اتساع ظاهرة الانتحار في لبنان بسبب التدهور الاقتصادي

299

بيروت‭- ‬الزمان‭ ‬

‭ ‬أثارت‭ ‬حالتا‭ ‬انتحار‭ ‬الجمعة‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬مرتبطتان‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬بضائقة‭ ‬معيشية‭ ‬جراء‭ ‬الانهيار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المتسارع‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬موجة‭ ‬من‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬المنددة‭ ‬بالأداء‭ ‬الرسمي‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمة‭.‬

في‭ ‬وضح‭ ‬النهار،‭ ‬وفي‭ ‬فسحة‭ ‬أمام‭ ‬مبنى‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬الحمرا‭ ‬المزدحم‭ ‬في‭ ‬بيروت،‭ ‬يضم‭ ‬مقهى‭ ‬ومتجراً‭ ‬شعبياً‭ ‬ومسرحاً،‭ ‬أقدم‭ ‬مواطن‭ ‬61‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬الهرمل‭ ‬شرق‭ ‬على‭ ‬الانتحار‭ ‬بإطلاق‭ ‬رصاصة‭ ‬من‭ ‬مسدس‭ ‬كان‭ ‬بحوزته‭.‬

وترك‭ ‬قربه‭ ‬نسخة‭ ‬عن‭ ‬سجله‭ ‬العدلي‭ ‬ملصقة‭ ‬على‭ ‬ورقة‭ ‬كتب‭ ‬تحتها‭ ‬بخط‭ ‬اليد‭ ‬شعار‭ “‬أنا‭ ‬مش‭ ‬كافر‭” (‬لست‭ ‬كافراً‭) ‬تيمّناً‭ ‬بمطلع‭ ‬أغنية‭ ‬ثورية‭ ‬لزياد‭ ‬الرحباني،‭ ‬يليها‭ ‬عبارة‭ “‬بس‭ ‬لكن‭ ‬الجوع‭ ‬كافر‭” ‬في‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬إلى‭ ‬وضعه‭ ‬المعيشي‭ ‬الصعب‭.‬

ويشهد‭ ‬لبنان‭ ‬انهياراً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬متسارعاً‭ ‬يُعدّ‭ ‬الأسوأ‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬لم‭ ‬تستثن‭ ‬تداعياته‭ ‬أي‭ ‬طبقة‭ ‬اجتماعية‭. ‬وخسر‭ ‬معه‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬وظائفهم‭ ‬أو‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬رواتبهم‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية‭. ‬وبات‭ ‬نصف‭ ‬اللبنانيين‭ ‬يعيشون‭ ‬تقريباً‭ ‬تحت‭ ‬خط‭ ‬الفقر‭ ‬بينما‭ ‬تعاني‭ ‬35‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬من‭ ‬البطالة‭.‬

وتترافق‭ ‬الأزمة‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬الليرة،‭ ‬إذ‭ ‬تخطى‭ ‬سعر‭ ‬صرفها‭ ‬مقابل‭ ‬الدولار‭ ‬عتبة‭ ‬التسعة‭ ‬آلاف‭ ‬هذا‭ ‬الأسبوع،‭ ‬فيما‭ ‬السعر‭ ‬الرسمي‭ ‬مثبت‭ ‬على‭ ‬1507‭ ‬ليرات‭. ‬وتسبّب‭ ‬ذلك‭ ‬بموجة‭ ‬غلاء‭ ‬جنوني‭ ‬وتآكل‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬لشريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬اللبنانيين‭.‬

وتجمّع‭ ‬العشرات‭ ‬من‭ ‬المتظاهرين‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬الانتحار‭ ‬وأغلقوا‭ ‬الطريق‭ ‬لوقت‭ ‬قصير‭ ‬رافعين‭ ‬لافتات‭ ‬عدة‭ ‬كتب‭ ‬على‭ ‬إحداها‭ ‬لم‭ ‬ينتحر،‭ ‬قُتل‭ ‬بدماء‭ ‬باردة‭. ‬وحمل‭ ‬شاب‭ ‬لافتة‭ ‬ثانية‭ ‬جاء‭ ‬فيها‭ ‬هاربون‭ ‬للموت‭ ‬بسبب‭ ‬الفقر‭ ‬والجوع‭.‬

وخلال‭ ‬نقل‭ ‬الجثة‭ ‬من‭ ‬المكان،‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬أقربائه‭ ‬يبكونه‭. ‬وقال‭ ‬بانفعال‭  ‬قتل‭ ‬ابن‭ ‬عمي‭ ‬نفسه‭ ‬بسبب‭ ‬الجوع‭.. ‬لعن‭ ‬الله‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭.‬

وقالت‭ ‬صبا‭ ‬مروة‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬خلال‭ ‬مشاركتها‭ ‬في‭ ‬الوقفة‭ ‬اليوم‭ ‬ثمّة‭ ‬شخص‭ ‬انتحر‭ ‬في‭ ‬الحمرا‭ ‬والناس‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬صامتة‭ ‬ونائمة‭.. ‬شخص‭ ‬قتلته‭ ‬الطبقة‭ ‬‭(‬السياسية‭ ‬والفقر‭. ‬في‭ ‬قرية‭ ‬جدرا‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬صيدا‭  ‬جنوب‭ ‬،‭ ‬وُجدت‭ ‬جثة‭ ‬شاب‭ ‬37‭ ‬عاماً‭ ‬الجمعة‭ ‬معلقة‭ ‬داخل‭ ‬غرفة‭ ‬في‭ ‬منزله‭. ‬وقال‭ ‬رئيس‭ ‬بلدية‭ ‬جدرا‭ ‬جوزف‭ ‬القزي‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ ‬الشاب،‭ ‬وهو‭ ‬أب‭ ‬لطفلة‭ ‬صغيرة‭ ‬ويعمل‭ ‬سائق‭ ‬حافلة‭ ‬صغيرة،‭ ‬أقدم‭ ‬على‭ ‬شنق‭ ‬نفسه‭ ‬بوساطة‭ ‬حبل‭ ‬علّقه‭ ‬في‭ ‬سقف‭ ‬غرفة‭ ‬الجلوس‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬عائلته‭ ‬خارج‭ ‬المنزل‭.‬

‭ ‬وكان‭ ‬الشاب‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬ظروف‭ ‬مادية‭ ‬صعبة‭ ‬جراء‭ ‬الوضع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المتعثّر،‭ ‬وفق‭ ‬القزي‭.‬

‭ ‬وأكد‭ ‬متحدث‭ ‬باسم‭ ‬قوى‭ ‬الأمن‭ ‬الداخلي‭ ‬أن‭ ‬الحادثتين‭ ‬انتحار،‭ ‬لافتاً‭ ‬الى‭ ‬ازدياد‭ ‬معدلات‭ ‬الانتحار‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬العام،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬النسبة‭.‬

‭ ‬على‭ ‬حسابه‭ ‬في‭ ‬فيسبوك،‭ ‬كتب‭ ‬الأستاذ‭ ‬الجامعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬جاد‭ ‬شعبان‭ ‬تعليقاً‭ ‬على‭ ‬الحادثتين‭ “‬من‭ ‬ماتوا‭ ‬اليوم‭ ‬والبارحة‭ ‬وقبلها،‭ ‬قتلوا‭ ‬ولم‭ ‬ينتحروا‭. ‬قتلوا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬طغمة‭ ‬حاكمة‭ ‬مستعدّة‭ ‬لقتلنا‭ ‬وتجويعنا‭ ‬وتفقيرنا‭ ‬حفاظاً‭ ‬على‭ ‬مصالحها‭.‬

مشاركة