اتفاقيات السلام

149

اتفاقيات السلام
ابراهيم الشيخ
في مثل هذا الشهر وقع العرب اتفاقيتين للسلام مع اسرائيل، الاولى اتفاقية كامب ديفد التي وُقِعت بين مصر واسرائيل يوم 17 ايلول من عام 1978، والثانية اتفاقية اوسلو وُقِعت بتاريخ 13 ايلول من عام 1993 بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
بعد فوز محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية وتسلمه السلطة تعالت الاصوات في مصر من اجل الغاء أو اجراء تعديلات على بنود هذهالمعاهدة، المطالبَة بإلغاء هذه الاتفاقية او التغيير في بنودها مرده الى الشعور العام في مصر وفي الوطن العربي بأن هذه الاتفاقية ابعدت مصرعن محيطها العربي والتأثير فيه، فمصر كأكبر دولة عربية تم تقزيمها وتحييدها عن دائرة الصراع العربي الاسرائيلي، وهذا بالطبع ما خططت له امريكا والدوائر الصهيونية لتستمر اسرائيل قوية دون منازع في المنطقة.
اما الحدث الثاني الذي تسبب في رفع الاصوات بتعديل اتفاقية كامب ديفد هو الهجوم على الجنود المصريين في سيناء الشهر الماضي، اذ كشفت هذه الحادثة عن ضعف وعدم حنكة المفاوض المصري عندما تم التوقيع على الملحق الامني لمعاهدة كامب ديفد آنذاك، والذي وافق على البنود المذلة والشروط التي تضمنتها هذه المعاهدة دون التفكير بمصلحة مصر، ويبدو ان مصلحة اسرائيل وامنها كانا الهدف الرئيسي من وراء توقيع هذه الاتفاقية، ونتيجة الموافقة على هذا الملحق الامني من معاهدة كامب ديفد قد جرى تقييد تحركات الجيش المصري على اجزاء كبيرة من سيناء الذي لا يملك الحق بامتلاك الاسلحة الثقيلة والاقتراب من الحدود الاسرائيلية اكثر مما هو محدد له.
هذا الوضع ادى الى نشوء فراغ امني كبير في هذه المنطقة، مما شجع على نشاط الجماعات المتطرفة وانشاء قواعد لها هناك بهدف شن هجمات ضد اسرائيل، ولكن بالرغم من شن الجيش المصري حملة عسكرية ضد هذه الجماعات الشهر الماضي بعد الهجوم على جنوده، الا ان هذه الحملة كما يبدو قد فشلت، إذ انها لم تحد من نشاط هذه الجماعات، وما الحوادث المتتالية في سيناء الا دليلا على ذلك.
غالبية الشعب المصري تطالب بإلغاء او تعديل الاتفاقية، لان هذه الاغلبية ترى مساوئها وثغراتها التي تصب في مصلحة اسرائيل، بينما يتمسك الرئيس محمد مرسي الذي لا يترك مناسبة الا ويشدد على احترام هذه الاتفاقات، الا ان التصريحات التي ادلى بها مؤخراً مستشار الرئيس المصري بأن المعاهدة سوف تُعدل ولن تُلغى قد حسمت الجدل الدائر حول الغاء هذه المعاهدة.
ان التعديل في حال حصوله يجب ان يأخذ بعين الاعتبار الأخطاء التي وقع فيها المفاوض المصري، حيث أُخِذت مصالح اسرائيل فقط في عين الاعتبار، ومن غير المعروف ان كانت اسرائيل ستوافق على تعديلات تمس بمصالحها لصالح الجانب المصري.
فمصر لا تجرؤ على الغاء هذه المعاهدة، أولاً لأنها ستفقد المساعدات التي تحصل عليها من الولايات المتحدة والتي هي الان بأمس الحاجة اليها، والسبب الثاني هو ان الغاء المعاهدة سيضع مصر في مواجهة اسرائيل والولايات المتحدة، ومصر في الوقت الحاضر غير قادرة على مواجهتهما.
ان اسرائيل عندما وقعت اتفاقية كامب ديفد الاستراتيجية والمهمة لمستقبلها لم تترك اي ثغرة من الممكن ان تؤثر على امنها ومصلحتها، اما مصر فكان همها الاكبر هو ارجاع سيناء والحصول على المساعدات المادية دون النظر الى ارجاع الحقوق العربية، ان معاهدة كامب ديفد لم تقدم شيئاً مهماً للعرب، وتم من خلال هذه المعاهدة استباحة الامن القومي المصري واضعاف مصر وتكبيلها ومن ورائها اضعاف الدول العربية امام اسرائيل.
من ناحية اخرى وعلى الصعيد الفلسطيني، انه وبعد خروج الفلسطينيين الى شوارع المدن الفلسطينية احتجاجا على غلاء المعيشة وارتفاع أسعارالوقود وانتشارالبطالة، تعالت الاصوات من قِبل القيادات الفلسطينية وقطاعات من الشعب الفلسطيني على اجراء تعديل وتغيير على اتفاقية باريس الاقتصادية الموقعة في عام 1994 بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. هذه الاتفاقية التي تسمح بتوريد البضائع الاسرائيلية الى الضفة الغربية، حيت ان اسرائيل تفرض جمارك مرتفعة على السلع الواردة، مما يؤدي الى ارتفاع اسعار هذه البضائع التي لا يتحملها المستهلك الفلسطيني.
ان ما يدفع السلطة بأن تطلب رسميا الى تعديل اتفاقية باريس الاقتصادية هو تردي الاوضاع الاقتصادية في الاراضي الفلسطينية وسوء المستوى المعيشي للمواطنين الفلسطينيين. فاسرائيل ترفض ومن مصلحتها ان تبقى هذه الاتفاقية على حالها دون تغيير، لان تعديلها سيؤثر سلبا على الاقتصاد الاسرائيلي، لان اسرائيل تُغرق اسواق الضفة الغربية وقطاع غزة بالبضائع الاسرائيلية.
ان ما يخص اتفاقية اوسلو والتي قسمت الفلسطينيين بين مؤيد ومعارض، والاغلبية تؤيد الغاء هذه الاتفاقية التي تعتبر خطأْ سياسيا، لانها لم تحقق للفلسطينيين ما يطمحون اليه. ومؤخرا بدأت السلطة تلوح بالغائها، لان هذه الاتفاقية لم تحقق شيئاً عملياً على الارض، وهي مليئة بالاخطاء والثغرات حيث يتم استغلال السلطة الفلسطينية وموارد الضفة الغربية، كل هذا يتم باسم السلام الذي يستفيد منه فقط العدو الاسرائيلي، وما تأجيل القضايا المهمة كالقدس والحدود واللاجئين لمفاوضات الوضع النهائي الا لعبة اسرائيلية من اجل الاستفادة من وجود سلطة فلسطينية تُأمن لاسرائيل حاجاتها ومصلحتها وفرض السلام من جانب واحد، السلام الذي يُبقي الاف السجناء في المعتقلات الاسرائيلية ومصادرة الاراضي وهدم البيوت وتدنيس المقدسات، فاسرائيل اعادت احتلال كل الضفة الغربية ضاربة بعرض الحائط باتفاقية اوسلو، وهي تتمسك فقط بالبنود التي تحقق مصالحها، كالتنسيق الامني والاستمرار بتطبيق اتفاقية باريس الاقتصادية، التي اكتشفت السلطة الفلسطينية بانها مجحفة بحقها وغير ملائمة للظروف الحالية.
ان الأسس التي قامت عليها اتفاقات السلام الموقعة مع اسرائيل تصب في مصلحتها، وكأن الاتفاقات لم توقع بين اطراف متساوية، وانما وقعت على اساس المنتصر والمهزوم، يحصل هذا لأن اسرائيل تفكر بكل كلمة تُوقِع عليها وكل خطوة تقوم بها، تخطط وتفكر للمستقبل ولعشرات السنين الى الامام، حتى قرار الامم المتحدة رقم 242 تم تجييره لصالح اسرائيل لان العرب لم يكونوا اذكياء بما فيه الكفاية، لكي ينتبهوا لكلمة الاراضي او أراضي، ولكن للاسف اسرائيل تحتل كل الاراضي ولم تبق للعرب شيئا يتفاوضون عليه.
ويبدو اننا في حرب يتنافس فيها الطرفان على من هو الاذكى، ونتساءل هل ان الذكاء الاسرائيلي تغلب على الذكاء العربي؟ نتساءل لأن الاتفاقات الموقعة مع هذا العدو تصب في مصلحته وذلك يظهر في حالة معاهدة كامب ديفد وفي حالة اتفاقات اوسلو.
ان اتفاقيات العرب مع اسرائيل يجب مراجعتها على اسس جديدة تضمن الحقوق العربية والمصالح العربية، وليس حسب مبادئ المنتصر الذي يفرض على الطرف المنهزم الشروط التي يريدها.
كاتب فلسطيني
AZP07