إيران في السياسة البريطانية 1896-1921

قراءة في كتاب

 

إيران في السياسة البريطانية 1896-1921

 

باقر الكرباسي

 

عن دار العارف للمطبوعات بيروت صدر كتاب عنوانه (ايران في السياسة البريطانية 1896-1921) للأستاذ الدكتور خضير البديري استاذ الدراسات العليا في جامعة واسط والباحث المتخصص في التاريخ الإيراني المعاصر،  والكتاب في الاصل رسالته للدكتوراه والتي نوقشت في آداب جامعة بغداد عام 1991 وحصل عنها تقدير جيد جداَ، صدر الكتاب في آيار /2013بـــ512صفحة، قرأت الكتاب فوجدته كتابا يستحق الكتابة عنه لما فيه من حقائق وتاريخ لإيران معاصر مهم ،  يتألف الكتاب من مقدمة واربعة فصول درس الباحث فيها كل ما يتعلق بالسياسة البريطانية تجاه إيران بين عامي 1896-1921وهي فترة مهمة في تاريخ ايران المعاصر،  أكد هذه القضية الأستاذ الباحث آخذا على عاتقه دراسة هذا الموضوع بتشجيع من اساتذته متجاوزا وبروح علمية وصبر جميل معظم الصعوبات التي واجهته ،  ففي المقدمة يقول الدكتور البديري (تمثل الحقبة التأريخية1896-1921في ايران مرحلة هامة في تاريخ السياسة الخارجية البريطانية ،  إذ كان هناك انتقال هام يحدث في العلاقات الدولية على صعيد القارة الاوربية ،  بينما كان الخليج العربي ومناطق الحدود الشمالية للهند تمثل ثغورا رخوة من السهل اختراقها والوصول إلى المصالح البريطانية في الهند (الجوهرة الثمينة في التاج البريطاني) لاسيما ايران التي هيأ تدهورها الاقتصادي والاجتماعي المجال للتغلغل الناجح للقوى الاوربية الكبرى واصبحت ميدانا للصراعات السياسية المختلفة ،  الامر الذي دفع بريطانيا لأن تسعى إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي والعسكري في ايران بعد ان ابعدت فرنسا بالطرق الدبلوماسية في العقد الأول من القرن التاسع عشر،  ودخلت مع روسيا في تنافس وصل ذروته في أواخر ذلك القرن حتى عام 1907 لتتبع بعد ذلك تدخلا مباشرا في الشؤون الايرانية امتد حتى انقلاب شباط 1921). ص11

 

درس الباحث الدكتور البديري في الفصل الأول من كتابه المهم هذا : (أهمية ايران في السياسة البريطانية حتى عام1896)وهو تقديم لموضوعه الذي يدرسه ،  فقسم هذا الفصل على اربعة مباحث درس فيها البدايات الاولى للتغلغل البريطاني في ايران اذ أكد الباحث فيه:

 

(ان اهتمام بريطانيا بالشرق ظهر منذ النصف  الثاني من القرن السادس عشر اذ كان بعض الانكليز يرومون الدخول بوصفهم تجارا مغامرين يبحثون عن التجارة والثورة). ثم يستعرض الدكتور البديري من وصل من التجار الانجليز خلال فترة القرن السادس عشر والسابع عشر فيقول :

 

(حقق الاخوان شيرلي نجاحا واضحا في ايران الامر الذي دفع الشاه عباس الأول عام1608لان يوكل إلى السيرانتوني شيرلي مهمة دبلوماسية للإتصال بملوك اوربا بقصد التحالف ضد الدولة العثمانية حاملا معه فرمانين ايرانيين تضمنا منح امتيازات تجارية في ايران ،  ويؤكد الباحث في نهاية هذا المبحث :

 

(عانت ايران خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر كثيرا من الاضطرابات والفوضى الداخلية وشكلت حقبة الغزو الافغاني (1722-1729) ضربة مؤثرة في التجارة كما خابت آمال البريطانيين في اقامة عصر تجاري مزدهر في عهد نادر شاه (1736-1747) الذي لم يهتم بالتجارة كثيرا ،  ولهذا لم يعد بندر عباس المكان الملائم أو القاعدة المناسبة للوكالة البريطانية الرئيسة امام تلك الاضطرابات وتفككت عرى الحكومة الايرانية فأثيرت مسألة نقل الوكالة أكثر من مرة إلى ان انتقلت فعلا عام 1736 إلى البصرة وظلت العلاقات الايرانية البريطانية بين مد وجزر حتى نهاية القرن الثامن عشر).ص26

 

اما المبحث الثاني فقد درس فيه المؤلف :  (الدور السياسي البريطاني في ايران) فيقول : (كان لظهور نابليون على المسرح السياسي وقيامه بحملة على مصر عام 1798 وتفكيره بغزو الهند اثر واضح في دفع السياسيين البريطانيين للقيام بالوسائل اللازمة كافة لتأمين سلامة الثغور والمداخل المؤيدة إلى الهند جميعا ،  لا سيما الاجزاء الشمالية للهند ومنها ايران التي عدت منفذا خطرا لحقب زمنية لاحقة).ص27

 

ويصل الدكتور البديري إلى قناعة في نهاية الفصل ويعطي رأيه فيقول :

 

ان سنة 1798 كانت بداية للمصالح السياسية البريطانية في ايران بعد ان كانت تلك المصالح تجارية بحتة.ويستمر الاستاذ الباحث بشرح جميع المواقف للفرنسيين والبريطانيين والروس حيال ايران بعقد معاهدات والغائها ومن ثم مفاوضات وابرام معاهدات أخرى وهكذا إلى ان يقول في الصفحة 47:

 

(وعلى الرغم من ذلك راقبت بريطانيا تطور الاحداث على الساحة الايرانية بدقة ،  اذ اكد كثير من الساسة البريطانيين على اهمية ايران وتأثيرها في الهند). أما المبحث الثالث من الفصل الأول فقد درس الدكتور البديري (العلاقات البريطانية الايرانية في ظل ازمة هرات)وينتهي فيه بعد بحثه في الوثائق والمراجع إلى ان:(امام هذا الوضع قرر الشاه فتح علي التخلي عن خططه ضد هرات وسحب قواته بدون التوصل إلى اي اتفاقية مع حاكمها).ص54

 

وكان عنوان المبحث الرابع (النفوذ البريطاني في عهد ناصر الدين شاه (1848-1896) ويتحدث المؤلف فيه عن (احتلال ايران لمنطقة هرات  وماارادته بريطانيا من ردع للقوات الايرانية وانسحابها من هرات اذ ان هذه الخطوة اثرت كثيرا على العلاقات البريطانية الايرانية حينها ابدى ناصر الدين شاه استعداده للتحالف مع الروس).ص60 . ويبدي الباحث البديري رأيه في نهاية الفصل الأول قائلا:

 

(وعلى الرغم من النجاح الذي حققته قوى المعارضة الايرانية على اختلافها ،  الا ان ذلك لم يحل اي نوع من انواع الامتعاض،  لأن الهدف الاوسع للغليان الشعبي المتمثل في وأد النفوذ الاجنبي في ايران لم يتحقق ،  بل على العكس وضعت البلاد تحت تأثير المزيد من السيطرة الاجنبية) أما الفصل الثاني والذي اعطاه الاستاذ المؤلف عنوانا هو: (إيران في ظل التنافس البريطاني الروسي منذ اغتيال ناصر الدين شاه حتى الثورة الدستورية 1896-1905)، وقسمه على ثمانية مباحث درس فيها التوجيهات الروسية نحو الخليج العربي وردود الافعال البريطانية تجاهها اذ يؤكد الباحث في نهاية مبحثه الأول :

 

(ان تكثيف النشاط الروسي في ايران ،  والذي يمكن ملاحظته بوضوح بعد اغتيال ناصر الدين شاه عام 1896،  كان مصدر قلق لكثير من رجال السياسة البريطانين)أما المباحث السبعة الاخرى من هذا الفصل  القائم فقد درس فيها الدكتور البديري تطور هذا التنافس بين البريطانيين والروس إلى ان توصل الباحث إلى:

 

(في ايلول 1905 غادر هاردنج ايران إلى الابد ، وشغل منصبه كرانت دف القائم بأعمال المفوضية البريطانية في طهران لعدة اشهر حتى مجيئ سبرنك رايس الذي أصبح بعد ذلك وزيرا مفوضا في ايران وفي وقت كانت فيه ايران تعيش مخاضا ثوريا عسيرا في أواخر عام 1905 تمثل في اندلاع الثورة الدستورية في العام نفسه التي ابدت بريطانيا تخوفا منها بعد ان طالت المصالح البريطانية، فاسهمت في اخمادها وتدخلت بشكل صريح في الشؤون الايرانية من الثورة الدستورية حتى الحرب العالمية الاولى وفي الفصل الثالث يدرس المؤلف البديري : (تطور الاحداث الايرانية من الثورة الدستورية حتى الحرب العالمية الاولى).ص213  واهميتها في السياسة البريطانية 1905-1914، ويتألف هذا الفصل من خمسة مباحث هي على التوالي:

 

المرحلة الاولى من الثورة الدستورية والموقف البريطاني منها 1905-1907.

 

والتقارب البريطاني الروسي في ايران وعقد معاهدة آب 1907.

 

والسياسة البريطانية الجديدة في ضوء معاهدة 1907حتى سقوط محمد علي شاه.

 

والدور السياسي البريطاني في المرحلة الاخيرة من الثورة الدستورية 1909-1911.

 

أما المبحث الاخير فقد درس فيه الاستاذ الباحث (المناورات البريطانيه-الروسية في ايران في ظل المصالح الاستعمارية حتى الحرب العالمية الاولى1911-1914) . وبعد شرح علمي جميل لمباحث هذا الفصل ينتهي البديري إلى:(وهكذا يتضح لنا ان ايران فقدت سيطرتها على شؤون البلاد، وارتبطت ارتباطا تاما بعجلة الدول الكبرى عشية الحرب العالمية الاولى ،  وبما ان البريطانيين في منطقة الشرق الاوسط عموما وايران بشكل خاص جاءت في صلب ذلك النزاع الاوربي ،  إذ كان الهدف البريطاني عند اندلاع الحرب هو حماية موقع بريطانيا والسيطرة على الموقف من ايران التي تحولت فعلا إلى ساحة حرب وموقع هام في الدفاع عن المصالح البريطانية).ص339

 

ويصل باحثنا البديري إلى الفصل الرابع من كتابه عن تاريخ ايران المعاصر فيكون عنوانه: (ايران في السياسة البريطانية منذ اندلاع الحرب العالمية الاولى حتى عام 1921) وقسمه على ثمانية مباحث أراها من اهم مباحث الكتاب ،  فقد درس في المبحث الأول الاوضاع السياسية والعسكرية الايرانية عند اندلاع الحرب وسط تعزيز النفوذ البريطاني)ويقول المباحث في نهاية المبحث:

 

(اتضحت حالة الضعف الايراني مع بداية الحرب العالمية الاولى ،  وتعرضت خلالها سلامة ووحدة الاراضي الايرانية،  بصورة متكررة للانتهاك من القوات الاجنبية،  الأمر الذي جعل من – السيادة الايرانية- اسما لامعنى له وسط تعزيز النفوذ البريطاني واعلان حالة الحياد الايراني).ص348

 

وكان المبحث الثاني من الفصل الاخير قد درس فيه الاستاذ الباحث (الحياد الايراني بين مساومات بريطانيا والدول المتحاربة الأخرى) يتحدث فيه عن جملة شروط وضعتها ايران للانضمام إلى جانب الحلفاء وهي :

 

-انسحاب القطاعات الروسية من اذربيجان .

 

-دفع قرض ضخم للحكومة الايرانية .

 

-تزويد الجيش الايراني بالاسلحة والذخائر الكافية.

 

-تخفيض سعر الفائدة المفروضة على القروض البريطانية والروسية السابقة.

 

أما المبحث الثالث فقد درس فيه الباحث (الجهود المضادة للبريطانيين في ايران وردود الافعال البريطانية تجاهها)وانتهى الدكتور البديري في نهاية هذا المبحث إلى : (وفي الوقت نفسه اثارت التصريحات التي ادلى بها الدبلوماسيون الالمان  قلقا كبيرا لدى الحلفاء،  لاسيما تصريحات فون روس الوزير المفوض الالماني في طهران، الذي اشار في حديث له إلى : ان الحكومة الالمانية ستضمن بعد حرب منتصرة في سياسة مفاوضات السلام ،  الدفاع عن وحدة اراضي ايران واستقلالها السياسي والاقتصادي بشرط ان تقف الحكومة الايرانية في الحرب ضد بريطانيا وروسيا وان تكون مستعدة لربط مصير البلاد بمصير قوات دول الوسط،  الأمر الذي دفع الحلفاء إلى اتخاذ اجراء وقائي قبل ان تتحول ايران إلى دولة معادية بانضمامها إلى جانب المانيا).ص377

 

وكان المبحث الرابع بعنوان (تأزم الموقف السياسي في ايران في ظل سيطرة الحلفاء)قال في نهايته الباحث:

 

(ومع ازدياد سيطرة الحلفاء على ايران اتجهت انظار بريطانيا إلى محاولة تشكيل قوات ايرانية تحت السيطرة البريطانية في الجنوب الايراني لضمان حماية عسكرية للأمن السياسي ولموازنة القوات في الشمال الايراني الأمر الذي أدى إلى تشكيل (قوة بنادق جنوب فارس تحت الاشراف البريطاني هناك).ص395

 

 أما المباحث الاربعة الاخيرة فقد درس فيها الباحث تأسيس قوة بنادق جنوب فارس1916 لحماية المصالح البريطانية،  والعلاقات البريطانية الايرانية بين المد والجزر بعد انهيار النظام القيصري في روسيا حتى نهاية الحرب العالمية الاولى1917-1918،  والتمثيل الايراني في مؤتمر السلام والتوصل إلى عقد المعاهدة البريطانية الايرانية في آب 1919،  ونشاط الدبلوماسية البريطانية في ظل الحكومات الايرانية المتعاقبة 1919-1921.   وفي خاتمة الكتاب يسجل الباحث الدكتور البديري ملحوظاته والنتائج التي توصل اليها ،  من مزيات هذا الكتاب المهم  هوان مؤلفه اعتمد على وثائق غير منشورة في ملفات وزارة الخارجية البريطانية مع ملفات وزارة الهند  ووزارة الخارجية – الارشيف الوطني الاميركي- ووثائق منشورة أيضا منها الامريكية والايرانية والبريطانية والروسية والسوفيتية وكذلك الرسائل والاطاريح الجامعية ومراجع عربية مهمة وكذلك مراجع اجنبية انكليزية وفارسية ،  كلها اعطت للكتاب أهمية ورصانة علمية.