ابتكارات في مجال الحمض النووي ترسم مستقبل الطب

واشنطن‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬مُنحت‭ ‬جائزة‭ ‬تُعد‭ ‬بمثابة‭ “‬أوسكار‭ ‬العلوم‭” ‬لعالم‭ ‬الأحياء‭ ‬الجزيئية‭ ‬الأميركي‭ ‬ديفيد‭ ‬ليو،‭ ‬لمساهمته‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬التقدّم‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬يشهده‭ ‬مجال‭ ‬العلاج‭ ‬الجيني،‭ ‬إذ‭ ‬تتيح‭ ‬أبحاثه‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬بدقة‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬لها‭ ‬مثيل،‭ ‬مما‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تحوّل‭ ‬جذري‭ ‬للطب‭.‬

وحصل‭ ‬الأستاذ‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬برود‭ ‬التابع‭ ‬لمعهد‭ ‬ماساتشوستس‭ ‬للتكنولوجيا‭ (‬إم‭ ‬آي‭ ‬تي‭) ‬وجامعة‭ ‬هارفارد‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬شرق‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬‭”‬بريكثرو‭” ‬العلمية‭ ‬لابتكاره‭ ‬تقنيتين،‭ ‬إحداهما‭ ‬حسنت‭ ‬بالفعل‭ ‬حياة‭ ‬المرضى‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭  ‬أمراضا‭ ‬وراثية‭ ‬خطيرة،‭ ‬والأخرى‭ ‬تشكّل‭ ‬تطورا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تحرير‭ ‬الجينوم‭.‬

وقال‭ ‬العالم‭ ‬البالغ‭ ‬51‭ ‬عاما‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬قبيل‭ ‬الحفل‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬لتوزيع‭ ‬هذه‭ ‬الجوائز‭ ‬في‭ ‬لوس‭ ‬أنجليس،‭ ‬إن‭ “‬تحويل‭ ‬تسلسل‭ ‬مختار‭ ‬من‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬إلى‭ ‬تسلسل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬اختيارنا‭ ‬هو‭ ‬قدرة‭ ‬كبيرة‭”.‬

‭ ‬ويعتزم‭ ‬ليو‭ ‬التبرع‭ ‬لجمعيته‭ ‬الخيرية‭ ‬بالقسم‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬جائزة‭ ‬تبلغ‭ ‬قيمتها‭ ‬ثلاثة‭ ‬ملايين‭ ‬دولار‭  ‬سيحصل‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬المرموق‭ ‬الذي‭ ‬أطلقه‭ ‬رواد‭ ‬أعمال‭ ‬في‭ ‬سيليكون‭ ‬فالي‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬العقد‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬لمكافأة‭ ‬الإنجازات‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬البحوث‭ ‬الأساسية‭.‬

وأُعطي‭ ‬الباحث‭ ‬هذه‭ ‬الجائزة‭ ‬عن‭ ‬أبحاثه‭ ‬في‭ ‬مجال‭ “‬التحرير‭ ‬الأساسي‭” ‬و‭”‬التحرير‭ ‬الأولي‭” ‬للجينوم،‭ ‬وهما‭ ‬تقنيتان‭ ‬لهما‭ ‬تطبيقات‭ ‬محتملة‭ ‬عدة‭ ‬في‭ ‬الطب‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬الزراعة،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لتطوير‭ ‬محاصيل‭ ‬بقيمة‭ ‬غذائية‭ ‬أعلى‭ ‬أو‭ ‬ذات‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬التحمّل‭.‬

يتكون‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬أنواع‭ ‬من‭ ‬النيوكليوتيدات‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬حروف‭ ‬الأبجدية‭ ‬الجينية‭ ‬هي‭ “‬إيه‭” ‬و‭”‬سي‭” ‬و‭”‬تي‭” ‬و‭”‬جي‭”. ‬وتشكّل‭ ‬التحوّرات‭ ‬في‭ ‬تركيباتها‭ ‬وتسلسلاتها‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الأمراض‭ ‬الجينية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سوى‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬قابلا‭ ‬للعلاج‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تحرير‭ ‬الجينوم‭.‬

وأثارت‭ ‬تقنية‭ ‬المقص‭ ‬الجزيئي‭ “‬كريسبر‭-‬كاس9‭” ‬الثورية‭ ‬التي‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬في‭ ‬الكيمياء‭ ‬عام‭ ‬2020،‭ ‬آمالا‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭. ‬لكنّ‭ ‬لهذه‭ ‬التقنية‭ ‬حدودها،‭ ‬إذ‭ ‬إنها‭ ‬تقطع‭ ‬السلسلتين‭ ‬اللتين‭ ‬تشكلان‭ ‬البنية‭ ‬الحلزونية‭ ‬المزدوجة‭ ‬للحمض‭ ‬النووي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تعطيل‭ ‬الجينات‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬تصحيحها،‭ ‬مع‭ ‬خطر‭ ‬إدخال‭ ‬أخطاء‭ ‬جديدة‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬علاج‭ ‬الأمراض‭ ‬الوراثية‭ ‬يتطلب‭ “‬في‭ ‬معظم‭ ‬الحالات،‭ ‬وسائل‭ ‬لتصحيح‭ ‬الأخطاء‭ ‬في‭ ‬تسلسل‭ ‬الحمض‭ ‬النووي،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬تعطيل‭ ‬الجين‭ ‬المصاب‭ ‬بالخلل‭”.‬

‭ ‬ودفعت‭ ‬هذه‭ ‬الملاحظة‭ ‬فريق‭ ‬ليو‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬على‭ “‬التحرير‭ ‬الأساسي‭”. ‬وتستخدم‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬نسخة‭ ‬معدلة‭ ‬من‭ “‬كاس9‭” ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تقنية‭ ‬المقص‭ ‬الجزيئي‭. ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬البروتين‭ ‬يقطع‭ ‬سلسلتي‭ ‬الحمض‭ ‬النووي،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يستهدف‭ ‬تسلسلا‭ ‬جينوميا‭ ‬محددا،‭ ‬ويتم‭ ‬دمجه‭ ‬مع‭ ‬أنزيم‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬نيوكليوتيد‭ ‬أو‭ ‬حرف‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭.‬

وفيما‭ ‬تهدف‭ ‬معظم‭ ‬العلاجات‭ ‬الجينية‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬الجينات‭ ‬المسببة‭ ‬للأمراض،‭ ‬فإن‭ “‬التحرير‭ ‬الأساسي‭” ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصلح‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬نحو‭ ‬ثلث‭ ‬التحورات‭ ‬المعنية‭. ‬وتشكل‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬المبتكرة‭ ‬محور‭ ‬14‭ ‬تجربة‭ ‬سريرية‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬أتاحت‭ ‬إحداها‭ ‬معالجة‭ ‬مرضى‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬عوز‭ ‬ألفا‭-‬1‭ ‬أنتيتريبسين،‭ ‬وهو‭ ‬مرض‭ ‬وراثي‭ ‬نادر‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬الكبد‭ ‬والرئتين‭.‬

‭ ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬تقنية‭ “‬التحرير‭ ‬الأساسي‭” ‬واعدة،‭ ‬فإنها‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬علاج‭ ‬سوى‭ ‬نحو‭ ‬30‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬100‭ ‬ألف‭ ‬متحورة‭ ‬تُسبب‭ ‬أمراضا‭ ‬وراثية‭. 

فهي‭ ‬غير‭ ‬مفيدة‭ ‬مثلا‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬وجود‭ ‬حرف‭ ‬مفقود‭ ‬أو‭ ‬إضافي‭ ‬ضمن‭ ‬تسلسل‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭. ‬وبهدف‭ ‬معالجة‭ ‬هذه‭ ‬العيوب،‭ ‬أعلن‭ ‬فريق‭ ‬ديفيد‭ ‬ليو‭ ‬عام‭ ‬2019‭ ‬عن‭ ‬تقنية‭ “‬التحرير‭ ‬الأولي‭”‬،‭ ‬وهي‭ ‬طريقة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استبدال‭ ‬تسلسلات‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬بأكملها‭.‬

وفي‭ ‬حين‭ ‬يمكن‭ ‬تشبيه‭ ‬تقنية‭ “‬كريسبر‭-‬كاس9‭” ‬بمقص‭ ‬للحمض‭ ‬النووي،‭ ‬و‭”‬التحرير‭ ‬الأساسي‭” ‬بممحاة‭ ‬تتيح‭ ‬تصحيح‭ ‬حرف‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة،‭ ‬فإن‭ “‬التحرير‭ ‬الأولي‭” ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬وظيفة‭ “‬البحث‭ ‬والاستبدال‭” ‬في‭ ‬معالج‭ ‬النصوص‭.‬

وأصبح‭ ‬إنشاء‭ ‬هذه‭ ‬الأداة‭ ‬الثورية‭ ‬ممكنا‭ ‬بفضل‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الاكتشافات‭ ‬التي‭ ‬وصفها‭ ‬فريق‭ ‬ليو‭ ‬بأنها‭ “‬معجزات‭ ‬صغيرة‭”. ‬وأكّد‭ ‬العالِم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬تشكل‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ “‬الوسيلة‭ ‬ذات‭ ‬القدرات‭ ‬الأكثر‭ ‬تعددا‭ ‬لتعديل‭ ‬الجينوم‭ ‬البشري‭”.‬

‭ ‬ويمكن‭ ‬استخدامها‭ ‬خصوصا‭ ‬لعلاج‭ ‬التليف‭ ‬الكيسي،‭ ‬وهو‭ ‬مرض‭ ‬وراثي‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تدهور‭ ‬الجهاز‭ ‬التنفسي‭ ‬والجهاز‭ ‬الهضمي،‭ ‬ويحدث‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‭ ‬بسبب‭ ‬حذف‭ ‬ثلاثة‭ ‬نيوكليوتيدات‭.‬