبي بغداد أن قرارا وشيكا سيصدر عن حكومة الحاج نوري المالكي، الذي يقال إنه أقسم مؤخرا بأنه حج البيت الحرام 14 مرة، بتغيير اسم شارع أبي نؤاس أو اجتثاثه، ولكن البعض دحض تلك الاشاعات مرددا بأن أبا نؤاس لن يطوله الاجتثاث بسبب جذوره الفارسية، غير أن تلك الأمنيات سرعان ما تبددت إذ يبدو أن قرارا قد صدر ألزم فيه أبو نؤاس بارتداء الحجاب.
اجتثاث شارع أبي نؤاس، وربما تماثيله، لم يكن الأول من نوعه، فقد شهدنا قبل ذلك تفجير تمثال أبي جعفر المنصور، باني بغداد ومؤسس الحضارة الاسلامية العربية العظيمة لدولة بني العباس، فتلاها سرقة تمثال رئيس الوزراء العراقي الأسبق عبد المحسن السعدون الذي عرف عنه مقولته الشهيرة قبل وفاته سنة 1929 أن الشعب يريد الاستقلال والانكليز لا يريدون . ثم حدث بعد ذلك تحطيم تمثال الرئيس العراقي الراحل احمد حسن البكر الذي اشتهر بقراره الجريء بإرسال الجيش العراقي الباسل لحماية دمشق من الاحتلال الاسرائيلي سنة 1973. أما آخر تمثال تم تدميره في محاولة طمس تاريخ بغداد، فهو تمثال الطيار العراقي الشهيد عبد الله لعيبي الذي كان قائما أمام مبنى قيادة القوة الجوية العراقية في بغداد. وكان لعيبي بطلا عراقيا عاشقا لبغداد، دخل بطائرته في معركة جوية ضد أربع طائرات إيرانية حاولت ضرب بغداد في بدايات الحرب العراقية الإيرانية فأسقط، مع زميل له، ثلاثا منها، وبعد أن نفذت ذخيرته، وشعر أن الطائرة الرابعة أوشكت أن تصل بغداد، قرر التضحية بنفسه فانقض عليها بطائرته ودمرها. وفي خضم هذه الأحداث، شاهدنا أيضا تحطيم نُصبٍ عديدة أخرى، ومن بينها الرسوم والتماثيل التي صنعها فنانون عراقيون شباب كانت قد زينت واجهة معهد الفنون الجميلة الكائن في حي المنصور وذلك بأمر من أحد وزراء نوري المالكي الذي اعتبرها حرام . غير أن رئيس الوزراء لم يستحرم صرف نصف مليار دولار لصنع تماثيل شمعية في إيران لعدد من رجال الدين في مدينة النجف، وكانت الرسالة واضحة من الآن فصاعدا التاريخ ستصنعه العمائم السوداء. ويذكر في هذا الصدد، أن أحد معالم محاربة تاريخ بغداد قد كشفت عنه صورة اشتهرت في مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت يظهر فيها تمثال الشاعر العراقي الراحل معروف الرصافي وسط شارع الرشيد في بغداد محاطا بأكداس القمامة، وكانت هذه الصورة رسالة واضحة أخرى تقول بأن الثقافة والشعر والأدب والتاريخ العربي غير مرحب بهم في عراق العمائم.
ويوجد في شارع أبي نؤاس تمثالان رائعان، الأول للنحات العراقي الراحل محمد غني حكمت كان قد نحته في منتصف السبعينات وأطلق عليه اسم شهريار وشهرزاد ، وتمثال آخر يمثل الشاعر أبو نؤاس نفسه، من صنع النحات العراقي الراحل اسماعيل فتاح الترك نُحت في الفترة ذاتها. ولا يعرف حتى الآن ما سيؤول إليه مصير هذين التمثالين.
وترى الأوساط المعممة في حكومة المنطقة الخضراء أن شارع أبي نؤاس ليس أكثر من حانة خمر يرتادها السكارى في الليل، ولذلك يعتقدون أن معالم هذا الشارع العريق الذي يرتبط تاريخه بتاريخ بغداد الحديث يجب أن تزول. والحقيقة فأن الشارع المذكور لم يكن يوما من الأيام شارعا للسكارى.. غير أن معظم حكام المنطقة الخضراء لم يعيشوا في بغداد، بطبيعة الحال، ولم يعشقوها كما عشقها كل من سكنها. إن شارع أبي نؤاس جزء من تاريخ البغداديين، ومَنْ سكن المدينة، ممن أحبوها وتعلقت شغاف قلوبهم بحاراتها وأزقتها وأشجارها ودجلتها. وكم كان محزنا رؤية الأشجار المعمرة التي زرعت في هذا الشارع قد اقتلعت، لتحل محلها مواقف للسيارات. ولا داعي لأن نُذكّر بأن الأمم المتحضرة تحرص على عدم التلاعب بمعالم مدنها التاريخية وملامحها التراثية، ناهيك عن الرعاية التي تحظى بها أشجارها، ففي بعض البلدان الأوروبية تمتلك كل شجرة من الأشجار في شوارع المدينة سجلا ورقما خاصا بها يحفظ تاريخها ويدون اسم الجهة المسؤولة عن صيانتها، فهي جزء من هوية المدينة وجمالها. لقد ارتبط شارع أبي نؤاس بذكريات جميلة لكل من عاش في بغداد، من مقاهيها التي أطربت روادها بأغاني أم كلثوم وناظم الغزالي وغيرهما من كبار الفنانين العراقيين والعرب، إلى مطاعمها العامرة الجميلة، وفنادقها الراقية، إلى مبانيها وبيوتها الجميلة، وصولا إلى التقليد الذي اشتهرت به خلال السنوات الخمسين الماضية أو اكثر عندما ارتاد زوارها مطاعم سمك المسكوف الشهيرة، وأصبحت معلما من معالم بغداد السياحية المشهورة عالميا.
قد يرتبط هذا الإصرار على إلغاء معالم شارع أبي نؤاس بعقدة الكثير من حكام المنطقة الخضراء ممن يكرهون جمال بغداد وكبريائها منذ أنشأها أبو جعفر المنصور، بل ربما انتقاما من هذا التاريخ العربي المجيد. ولعل شارع أبي نؤاس وشعره العربي الجزل يذكرهم باحباطات أو فشل ما في حياتهم، أو ربما عقد دفينة أو حتى أمراض نفسية، لن يستطيع عشاق بغداد أن يدركوا خفاياها.
AZP07