إني خيرتكم فاختاروا- عبدالهادي كاظم عبد الحميري

396

عبد‭ ‬الهادي‭ ‬كاظم‭ ‬عبد‭ ‬الحميري

غالباً‭ ‬ما‭ ‬تعاني‭ ‬العائلة‭ ‬المربية‭ ‬للأغنام‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬ذبح‭ ‬الخروف‭ ‬كنذر‭ ‬لوجه‭ ‬الله‭ ‬أو‭ ‬أحد‭ ‬الأئمة‭ ‬من‭ ‬حزن‭ ‬وكدر‭ ‬خصوصاً‭ ‬صغار‭ ‬العائلة‭ ‬الذين‭ ‬طالما‭ ‬لعبوا‭ ‬مع‭ ‬الخروف‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬حملاً‭ ‬بألوانه‭ ‬الطفولية‭ ‬الزاهية‭ ‬وحركاته‭ ‬وقفزاته‭ ‬الحلوة‭ ‬الماهرة‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تصنعه‭ ‬النطاح‭ ‬معهم‭ ‬عندما‭ ‬أصبح‭ ‬خروفاً‭ ‬وقد‭ ‬يخالج‭ ‬رب‭ ‬العائلة‭ ‬نفسه‭ ‬الأسى‭ ‬والحزن‭ ‬على‭ ‬الخروف‭ ‬المسكين‭ ‬وهنا‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تعقد‭ ‬الجدة‭ ‬مؤتمراً‭ ‬طارئأ‭ ‬للصغار‭ ‬والكبار‭ ‬لتحكي‭ ‬لهم‭ ‬قصة‭ ‬القصاب‭ ‬والخروف‭ ‬يوم‭ ‬القيامة‭:  

تقول‭ ‬الجدة،‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬القيامة‭ ‬يجلس‭ ‬سبحانه‭ ‬على‭ ‬العرش‭ ‬وإلى‭ ‬يساره‭ ‬تسعر‭ ‬نار‭ ‬جهنم‭ ‬وتتلظى‭ ‬في‭ ‬تنور‭ ‬هائل‭ ‬طالبة‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬القتلة‭ ‬والسفاحين‭ ‬لتدويرهم‭ ‬بين‭ ‬طيات‭ ‬لهيبها‭ ‬الهائل‭ ‬جراء‭ ‬ما‭ ‬إقترفوا‭ ‬من‭ ‬سفك‭ ‬دماء‭ ‬بريئة‭.  ‬والى‭ ‬يمين‭ ‬سبحانه‭ ‬يمتد‭ ‬مرج‭ ‬واسع‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬له‭ ‬آخر‭ ‬أو‭ ‬حدود‭ ‬يعج‭ ‬بالأعشاب‭ ‬والحشائش‭ ‬النضرة‭ ‬وتزقزق‭ ‬فوقه‭ ‬العصافير‭ ‬الملونة‭ ‬الجميلة‭ ‬وتتبختر‭ ‬فوق‭ ‬وروده‭ ‬وتلثم‭ ‬أزهاره‭ ‬الفراشات‭ ‬الزاهية‭ ‬الألوان‭. ‬وتمضي‭ ‬الجدة‭ ‬في‭ ‬قصتها

تحضر‭ ‬الملائكة‭ ‬القصاب‭ ‬بالأصفاد‭ ‬ومعه‭ ‬الخروف‭ ‬الذي‭ ‬ذبحه‭ ‬ليمثلا‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬سبحانه‭ ‬للحساب‭. ‬يخير‭ ‬سبحانه‭ ‬الخروف‭ ‬بين‭ ‬أمرين‭ ‬الأول‭ ‬أن‭ ‬يغل‭ ‬بالقصاب‭ ‬في‭ ‬أتون‭ ‬نار‭ ‬جهنم‭ ‬خالدا‭ ‬فيها‭ ‬جزاء‭ ‬فعلته‭ ‬في‭ ‬ذبحه‭.‬

والثاني:‭ ‬ن‭ ‬ينعم‭ ‬الخروف‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الروض‭ ‬العظيم‭ ‬خالدأ‭ ‬فيه‭ ‬جزاء‭ ‬ما‭ ‬حل‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬ذبح‭ ‬وظلم‭ ‬ويعفو‭ ‬عن‭ ‬القصاب‭.‬

يسبح‭ ‬الخروف‭ ‬بحمد‭ ‬ربه‭ ‬ويهرع‭ ‬الى‭ ‬الروض‭ ‬يأكل‭ ‬ما‭ ‬طاب‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬الأعشاب‭ ‬ويتمرغ‭ ‬تحت‭ ‬شمسه‭ ‬الدافئة‭ ‬على‭ ‬صوت‭ ‬زقزقة‭ ‬العصافير‭ ‬وخرير‭ ‬الجداول‭ ‬الصافية‭. ‬ذبحت‭ ‬الأحزاب‭ ‬الطائفية‭ ‬الحاكمة‭ ‬الشعب‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الطائفية‭ ‬وخرجت‭ ‬قياداتها‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬سالمة‭ ‬معافاة‭ ‬كما‭ ‬تخرج‭ ‬الشعرة‭ ‬من‭ ‬العجين‭. ‬وتسببت‭ ‬في‭ ‬مجيء‭ ‬داعش‭ ‬لتذبح‭ ‬البشر‭ ‬وتهدم‭ ‬البناء‭ ‬والحجر‭ ‬في‭ ‬أسوء‭ ‬مجازر‭ ‬ذبح‭ ‬وتهديم‭ ‬وتهجير‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث‭ ‬ومرت‭ ‬النار‭ ‬والعاصفة‭ ‬وكانت‭ ‬بردا‭ ‬وسلاما‭ ‬على‭ ‬القادة‭ ‬الميامين‭.  ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفروض‭ ‬أن‭ ‬تتوب‭ ‬الطبقة‭ ‬الحاكمة‭ ‬وتترك‭ ‬المحاصصة‭ ‬والفساد‭ ‬وتعدل‭ ‬الدستور‭ ‬وتسن‭ ‬القوانين‭ ‬المعطلة‭ ‬وتوفر‭ ‬للشعب‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬إستحقاقاته‭ ‬إكراماً‭ ‬لشهدائه‭ ‬وجرحاه‭ ‬على‭ ‬أياديها‭ ‬وأيادي‭ ‬من‭ ‬سبقها‭ ‬في‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬السنوات‭ ‬العجاف‭ ‬،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬المفروض‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬تعزز‭ ‬الشعور‭ ‬بالمواطنة‭ ‬والكرامة‭ ‬والفخر‭ ‬بعد‭ ‬النصر‭ ‬المؤزر‭ ‬على‭ ‬داعش‭  ‬إلاّ‭ ‬أنها‭ ‬عادت‭ ‬الى‭ ‬أبشع‭  ‬أنواع‭ ‬الفساد‭ ‬وطورت‭ ‬المحاصصة‭ ‬الى‭ ‬تقاسم‭ ‬المغانم‭ ‬وتركت‭ ‬المساكين‭ ‬يتلقطون‭ ‬الرزق‭ ‬من‭ ‬القمامة‭ ‬ويعيشون‭ ‬في‭ ‬بيوت‭ ‬الصفيح‭ ‬المهلهلة‭ ‬في‭ ‬العشوائيات‭ ‬وتركت‭ ‬الشباب‭ ‬والخريجين‭ ‬بلا‭ ‬عمل‭ ‬يتحسرون‭ ‬عل‭ ‬فتات‭ ‬ما‭ ‬يتمتع‭ ‬به‭ ‬أقرانهم‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭  ‬المجاورة‭ ‬وأذلت‭ ‬العراق‭ ‬بالتبعية‭ ‬الواضحة‭ ‬والصريحة‭ .‬

وعندها‭ ‬ثار‭ ‬الشباب‭ ‬وتصدوا‭ ‬للقناص‭ ‬القاتل‭ ‬وقاذف‭ ‬القنابل‭ ‬المميتة‭ ‬بصدور‭ ‬عارية‭ ‬وأيادي‭ ‬ملوحة‭ ‬بعلم‭ ‬العراق‭ ‬لا‭ ‬غير‭. ‬اهتزت‭ ‬عروش‭ ‬المتحاصصين‭ ‬المتغانمين‭ ‬وهطلت‭ ‬حزم‭ ‬الإصلاحات‭ ‬والمكرمات‭ ‬حيث‭ ‬فتح‭ ‬الهلع‭ ‬كيس‭ ‬السلطة‭ ‬ولكنه‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬كسر‭ ‬قيد‭ ‬المحاصصة‭ ‬والمغانمة‭ ‬والتبعية‭.‬

في‭ ‬اليومين‭ ‬القادمين‭ ‬بين‭ ‬كتابة‭ ‬ونشر‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬نتذرع‭ ‬الى‭ ‬من‭ ‬تذبح‭ ‬لوجهه‭ ‬الكريم‭ ‬النذور‭ ‬أن‭ ‬يؤتي‭ ‬حكام‭ ‬العراق‭ ‬الحكمة‭ ‬والشجاعة‭ ‬ويقدموا‭ ‬شيئاً‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬الخيار‭ ‬بين‭ ‬حزمة‭ ‬إصلاحاتهم‭ ‬المتأخرة‭ ‬ونار‭ ‬جهنم‭.‬

‭ ‬

‭ ‬

مشاركة