إن لم يُحاسَب الفاسدون فعلى لبنان واللبنانيين السلام

إن لم يُحاسَب الفاسدون فعلى لبنان واللبنانيين السلام

أماني سعد ياسين

عندما خلق الله آدم عليه السلام ومنذ أوّل أيام الخليقة علّمه الأسماء وعلّمه فصل الخطاب وعلّمه فصل الخير عن الشرّ وعلّمه أنّ خطأً واحداً فقط قد ينزل به من أعلى علّيين إلى أسفل سافلين وقد أنزله فعلاً من جنّة الفردوس الأعلى إلى العالم الأدنى، هذا العالم الذي اختلطت فيه كلّ المعايير والقيم فما عاد الأبيض أبيضاً ولا الأسود أسوداً وصار للمال الأسود وللذهب الأسود القدرة على تحويل وتدوير زوايا المفاهيم والحقائق والثوابت والأسس. هذا ما أحببت أن أشير إليه في مقدّمتي  لأضيء على ما بات عليه حالنا بعدما انطفأت في نفوسنا تلك الروح الجميلة المحبّة للخير وبعدما ابتعدنا عن حجر أساسٍ واحد أوحد هو مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي نزلت به الشريعة الإلهية والأمر الإلهي  لكي يسيطر الحق و يزهق الباطل. فما بات عليه حالنا اليوم في بلداننا العربية وبخاصةً في لبنان الذي يعاني ما يعانيه من فقرٍ وبؤس وقلّة حيلةٍ وانعدام القدرة على التغيير وسيطرة الفساد والإفساد هو نتيجة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو نتيجة تلك السياسات المعروفة بسياسات ” النأي بالنفس” والمداهنة والمسايرة التي لطالما سمعنا بها عند كلّ منعطفٍ وزاوية مفصلية والتي دائماً ما كنّا نسمع بها من قريبٍ أو من بعيد وكلّما ضاق بنا الحال أو وجدنا أنفسنا وقد حُشرنا في زاويةٍ ضيقة نريد منها خروجاً.

إذ ما معنى أن نكون اليوم في حالةٍ أقلّ ما يُقال عنها أنّها حالة حرجة تستدعي العمل السريع والدؤوب والطارئ لكي نقوم بإنقاذ ما تبقّى لنا قبل أن نغرق وتغرق بنا السفينة التي نحن فيها ونسكت ؟!

وما معنى أن نعضّ على الجرح النازف فيما نحن نغرق ويغرق معنا كلّ ما عملنا لأجله وما بنيناه طيلة سنواتٍ وسنوات طويلة  ونسكت ؟!

وما معنى أن  يموت الفقراء المساكين في لبنان على أبواب المستشفيات لا يستطيعون علاجاً بعدما انقطع عنهم الماء والكهرباء والدواء و.. نسكت ؟!

وكيف يمكن أن يسكت الفقير والمسكين ومن يموت في كلّ يومٍ مئات المرّات من الجوع والفقر وقلّة الحيلة والقهر والذلّ ؟!

 بل كيف يمكن أن يسكت الفقير والجائع والعريان عن من يسرق قوته وقوت عياله ليلاً ونهاراً، سرّاً وجهاراً، علانيةً وإسراراً وهو يعاني ما يعاني من قهرٍ وإذلال يومي إن في صفوف الإنتظار الطويلة على أبواب محطات البنزين أو حينما يموت طفله أو أباه أو أمّه على أبواب المستشفيات أو نتيجة عدم وجود الدواء والكهرباء والماء؟!

 وكيف يمكن أن يرى الفقير الجائع والمسكين المستضعف حقّه الضائع في جيوب من يسمّون أنفسهم أوصياء أو مسؤولين وهم إن كانوا مسؤولين عن شيءٍ ما يوماً ما فهم مسؤولون حتماً أمام محكمة الله العليا، مسؤولون عن فسادهم واستهتارهم بمصالح الوطن والفقراء من الناس؟!

فلماذا إذن نخجل أن نسمّي الأشياء بأسمائها؟!

فهل يُسمّى الفاسدُ إلا فاسداً ؟! وهل يمكن أن يُطلَق على الفسادِ مسمّياتٍ أخرى ؟!

في قوانين البشر والإنسان، وفي القوانين الموضوعة للخير والشر منذ بدءِ الخليقة لا يمكن أن يُسمّى الفسادُ إلا فساداً، أمّا في بلداننا العربية والإسلامية فإنّ من الواضح أن الفسادَ له أسماء أخرى!

فالفسادُ في لبنان كما في كثير من دولنا العربية له  أسماء أخرى، أسماء جميلة منمّقة مزيّنة بأعلى درجات الزينة،  فالفاسد مثلاً قد يكون مسؤولاً كبيراً كأن يكون وزيراً أو نائباً أو حتّى رئيساً للوزراء أو رئيساً للنواب أو للجمهورية أو للقضاء أو …  وما إلى ذلك من رتبٍ مرتّبةٍ منمّقةٍ وأسماء!  أو أن يكون ولسوء حظِّ الناس وبؤسهم كلّ هؤلاء جميعهم فاسداً!

  وقد يكون الفساد ضارباً أفقياً وعامودياً وعرضياً وطولياً بمعنى أن يكون الشعب بغالبيته أيضاً فاسداً وهو الذي أوصل هذه الشريحة المتعفّنة من المسؤولين الفاسدين المفسدين.

 ولا ينفع السؤال والتساؤل هنا أن هل الشعب هو من نقل فساده الى الطبقة الحاكمة فعلياً فانتخب مسؤولين فاسدين يمثّلون فساده أم أنّ العكسَ هو الصحيح وأنّ المسؤولين الفاسدين هم من نقلوا عدوى فسادهم إلى العامّة من الناس لكي يثبّتوا قواعدهم المتينة الضاربة في الأرض كالجذور  ولكي يتمكّنوا بالتالي من الاستمرار في فسادهم وإفسادهم أكثر فأكثر ، فالأمر سيّان والنتيجة واحدة وهي أنّه لا يمكن لطبقة سياسية فاسدة أن تحكم شعباً على مدى سنواتٍ طوال وتكون في ذات الوقت مدعومةً من هذا الشعب بدعاماتٍ وأساساتٍ مفصلية قوية وثابتة لا تتزحزح وبكيفياتٍ وطرق عدّة لو لم يكن هذا الشعب بغالبيته فاسداً أو على الأقل راضياً قانعاً ساكتاً عن الحقِّ وبعضه متنعِّماً بالفساد.

ومقولة أمير المؤمنين علي عليه أفضل الصلاة والسلام وهو القائل ” كما تكونوا يُوَلّى عليكم ”  هي خير ما يمثّل هذا الشعب المسكين وقصّته مع هذه النماذج من الحكام الفاسدين المفسدين في الأرض.

طبقة حاكمة

 فالمؤكّد حتماً أنّه لا يمكن لأيّ طبقةٍ حاكمة أو حاكمٍ فاسدٍ مستقوٍ على شعبه أن يبقى على رأس سلطةٍ منتخبةٍ كما هو حال السلطة في لبنان إلا بأن يكون بعض هذا الشعب إن لم نقل أكثره وفي صميم ذاته إمّا جاهلاً أو فاسداً أو صامتاً عن الحقِّ أو مستفيداً ومنتفعاً بطرقٍ عدّة كما هو ب” الواسطة”.

وفي حالٍ كهذا الحال، ليس من الغريب أبداً أن يصل البلد الى هذا الحال من التردّي والبؤس والفقر والإفلاس طالما لا عقاب ولا حساب ولا من يُحاسِب من الناس ولا من يُحاسَبون!

موقف دفاع

وما زال هنالك من يدعم هؤلاء الفاسدين ويقف موقف الدفاع عن هؤلاء الفاسدين المفسدين من الشعب اللبناني وهم للأسف كثر نتيجة عدّة عوامل ليس أقلّها الجهل والشحن والتجييش الطائفي والمذهبي فلن يرعوي هؤلاء الفاسدين  عن بيع البلد وثروات البلد طالما هنالك قطرة ماءٍ وذرّة ترابٍ وهواءٍ تُباع ويستطيع أن يسرقها وينهبها هؤلاء، فما بالكم ولبنان بحسب تقارير الخبراء الآن يطوف على بحيرةٍ من النفط والغاز ، وقد لا يستفيد اللبنانيون أبداً من هذه الثروات إن بقي هؤلاء الفاسدين على رأس السلطة وهو ما تطمح إليه هذه السلطة الطامعة المفسدة وخصوصاً في هذه اللحظات الحسّاسة من تاريخ لبنان وذلك بتشجيع من ومع وجود الأطماع الدولية والإقليمية الدائمة بخيرات بلدنا وثرواته.

إنّ مثَلَ لبنان اليوم كمثَلِ شركةٍ كبرى شارفت على الإفلاس أو أفلست فعلياً نتيجة فساد مرؤوسيها الفاسدين والمستثمرين منذ سنواتٍ في الفساد ، ومَثَلُ كثيرٍ من  الدول الاستعمارية الطامعة في زماننا ومن حولنا كمثَلِ من يريد أن يستفيد من الوضع القائم والفساد المستشري في لبنان لنهب ثروة لبنان الجوفية من النفط والغاز الطبيعي وحرمان الشعب اللبناني من ثروته النفطية ونهب مقدّراته وتعجيزه من خلال رهن إرادته مسبقاً وفرض الشروط عليه عبر إفقاره وتجويعه وذلك قبل إخراج ثرواته من جوف الأرض.

فهل يدرك الشعب اللبناني حقّاً خطورة وحساسية  المرحلة الحالية وما يمرُّ به لبنان من تحدّيات كبرى؟! وهل يدرك الشعب اللبناني العزيز والمقهور أنّ بقاء هؤلاء الفاسدين المفسدين على رأس السلطة لا يعني إلّا نهب ما تبقّى من ثرواتهم المكنوزة تحت الأرض بعدما نهب هؤلاء المستغلّين ما نهبوا وسرقوا ما سرقوا من خيرات وثروات لبنان واللبنانيين على مدى سنوات طوال؟!عسى أن يدرك اللبنانيون اليوم خطورة المرحلة الحالية القائمة وأن يدركوا بأنّ كلَّ ما يجري في لبنان حالياً من ضغوط داخلية المنشأ  خارجية التدبير والتخطيط والبرمجة والإخراج ، واقعيةً كانت أو مخطّطة مدبَّرة ما هو إلّا ضغط استعماري دولي من أعداء لبنان الكثر وبتنفيذ عملاني شيطاني مشؤوم من عملاء الداخل الفاسدين المفسدين الذين وُضعوا أساساً في مناصبهم تلك لأجل هدفٍ واحد وهو رهن إرادة اللبنانيين ونهب ثرواتهم من نفطٍ وغاز بعدما قام هؤلاء الفاسدين المستغلّين وعلى مدى سنوات طوال بنهب أموالهم وممتلكاتهم وبعدما بات أكثر من نصف الشعب اللبناني يرزح تحت خط الفقر نتيجة سياسات هؤلاء الفاسدة الطامعة وأن يعلم اللبنانيون جميعاً أنّه ما من فائدة تُرجى بعد إلّا بأن يدركوا ويلمسوا حقيقة وخطورة الوضع الراهن ما بين أطماع الفاسدين الداخلية وبين أطماع العدو الصهيوني المتحيّن دائماً للفرص  وها هو يتحدّى اللبنانيين جميعاً ويعلن بأنّه سوف يبدأ بتلزيم شركات النفط لبدء الحفر في المناطق التي هي حقّ للبنان واللبنانيين فقط .

من هنا، لا فائدة  تُرجى بعد إلّا بأن يتّحد اللبنانيون جميعاً  في رفض ومواجهة هؤلاء الفاسدين المفسدين وأن يقطعوا الطريق على من يريد لهم أن يواجهوا بعضهم بعضاً وينجرّوا إلى الفوضى التي يسعى إليها الكثير من الطامعين والمفسدين من الداخل والخارج  ، وأن يعلموا يقيناً بأن لا حل ولا دواء يخرج لبنان من محنته وأزمته الحالية إلّا بأن يُحاسَب الفاسدون جميعاً على كلّ جرائمهم وانتهاكاتهم ونهبهم وسرقاتهم ، من أيّ دينٍ كانوا ولأيِّ طائفةٍ انتموا ، وإن لم يفعلوا ذلك فعلى لبنان واللبنانيين السلام !

مشاركة